من وقفة للمحامين بعد مقتل زميلهم كريم حمدي، المصدر: صفحة كلنا كريم حمدي- فيسبوك

صراع الحصانات.. لماذا تتكرر التجاوزات بحق المحامين؟

موجة غضب جديدة أثارتها واقعة إطلاق النار على محام وموكليّه الاثنين أثناء تسجيل عقد قطعة أرض بمحافظة الشرقية، الجمعة الماضية، مع تكرار حوادث الاعتداءات عليهم من قبل قوات إنفاذ القانون وأعضاء في السلطة القضائيّة بأشكال مختلفة، وسط ما يصفه محامون بتراخٍ من قبل النقابة في وضع حد لسلسة الاعتداءات.

واقعة نعمة الله ليست الأولى من نوعها، ففي شهر مايو/آيار الماضي، أطلق موظف بمحكمة أبو حمّاد بالشرقية النار على علي فتحي منير المحامي وأصابه في قدمه، وبالأمس ظهر أحد المحامين في قضيّة كتائب حلوان كمتّهم في ذات القضية بعد أيام من القبض عليه.

تكرار هذه الوقائع بحسب مقرر لجنة حقوق الإنسان بنقابة المحامين، حاتم السعيد، يخلق حالة غضب داخل أوساط المحامين، خاصة الشباب منهم.. فلماذا تتكرر هذه الاعتداءات؟

يقول السعيد للمنصة أنهم علّقوا العمل بالمحاكم ابتداءً من السبت الماضي، ودعوا النقيب سامح عاشور إلى اتخاذ موقف جاد تجاه تكرار هذه الحوادث. لخص السعيد كل الإجراءات المطلوبة لحماية المحامين في "الحصانة". يقول "إحنا بنشوف محامين بيتم التعدي عليهم داخل مكاتبهم من مجهولين، للأسف ماعادتش في حصانة للمحامين"، يرى السعيد تراخيًا من النقابة في حماية أعضائها "كل ما حاجة تحصل بنقول هنقعد وهنعمل، لكن ما بيحصل حاجة".

بيان الداخلية بخصوص واقعة قتل نعمة الله وموكليه أشار إلى "ثلاثة من العناصر الإجرامية شديدة الخطورة المطلوب ضبطهم فى قضايا سرقات بالإكراه والسطو المسلح والقتل والخطف"، وأن الواقعة تضمنت تبادلاً لإطلاق النار بين العناصة الثلاثة والشرطة وانتهت بمقتل الثلاثة.


ووصف البيان القتيل الثاني "أحمد س."، بأنه عاطل عن العمل، وهو ما ردت عليه نقابة المحامين بأن المحامي أحمد السيّد نعمة الله مقيد في جداول النقابة للعام 2018، أي أنه عضو عامل بالنقابة، كما أنه تواجد في مكان الواقعة لتحرير عقد أرض، وأنه لم يبادل الشرطة إطلاق النار، بل أن القوات الأمنية هي من بادرت بإطلاق الرصاص على الثلاثة بدعوى أن الاثنين الذين كانا معه من المطلوبين للعدالة.

وذكرت النقابة عدّة وقائع تساند روايتها، منها أن القتيل لم يتواجد في مكان معد لتبادل إطلاق النار، بل مكان مكشوف، وأن نعمة الله لم يكن حائزًا للسلاح ولا مرتبطًا بأي عمل حزبي أو سياسي، وأن وزارة الداخلية في بيانها لم تنسب للمحامي مقاومة السلطات، وهو ما يجعل جريمة تبادل إطلاق النار جريمة "واهية" على حد وصف البيان.

تداعيات الواقعة مازالت مستمرة، فقد نقل موقع القاهرة 24 صورًا لإضراب محامين بالشرقية احتجاجًا على مقتل زميلهم، وأنهم مستمرون في الاعتصام حتى حبس الجاني الذي تم إخلاء سبيله، إضافة إلى تقديم 16 بلاغًا بخصوص الواقعة، بحسب تصريحات نقيب المحامين بالشرقية حسن الصادق.

السلسلة

حادث قتل نعمة الله، واحد من سلسلة اعتداءات على المحامين، لكن أشهرها كان قتل المحامي كريم حمدي بعد تعرضه للتعذيب في قسم المطرية في 2015. نظم بعدها المحامون وقفات احتجاجية للضغط من أجل معاقبة المجني عليهم في القضيّة. احتشاد المحامين استدعى وقفتهم عام 1994، بعد مقتل زميلهم أحمد عبد الوارث إثر تعذيبه من قبل قوّات الشرطة، كما تدخلت النقابة بالدفاع عن كريم حمدي إضافة إلى تضامن وتطوع عدد كبير من المحامين لمهمّات الدفاع والمرافعة، كان من بينهم ياسر أحمد، المحامي بالنقض.

ياسر أحمد يتشارك مع السعيد الرأي بمسؤولية النقابة عن التراخي لمنع تكرار وقائع الاعتداء على المحامين، لكنه يرفض تفسير الأمر على إنه استهداف ممنهج لهم. يقول أحمد للمنصة "الضابط اللي ضرب نعمة الله ماكانش يعرف إنه محامي. هنا الجريمة هي تصفية متّهمين دون الحاجة لذلك". يضيف "تعامل الضابط مع الواقعة أمنيًا كان خاطئًا. المفروض الداخلية عاملة تحريات علشان يقبضوا على المتهمين، مش علشان يصفّوهم".

من صفحة "كل المحامين كريم حمدي"- فيسبوك

في حديثه عبر الهاتف، يشرح أحمد أن "وجود محامٍ مع موكّله، حتى لو كان الموكّل مطلوب أمنيًا، لا يجعله شريكًا في المسؤولية الجنائيّة. لأن المحامي طبيعة عمله بتخليه مطالب بتواجد مع موكله، حتى لو كان مطلوبًا، وطبيعة عمله تمنعه من الإدلاء بمكانه للشرطة لو كان المتّهم هربان، أو تطلب المحكمة شهادته في قضيّة يترافع فيها".

يوضح أحمد نوعية المضايقات التي يتعرض لها "لو داخل قسم ممكن ألاقي الأمين موقّفني يقول لي داخل ليه وعشان إيه؟ أو مثلا حاجب في المحكمة، اللي هي مكان عملي، بيسألني رايح فين وعايز تدخل تقابل مين، ده غير المصاعب الروتينية زي إني لازم أقدم طلب عشان أبص في الأجندة الخاصة بالنيابة للاطلاع على قرار يخص قضية معيّنة أو على رول القضايا".

من اقتحام المكاتب وحتى القتل تعذيبًا

رصدت جريدة الوطن المصرية 17 انتهاكًا من قبل مواطنين وظباط وأمناء شرطة ومعاوني مباحث منذ 2011 ضد المحامين، السنة التي تولى فيها سامح عاشور منصب النقيب، وحتى 2015.

تتعدد هذه الوقائع بين اقتحام المكاتب والاعتداء البدني والرمي بالأكواب، وحتى القتل بعد التعرّض للتعذيب كما حدث في واقعة كريم حمدي.

يقول أحمد إن جزءًا من المشكلة يرتبط بمدى ضبط المحامي لعلاقته مع الجهات التي يتعامل معها "لا يجب أن تكون علاقته حادة ولا يجب أن تكون معتمدة على مجاملات"، مضيفًا "عشان كده مهم يبقى فيه لجنة قيم بتراقب عمل المحامين".

تجاوزات قوّات إنفاذ القانون والسلطة القضائية ضد المحامين كانت ملحوظة حتى قبل 2011، ففي تقرير أعدّه وفد من لجنة حقوق الإنسان في نقابة المحامين الدوليّة بعد زيارته لمصر في يونيو/حزيران 2011 لدراسة التحدّيات التي يواجهها المحامون في مصر قبل وبعد ثورة 25 يناير، ذكر التقرير أن المحامين يواجهون عراقيل أثناء الدفاع عن موكليهم، خاصة أمام المحاكم العسكرية، ووصلت أشكال التدّخل في عملهم إلى الاعتقال، في ظل ما وصفه التقرير بتسييس عمل نقابة المحامين ما يجعلها غير فاعلة في تمثيل مصالح أعضائها.

من وقفة سابقة للمحامين عام 2017. زووم نيوز

وطالب التقرير الذي نشر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 النقابة، بالنشاط بشكل أكبر في مجال حقوق الإنسان بما في ذلك الدفاع عن أعضائها بعد تعرضهم للمضايقات، في وقت بلغ عدد المحامين في مصر، في ذلك الوقت وبحسب التقرير، نصف مليون محامٍ.

وأوصى هذا التقرير بتعديل مواد قانون الإجراءات الجنائيّة لضمان حقوق أكثر للدفاع مثل تسهيل الحصول على نسخ من ملفات القضايا دون الحاجة لتقديم طلب للنائب العام، وإلغاء شرط تقديم طلب لزيارة الموكّل في مكان التوقيف، وحماية المحامين من الاعتقال التعسّفي، وتحديد المعرقلين لعمل المحامين ومعاقبتهم بالعقوبات التأديبية المناسبة.

لكن وبحسب بيان صحفي لمجموعة منظمات غير حكوميّة معنيّة بحقوق الإنسان في أكتوبر/ تشرين الأول 2014، فإن المناخ الذي رصدته لجنة الحريات بالنقابة الدوليّة للمحامين ظل مستمرًا بعد الثورة، فأبدت المنظمات قلقها ممّا أسمته "المناخ العدائي" الذي يضطر المحامون إلى العمل فيه، وخصوصًا المترافعين عن سجناء سياسيين.

حبس في قفص زجاجي وشد شعر وتهديد بالسلاح

ذكرت المنظمات في بيانها أنها وثّقت انتهاكات بحق المحامين أثناء تأدية عملهم، فذكر محامون، بحسب البيان تعرضهم لاعتداءات " بدنية، ولفظية، وتهديدات، وتخويفٍ على أيدي أفراد الأمن"، وأنه "كثيرًا ما يحرم السجناء السياسيون من حقهم في الاجتماع بهم على انفراد، كما أنهم يجدون صعوبة متزايدة في الوصول إلى الوثائق الرسمية المتعلقة بقضاياهم".

وأشار البيان إلى واقعة إحالة القاضي محمد ناجي شحاتة 3 من المترافعين عن أحمد دومة إلى النيابة عقب سماع طلباتهم وحبسهم في فقص زجاجي كاتم للصوت أثناء الجلسة.

أحد الأقفاص الزجاجية. الصورة: يوتيوب

وكذلك اعتداء أفراد أمن المحكمة على المحامية ياسمين حسام الدين أثناء محاكمة يارا سلام، مسؤولة ملف العدالة الاجتماعية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وتعرضها للكمات وجرها من شعرها، ورفض قوات الأمن المتواجدة في المكان تحرير محضر بالواقعة.

وكذلك تعرض المحامي عمرو إمام للتهديد بالسلاح لمحاولته الاستفسار عن تواجد بعض المحتجزين على إثر مظاهرة أمام أحد أقسام الشرطة.

حصانة أم لا حصانة

حاتم السعيّد، مقرر لجنة حقوق الإنسان بنقابة المحامين خلال حديثه الهاتفي مع المنصة لم يوافق على تسمية هذه الوقائع بالانتهاكات، لكنه يرى أنها تتزايد في الفترة الأخيرة "للأسف هناك قلّة من السلطة التنفيذية والقضائيّة ينظرون للمحامي أنه أقل منهم". بسؤال السّعيد عمّا إذا كانت الحصانة التي تحملها أغلب الجهات التي يتعامل معها المحامون عاملاً أساسيًا في تلك النظرة، فكان ردّه "لهذا نحن نطالب بالحصانة للمحامي".

يقول السعيد أنهم طالبوا النقيب مرارًا بإرسال طلبات للبرلمان باتخاذ إجراءات بخصوص منح حصانة للمحامين تحميهم مما قد يعرقل عملهم وتحافظ على أمانهم الشخصي. "يجب أن يكون أمر هذه الحصانة راجع تمامًا إلى نقيب المحامين، وفقًا للدستور والقانون" يقول السعيد "للأسف موضوع كرامة المحامي حاجة كبيرة، لكن في الفترة الأخيرة تم إهانتها من السلطة القضائية ومن السلطة التنفيذية ومن، للأسف، النقابة العامة للمحامين".

في مقابل وجهة النظر هذه، يرفض المحامي ياسر أحمد منح حصانة للمحامين، مبررا ذلك بالقول "الحصانة تستدعي ولاية الدولة على المحامي. ما يعني إمكانية تدخلها في اختيار المحامين أو قيدهم. أتمنى أن توجد حلول أخرى تحمي المحامين غير الحصانة".

قبضة أمنية

في مقال للباحثة منة عمر في مجلة المفكّرة القانونيّة والمنشور عام 2016، تقول إن الاعتداءات على المحامين من قبل الشرطة ارتفعت بشكل ملحوظ منذ العام 2013، الأمر الذي استدعى اعتذارًا من رئاسة الجمهورية للمحامين.

وأرجعت عمر تكرار الاعتداءات إلى توغّل القبضة الأمنية في البلاد "واعتبار المحامين عقبة في طريق معاقبة من يستحق العقاب حسب وجهة نظر الجهاز الأمني"، وهو يتوافق إلى حد كبير مع ما قاله كل من ياسر أحمد وحاتم السّعيد للمنصّة.

يقول ياسر أحمد إن جزءًا من المشكلة هو عدم فهم قطاع من قوات الشرطة أن عمل المحامي يقتضي الدفاع عن حقوق المتّهمين الإنسانية، والتأكد من سلامة كل الإجراءات والقرارات التي اتخذت بحقهم، وبالتالي فإن المواجهات التي قد تحدث بين فرد الأمن والمحامي، هي جزء من عمل المحامين.

غياب شباب المحامين

يذكر المقال إن الانتهاكات بحق المحامين من قبل السلطة التنفيذية ليس بالأمر الجديد، لكن الجديد، على حد ذكر صاحبة المقال، هو موقف النقابة المتراخي "ولعلّ موقف النقابة من القبض على المحامي مالك عدلي أبلغ دليل على تراجع دور النقابة حينما اعتبرت أن القضية ليست نقابية رغم حبس عدلي 30 يومًا في زنزانة إنفرادية.

أرجعت عمر التراجع قي الأداء النقابي إلى غياب كوادر شابة تجدد من لغة خطاب النقابة للمحامين "يُمنع المحامون الابتدائيون من الترشح لمجلس نقابة المحامين والنقابات الفرعية رغم أنهم الأكثر عددًا في جداول المحامين، إضافة إلى تسيس التعامل مع القضايا، على حد وصف عمر في مقالها "التعامل السياسي للنقابة ينعكس على قدرتها في اتخاذ موقف قوي للتصدي للاعتداء على محامين بدعوى انتمائهم لجماعات محظورة أو كونهم اسلاميين، أو أيضا بحجة أنهم أساؤوا الأدب أو التصرف".