تصميم: المنصّة

التفوق وحده لا يكفي: "انترفيوهات المدارس" تغلق الباب أمام أبناء حملة المؤهلات المتوسطة

بخش المدارس أتحايل، طيب انتم فهموني، عرّفوني ليه؟، أنا مظهري كويس وبلبس كويس، هل أنا هخش أعر المدرسة؟

- أسماء، ممرضة وولية أمر.

ساعد عمل أسماء أحمد (29 سنة) كممرضة منذ حصولها على دبلوم التمريض في 2007 وحتى زواجها في 2014، على أن تتحدث الإنجليزية بشكل جيّد، ولأنها طالما أرادت أن تمنح طفلها كل ما منعتها الظروف من التمتّع به، فقد توجهت به إلى مدرسة لغات خاصة "كان نفسي يبقى أحسن منّي"، لكن أبواب المدارس الخاصة أغلقت في وجه ابنها ريان، لأن والدته ليست من ذوي المؤهلات العليا.

"هل عشان زمان ظروفي كانت وحشة؟ طيب أنا دلوقتي ظروفي تحسّنت شوية وعايزة أدخله مدرسة كويسة"، تبكي في المحادثة الهاتفية التي أجرتها معها المنصة، وهي تشكو رفض المدارس الخاصة لابنها الصغير، حتى مع نجاحه في الاختبارات التي تضعها هذه المدارس "اول ما يعرفوا إني مؤهل متوسط يقولولي مع السلامة".

أسماء هي واحدة ممن شاركوا وتابعوا هاشتاج #لا_لمقابلات_المدارس ، والذي أطلقه أولياء أمور رفضًا للمقابلات التي تجريها المدارس للأطفال الصغار قبل دخولهم المدارس، ولممارسات أعضاء هيئة التدريس في التعامل مع الأطفال والأساليب المتّبعة في تقييمهم.

المستوى الاجتماعي

في حالة ريان، فإن تفوقه في هذه الاختبارات لم يكن كافيًا لدخوله واحدة من المدارس التي حاولت أسماء إلحاقه بها "في مدرسة جابوله أربع ورقات، مذكرة صغيرة كده، كلها أشكال لازم يعرفها ويلونها، ونجح في ده"، تضيف "في مدارس كانوا فاكرينه دخل حضانة قبل كده، قلتلهم أني عملته كل ده بنفسي، بس رفضوه لنفس السبب".

يبلغ ريان من العمر ثلاث سنوات وشهرين، يعرف الأرقام والألوان والأشكال الهندسية باللغة الإنجليزية، عكفت أسماء على تعليمه كل ذاك لسنتين كاملتين "ما بيعرفش يعد عربي، أنا علمته كل ده عشان كان نفسي أدخّله مدرسة لغات"، يلاقي ريان ووالدته الرفض من مدارس لغات في مستوى متوسط، يبلغ متوسط مصاريفها لمرحلة الـ"كي جي 1"، بحسب ما حكته للمنصة، بين 12 إلى 14 ألف جنيه مصري، عملت وزوجها على ادخارهم من دخل الأخير الذي يحمل مؤهلاً عاليًا ويعمل في تركيب أنظمة الصوت والصورة.

تصف أسماء ما يحدث معها من إدارات المدارس بالتنمر "هو ده التنمر اللي كل المدارس ديه بتعمل حملات عليه، وهم أصلا متنمرين، على الأهالي والأطفال نفسهم"، تحكي أسماء أنها تعاملت مع إدارات ترفضها وريان "من ع الباب، وفي مدارس بيبقوا معلّقين ورقة ع الباب، ديه أنا ماجربتش أروحلها أساسًا".

تقول أسماء إن إدارات المدارس التي حاولت معها تتحدث معها صراحة عن المستوى الاجتماعي "في مدرسة دخلتها المديرة قالتلي إني ما انفعش، طلبت منها يشوفوه في الانترفيو وإني بتكلم لغة من أول ما اشتغلت، بيقولولي لا والله إحنا على المستوى الاجتماعي ما بين الأهالي"، تؤكد أسماء أن جميع المدارس التي قدّمت بها يذكرون أن القرار قرار داخلي لاعلاقة له بالإدارة التعليمية "قريت عن ناس اشتكت في الإدارات التعليمية لكن ما حصلش حاجة"، تقول أنها ليست متحمّسة لتجرّب الشكوى للإدارة التعليمية لعلمها بتجارب من سبقوها.

مثال على ما تصادفه أسماء يوميًا من مشكلات شبيهة بمشكلتها

تعد مقابلات المدارس في حكم العرف المتبّع في أغلب المدارس الخاصة، وعلى مر السنوات الماضية، تظهر شكاوى على فيسبوك لأهالي يتحدثون عن تجاربهم مع انترفيوهات المدارس، أشهرها كانت تجربة مينا رامي عدلي، الذي رفضت إحدى المدارس قيد ابنه بها مشككة في قدرات الطفل، ليشكو رامي من التعامل الذي وجده طفله، لاقى بوست رامي وقتها انتشارًا واسعًا.

نشر رامي بعدها "بوست" آخر يتحدّث فيها عن تجربة نقل ابنه إلى مدرسة في مدينة لوكسمبورج معه خلال انتقاله من مصر إلى مكان عمله الجديد، والاختلاف بين ما لاقاه في مصر، وما وجده طفله في المدرسة الحكومية التي يرتادها في المدينة الأوروبيّة، كان أبرز ما كتب عنه هو أن ابنه سيتعلّم خمس لغات في مدرسة لم تختبره قبل دخوله بها، اهتمت الصحف وقتها بمتابعة تجربة رامي وطفله.

البحث عمّا كتبته الصحف عن انترفيوهات المدارس، نجد أن الأمر مقبول وموضع تنافس إلى حد تقديم مواقع منتشرة بين عدد كبير من المستخدمين المصريين، كالدستور، ودوت مصر، ومواقع متخصصة كسوبر ماما، مواضيع تشرح لأولياء الأمور أهم الأسئلة التي عادة ما تطرح في "انترفيوهات المدارس"، لم يبتعد الأمر عن اهتمام مواقع الصحف القومية مثل أخبار اليوم.

تصيب بالإحباط

لكن ومع صعود هاشتاج لا لمقابلات المدارس، اتجهت وسائل الإعلام إلى تغطيات تبدو أكثر رفضًا للفكرة، خاصة البرامج التليفزيونية التي فتحت ساعات الهواء للشاكين من أولياء الأمور، ومتخصصين كحسن شحاته، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، الذي قال لعمرو عبد الحميد مذيع برنامج رأي عام الذي تبثه قناة TEN إن هذه المقابلات تصيب الأطفال بالإحباط.

إضافة إلى أستاذ مساعد الطب النفسي بجامعة المنيا، محمد طه الذي أخبر عبد الحميد في اتصال هاتفي خلال البرنامج أن "المقابلات للأطفال في مصر بالمدارس خاطئة، والغرض منه وضع (مظهر اجتماعي للمدرسة) للمبالغة في سعر الإنترفيو والمصاريف"، تتابع أسماء هذا الزخم، حتى إنها شاركت في إحدى فقرة برنامج السفيرة عزيزة عن الموضوع، لكنها لا تأمل تغيرًا من الوضع، رغم سعادتها بالاهتمام بالمشكلة.

تواصلت المنصة مع ثلاثة مدارس تقع في ثلاثة من أحياء القاهرة؛ المعادي، مصر الجديدة، وفيصل حيث تسكن أسماء وكانت تجربتها.

نفى مسؤولو المدارس الثلاث الذين تحدثت معهم المنصة أن تكون معايير رفض الأطفال تتعلق بمؤهلات ذويهم، فقالت هند قدري، مدير مكتب رئيس مجلس إدارة مدارس المعادي الجديد للغات، أن مقابلة أولياء الأمور تهدف إلى "بس بنشوف المظهر نفسه".

قدري قالت إن المقابلة مهمّة لمعرفة مستوى الطفل وقياس استيعابه، وعن التوتر الذي يمكن أن يخلقه عزل طفل صغير عن ذويه وتعريضه لأسئلة أو اختبار "ماهي بتفرق في الطريقة اللي بنطلب فيها من الطفل ده، كمان إحنا بنسأله أسئلة عادية مش بيبقى في امتحان يعني"، تضيف "ده قياس الطفل يقدر يعتمد على نفسه ولا لأ"، وردًا على سؤالنا عن ضمان ألا تكون العملية مضرّة للأطفال أو مؤثرة على آدائهم "اللي بيعمل المقابلة مش حد أول مرة يقعد مع أطفال، لازم يكون عنده خبرة في الانترفيوهات".

سلمى ناصر من إدارة العلاقات العامة بمدرسة المستقبل للغات بفيصل، دافعت أيضًا عن المقابلات وأهميتها في قياس مستوى استيعاب الأطفال، مضيفة أن مرحلة مقابلة أولياء الأمور هي مرحلة تالية لمقابلة الطفل "لما الطفل بيبقى accepted (مقبول) بنتكلم مع أولياء الأمور عشان نشوف أسلوب كلامهم وإذا كانوا محترمين بس مش أكثر"، لكنها نفت أن هذه الخطوة قد تتسبب في رفض أحد الأطفال "إحنا مش بنرفض الأطفال، الانترفيو بس بيخلينا نقيمهم عشان الأطفال الضعيفة نعلمها Support (دعم)".

منى مكرم، من إدارة شئون الطلبة بمدرسة بي.أون هيليوبليس بحي مصر الجديدة دافعت عن المقابلة التي تجريها المدارس مع الأطفال "إحنا بناخد أطفال من أربع سنين ونص، يعني المفروض يبقوا واعيين وعارفين، دول طلبة هياخدوا منهج صعب يعني لازم يبقى عندهم مستوى وعي كويس"، وردًا على سؤالنا حول مخرجات خطوة المقابلة وما تفيد الصف الخاص بمرحلة رياض الأطفال "ماهو المسألة مش بتبقى صحيحة بنسبة كبيرة يعني، أحيانًا الطفل بيجي أهله بيحفظوه كل حاجة بس مستواه بيظهر في الكلاس (الفصل)"، لكنها أصرت على أهمية هذه الخطوة في قياس مستوى الأطفال على أية حال.

ما يزال ريان في مرحلة مبكرة على اكتشاف سبب عدم قبوله في كل هذه المدارس، والدته لاتحاول تنبيهه للمشكلة "بنخرج وبنتفسح وبجيبله حاجات حلوة وعمري ما بقوله كلمة وحشة على المدارس اللي بترفضه"، لكنها تتذكر عندما ذهبت ذات مرة إلى إحدى المدارس الخاصة لتحاول التقديم لابنها، تقول إنها خرجت من المدرسة فاقدة الوعي "كنت منهارة، المديرة كانت طريقتها بشعة، عاملتني كإني نكرة"، وقتها احتضنها ريان "قالي ما تزعليش وحضني، رغم إنه ماكانش فاهم حاجة"

تشعر أسماء أن وضعها يظلم ابنها، وأكثر من ذلك، تتوقع أنه سيحدد الكثير من ملامح حياته في المستقبل "بالمنظر ده لو ظروفي بقيت أحسن لما يكبر وعزت أقدمله في جامعة كويسة، أو لما تجيله شغلانة، ممكن يرفضوه لنفس السبب"، تقول إن صندوق الوارد الخاص بها على فيسبوك ممتلئ برسائل لتربويين وإعلاميين حاولت الحديث معهم طمعًا في إيجاد حل لمشكلة ابنها "بخش المدارس أتحايل، طيب انتم فهموني، عرّفوني ليه؟، أنا مظهري كويس وبلبس كويس، هل أنا هخش أعر المدرسة؟".