البشير يشهد حتفال جامعة كرري بتخريج دفعات جديدة مارس 2018 الصورة من صفحته على فيسبوك

نظرة على نظام البشير وبقاياه: ثنائية القمع المزدوج

فأصبح السودان في قبضة نظام مزدوج القمع عسكري/ ديني في عبوة واحدة، ما وصفه الراحل د. فرج فودة بـ "الدائرة المفرغة".

تبدو تركيبة النظام السياسي المتداعي في السودان عصية على الفهم لمن يقف خارج المشهد، خاصة مع الإجماع المربك بين قوى إقليمية متنافرة لا تتلاقى مواقفها عادة، على تأييد الرئيس المعزول عمر البشير، الذي كان تارة يغازل الحلف المصري - السعودي مؤكدًا على انتمائه العسكري، وتارة أخرى يستعطف حلف قطر -تركيا عندما يصف نظامه بأنه حركة إسلامية كاملة الدسم.

وللإجابة عن سؤال كيف حظي نظام سياسي واحد على رضا كل هؤلاء الفرقاء، يتحتم علينا العودة قليلًا بالزمن حتى نهايات القرن الماضي، تحديدًا إلى 30 يونيو/ حزيران 1989.

في هذا اليوم وقع انقلاب البشير العسكري (أو "بشة" كما يحلو للسودانيين تسميته). في منتصف ليلة الانقلاب جلبت القوات الانقلابية السفير المصري حسن جاد الحق، إلى مقر تواجد قيادات الحركة الإنقلابية، لترسل من خلاله إلى القاهرة رسالة طمأنة، بأنهم مجموعة من العسكريين بلا أي انتماءات سياسية قد تكون مخالفة للوضع القائم في شمال الوادي، وهو بالفعل ما وصل إلى القاهرة واقتنعت به، فأعلنت اعترافها بالنظام الجديد، ما اعتبره المجتمع الدولي ضوءًا أخضر للاعتراف بشرعية البشير.

وحسب تراث المنطقة العربية بتسمية انقلاباتها العسكرية ثورات، أصبح اسم انقلاب البشير "ثورة الإنقاذ".


خلال الشهور الأولى من حكم البشير للسودان كانت القيادات الإسلامية الكبرى والمعروفة كواجهة لجبهة ميثاق العمل الإسلامي تقبع في سجون النظام، ما ساهم بقوة في طمأنة النظام المصري والقوى الإقليمية في المنطقة، لكن خلال تلك الفترة انتشرت القيادات الوسيطة والكوادر النشطة في الحركة وانخرطت في المجال العام من خلال انتخابات المجالس التشريعية المحلية ومراكز الشباب والنقابات وغيرها.

بعد الانتهاء من المرحلة السابقة جاءت الخطوة الكبرى بالإفراج عن قيادات جبهة ميثاق العمل الإسلامي والتي ضمت الإخوان المسلمين بالسودان مع مختلف التيارات الإسلامية التي سبق وانشقت عنها، بقيادة حسن الترابي، عراب عملية توحيد الإسلاميين في السودان، والذي تكشف أنه أيضًا العقل المدبر للانقلاب من أساسه وصاحب فكرة بقائه ورفاقه في السجون حتى استتب الأمر للنظام الجديد بقيادة شريكه العسكري عمر البشير، فأصبح السودان في قبضة نظام مزدوج القمع عسكري/ ديني في عبوة واحدة، ما وصفه الراحل د. فرج فودة بـ "الدائرة المفرغة".

لاحقًا، عمل الإسلاميون في السودان على خلق أجهزة أمنية موازية لأجهزة الدولة، فظهرت للوجود مسميات مثل "الدفاع الشعبي" عام 1989 كقوات موازية للجيش النظامي و"الشرطة الشعبية" عام 1992 كقوات موازية للشرطة المدنية و"الأمن الشعبي" وهو تقنين لـ"أمن الجبهة"، الذراع الأمني للجبهة الإسلامية كجهاز موازي للأمن الوطني والمخابرات، وكلها اقتصرت على أبناء التنظيم ومنحتهم رواتب ومزايا كبيرة بخلاف الرتب العسكرية.

وبحكم التفكير الإخواني كان هناك أيضًا "مشروع تمكين" يهدف لبسط النفوذ الإخواني على كافة مؤسسات الدولة، فتم استصدار قانون يحمل اسمًا مقبولًا وهو قانون الصالح العام، ويحمل أهدافًا علنية يسهل تمريرها وسط البسطاء خاصة عبر أُطُر محافظة تدعي الأخلاق والفضيلة فجاءت صيغته مطاطة جدًا كسوء السلوك أو إلغاء الوظيفة.

بناء على هذا القانون فصلت أعداد كبيرة من الموظفين العموم من مختلف المؤسسات الرسمية للدولة، ما شكل ضربة قاصمة لنفوذ كل الكيانات السياسية المختلفة عن التيار الإسلامي، والمعروف شعبيًا هناك باسم "الكيزان" ومفردها "كوز"*، وبطبيعة الحال تم سد الفراغ الوظيفي الناتج من استبعاد تلك الأعداد الكبيرة من الموظفين والقيادات بآخرين تابعين للتنظيم أو على أقل تقدير من الموالين والمؤلفة قولبهم، من جانب أخر بسطت الحركة الإسلامية نفوذها أكثر على الكليات الأكثر أهمية في تكوين المشهد العام مستقبلا، فصار الانضمام إلى الكلية الحربية أو الشرطية أو سلك القضاء أمرًا مرتبطًا بشكل مباشر بالانتماء للحركة الإسلامية، أو على أقل تقدير عدم معارضتها.

يعود الرفض الشعبي لوجود قوش في المشهد، إلى أنه أحد كبار "الكيزان" في البلاد، فاسم القيادي المستقيل بدأ في البزوغ من قبل انقلاب يونيو 1989، إذ كان المسؤول الأمني للذراع الطلابية للإخوان في جامعة الخرطوم.

لعب قانون الصالح العام دورًا مساعدًا لسياسية الخصخصة في تدجين القوى النقابية والعمالية، حيث تم فصل جميع القيادات العمالية ذات النشاط السياسي والنقابي الحقيقي، بهذا الشكل وبعد 30 سنة من بقاء السلطة في يد النظام أصبحنا الآن أمام المشهد الحالي؛ العديد من قوات الأمن المسلحة متعددة الولاءات، تقابلها تجمعات عمالية ومهنية بلا أي اعتراف ورقي رسمي لكنها فاعلة فعلا على الأرض وتحمل شرعية فعلية لا يمتلكها النظام الحاكم نفسه.

إحدى أكبر مصائب نظام ثورة الإنقاذ الإسلامي-العسكري هي انفصال الجنوب، يليها عديد الحروب الأهلية التي يخوضها النظام ضد الشعب السوداني في مناطق دارفور وجبال النوبا والنيل الأزرق، وهي الحروب التي أدت إلى تصنيف عدد من القيادات العسكرية في النظام السوداني كمجرمي حرب، ومطالبة الجنائية الدولية لهم بالمثول أمامها، وعلى رأسهم البشير نفسه، في مارس/ آذار 2009، ذلك بعد أن تجاوزت أعداد الضحايا في تلك الحروبات مئات الآلف من المواطنين.

هذا وضمت قائمة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، بناءً عن تقرير لجنة تقصي الحقائق حول الأوضاع في دارفور والتابعة للأمم المتحدة، اسم الفريق محمد أحمد بن عوف، وهو الرجل الذي أُجبِر على الاستقالة من رئاسة المجلس العسكري بعد رفض المحتجين توليه قيادة الفترة الانتقالية.

لم تضم القائمة المذكورة اسم صلاح قوش، ومع ذلك تعالت الأصوات المطالبة بإبعاده عن المشهد كشرط أساسي لقبول التفاوض مع المجلس العسكري، وهو ما تم بالفعل يوم السبت الماضي بتقديم قوش لاستقالته من منصبه كرئيس لجهاز الأمن والمخابرات الوطني.

يعود الرفض الشعبي لوجود قوش في المشهد، إلى أنه أحد كبار "الكيزان" في البلاد، فاسم القيادي المستقيل بدأ في البزوغ من قبل انقلاب يونيو 1989، إذ كان المسؤول الأمني للذراع الطلابية للإخوان في جامعة الخرطوم، حتى تخرج عام 1982، ومع استيلاء الإسلاميين على السلطة وخلال عملية التمكين تولى قوش قيادة إدارة الأمن الداخلي في فترة من أعنف فترات البطش والتنكيل بكل معارض لحكومة الإنقاذ؛ ويؤكد البعض مساهمته في تأسيس ما يعرف باسم "بيوت الأشباح"، وهي سجون سرية غير رسمية ظهرت خلال ولايته لإدارة الأمن الداخلي وشهدت احتجاز وتعذيب المعارضين.

كان قبول استقالة قوش هو القرار الأول الذي اتخذه عبد الفتاح البرهان بعد توليه منصب رئيس المجلس العسكري وأدائه القسم الدستوري رغم تعطيل العمل بالدستور، ما ترتب عليه قبول تجمع المهنيين، الكيان الرئيسي في الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالبشير، البدء في التفاوض مع المجلس العسكري على عملية تسليم السلطة.

فمن هو عبد الفتاح البرهان؟

أهم ما يعرف به عبد الفتاح برهان في مشواره العسكري هي فترة عمله كمستشار أمني لوالي غرب دارفور، خلال الفترة من 2005 إلى 2007. وهي الفترة التي تم خلالها تحويل مليشيات الجنجويد، المنسوب تأسيسها للجنرال جعفر النميري الذي حكم السودان عبر انقلاب عسكري في 1969، من عصابات قبلية غير رسمية يقودها موسى هلال إلى قوة نظامية تحت اسم قوات الدعم السريع يقودها محمد حمدان دقلو المعروف باسم "حميدتي".

ومن ضمن الخطوات التنفيذية التي قام بها لتقنين وضع الجنجويد وتوفير الدعم اللازم لهم ماديا وسياسيا، كانت الوساطة بين الدولة متمثلة في المؤتمر الوطني من جهة وحميدتي من جهة أخرى عندما تولى عملية فرض هيمنة قوات الدعم السريع على "جبل عامر"، في صفقة ضمنت للنظام توفير مصدر تمويل للمليشيا، وضمنت لحميدتي الاستقلال المادي بنسبة كبيرة، والمزيد من الثقل والتأثير في الإقليم، فتحول هذا الأخير من متسرب من التعليم إلى قائد عسكري كبير ثم فيما بعد نائب لرئيس الجمهورية، ومن تاجر جِمال إلى المسيطر الأول على أكبر منجم للذهب في السودان عبر شركة الجنيد المسجلة رسميًا باسم أخيه عبد الرحيم.

وبناء عليه تم التعاقد مع شركة عربية مملوكة لمستثمرين إماراتيين، تقوم هي باستلام الخام من شركة الجنيد ليترجم إلى أموال وسلاح، وعلاقات مباشرة بقوى إقليمية، ما تطور بعد ذلك بسبب تصدير قوات الدعم السريع كقوات مقاتلة ضمن التحالف العربي المشارك في الحرب على اليمن تحت زعم مناصرة الشرعية، ما ساعد أكثر على بزوغ نجمه على المستوى الدولي بعد انخراطه في عملية السيطرة على الممرات والدروب الصحراوية التي يسلكها مستهدفو الهجرة غير القانونية في طريقهم إلى السواحل الليبية.

عراب تلك العملية أيضًا هو البرهان بالتنسيق مع حميدتي الجالس الآن على مقعد قيادة المجلس العسكري السوداني، ونائبه هو حميدتي ذاته، القرار الذي اتخذه برهان وقبله حميدتي بعد يوم واحد من رفضه لنفس القرار حين صدر عن ابن عوف قبل استقالته من رئاسة المجلس.

مخاوف مصرية

صورة أرشيفية أثناء استقبال السيسي للبشير في القاهرة مارس 2018 المصدر: صفحة المتحدث باسم رئاسة الجمهورية على فيسبوك

واليوم، بعد الإطاحة بالبشير، يبدو أن العسكريين القابضين على الحكم في الخرطوم ينفضون غبار الكيزان من على أكتافهم، فها هو البرهان يعزل مدير عام الهيئة السودانية للإذاعة والتلفزيون، كما عزل رئيس القضاء والنائب العام ومساعد النائب العام، وكلها مناصب كان يسيطر عليها الإسلاميون تمامًا، حتى أن القاضي هناك يطلق عليه "مولانا".

لكن أيضًا لم يتم حتى الآن الإجراء الأهم بالنسبة للثوار وهو إعلان حل المؤتمر الوطني ومصادرة أمواله وممتلكاته لصالح خزانة الدولة، كما ما زال بطبيعة الحال هناك توجس من تكرار السيناريو المصري بقبض الجنرالات على السلطة وادعاء معاداتهم للإسلاميين وشيطنتهم وكأنهم لم يكونوا شركاءهم يومًا ما، ما يثير مخاوف المعتصمين، وعبر تجمع المهنيين السودانيين عن هذه المخاوف بتأكيده على أن لا فض للاعتصامات إلا بتسلم السلطة من قبل حكومة مدنية مع التأكيد أن استمرار الحتجاجات هو الضمانة الوحيدة لاستكمال الحلم.


اقرأ أيضًا: تجمع المهنيين السودانيين.. قاطرة الثورة على البشير


  • إشارة لمقولة: الدين بحر.. ونحن له كيزان.. والتي ينسبها البعض للترابي والبعض للمؤسس حسن البنا.