ميدان حدائق القبة والقصر الجمهوري. الصورة: وائل عباس

ثلاث محطات وقبة.. 5 حكايات عن الدمرداش ومنشية الصدر وكوبري القبة

رغم وجود محطات لكوبري القبة وحمامات القبة وسراي القبة في مترو القاهرة، إلا أنه لا توجد محطة باسم حدائق القبة، رغم مرور 3 محطات مترو بها، وهي الدمرداش ومنشية الصدر وكوبري القبة.

حكايات عن الدمرداش المحمدي

سميت محطة الدمرداش على اسم مستشفى الدمرداش، وسميت المستشفى بهذا الاسم لأنها أقيمت بجانب زاوية الدمرداش التي يوجد بها مقام العارف بالله أبو عبد الله محمد شمس الدين الدميرطاش المحمدي، وهو من مواليد تبريز بإيران لكنه كان سنيًا، فهاجر إلى مصر والتحق بخدمة السلطان الأشرف قايتباي كجندي ثم حارس شخصي ثم ترقى في المناصب، ومازال يقام له مولد سنوي هناك بداية من 8 شعبان.

محطة مترو الدمرداش. تصوير - وائل عباس

ودمير طاش بالفارسية معناها أنت كالصخر في تحملك، لكن أطلق عليه لقب المحمدي لأن في عهد السطان الأشرف قايتباي نزلت صاعقة أحرقت المسجد النبوي بالمدينة المنورة بالكامل، فأرسل قايتباي فريقًا من مصر لإعادة بناء وإعمار المسجد على رأسها الشيخ الدمرداش.

وعرب المحمدي هي المنطقة المحيطة مباشرة بالمحطة وتقع بين العباسية والقبة، وهي منطقة كانت عشوائية يسكن ناسها في عشش وبيوت من الصفيح، لكن أزيلت في الثمانينات وأقيم مكانها حديقة ومكتبة طفل لسوزان مبارك.

ربما كان سكانها الأصليين عربًا أو بدوًا أو غجرًا في التاريخ الحديث لذا سميت عرب المحمدي، وكان في عرب المحمدي سوقًا يقام كل خميس لكنه كان غريبًا، فبجانب البضائع كان به احتفالات ورقص ومغنى، لكن السوق توقف في 1967 لأسباب غير معروفة.

وللدمرداش المحمدي سيرة مدونة بالكتب مليئة بالكرامات والمعجزات، مثل قصة الدنانير التي تتحول إلى دم، وقصة المسمار الأعوج، وقصة قبر الرسول، وهي الأهم وسبب تسميته، حيث يحكى أن قايتباي عند إعمار المسجد النبوي طلب نزول شخص لقبر النبي ليتأكد من وجود الجثمان ويخبره هو وحده بما رآه على أن يقطع رقبته بعدها، لأنه سرت إشاعة أن اليهود حفروا سردابًا لسرقة جسد الرسول.

تطوع الدمرداش بالنزول غير عابئ أنه سيقتل المهم أنه سيرى الرسول لشدة حبه له، فنزل فوجد الرسول وصحابته جالسين حوله ويقال إنه سلم عليه وعليهم، فخرج مذهولًا يجول في جبال ووديان المدينة.

وجاء الرسول لقايتباي في المنام فطلب منه ألا يضرب عنق الدمرداش كما عزم، وسماه الرسول في الحلم بالمحمدي، فجاءت من هنا تسميته، وهذه القصة لها تنويعة أخرى لكن يستبدل فيها قايتباي بسليم الأول.

عينه قايتباي إمامًا وخطيبًا لقبة يشبك من مهدي الموجودة حاليًا أمام القصر الجمهوري بحدائق القبة، والتي سميت منطقة القبة كلها باسمها، وأهداه أرض زاوية الدمرداش.

طابور سيارات عسكرية تمر أمام قبة يشبك من مهدي وقت الحرب العالمية الأولى.

ويذكر أيضًا أن مستشفى الدمرداش بناه الشيخ عبد الرحيم مصطفى الدمرداش حفيد الشيخ الدمرداش، آخر شيوخ مشيخة الطريقة الدمرداشية الخلوتية، وذلك على مساحة حديقة قصره الذي مازال موجودًا، وهو مقر للطريقة الدمرداشية وخلواتها الآن، وانتمى للطريقة مسيحيون ويهود لم تفرق الطريقة بينهم، وهو أيضًا والد الأديبة المصرية الفرنسية قوت القلوب الدمرداشية كاتبة رواية "زنوبة"، والمستشفى كانت وقفًا خيريًا مجانيًا، وكان بها كلية للطب أصبحت لاحقًا كلية طب عين شمس.

عندما أطل دير الملاك على الخليج المصري

بجانب محطة الدمرداش تقع منطقة دير الملاك التي سميت باسم كنيسة دير كبير الملائكة ميخائيل البحري بها وهي الكنيسة الوحيدة الباقية من بين عشر كنائس ومقابر للمسيحين بحسب المقريزي.

صورة تاريخية للخليج المصري بمنطقة حدائق القبة.

وأنشئ حي دير الملاك على الخليج المصري الذي كان يمر في مصر القديمة والسيدة زينب حتى وقت قريب قبل أن يردمه الإنجليز خوفًا من انتشار الأوبئة، حتى أنه توجد صور فوتوغرافية له، بني مكان قرية اسمها منية الأصبغ، التي أصبحت شارع منية الأصبع الآن بابدال حرف الـ "غ" بالـ "ع".

في تسمية القرى المصرية كلمة المنية أو المنيا تعني الميناء، أما الأصبغ فهو أبي ريان أصبغ بن عبد العزيز بن مروان والي مصر الأموي، وفي عهد الفاطميين سميت القرية باسم الخندق، وهو اسم شارع لايزال موجودًا حتى الآن، لأن جوهر الصقلي أمر بحفر خندق هناك لتوصيل مياة الزراعة في الجهة البحرية من القرية، ثم هجرت القرية عام 1404 لأسباب حاولت أن أجدها فلم أعرف.

صورة تاريخية لحي دير الملاك.

تقول بعض المصادر إن بناء الدير كان لنقل رفات القديسين من دير العظام بالجمالية الذي بنى المعز لدين الله الفاطمي قصرًا مكانه وأعطى للأقباط أرض دير الملاك بدلا عنه.

ويقال إنه بنى هناك ديران، الخندق الفوقاني والخندق التحتاني، أحدهما سمي دير رويس، ويقال إن مكانه الكاتدرائية الآن، والآخر ميخائيل البحري، أحدهما كان به من الداخل عشرة كنائس هي جورجيوس وأبي مقار والشهيد أبالي يسطس والسيدة العذراء مريم البتول والشهيد مرقوريوس والقديس أبو بقطر والقديس فيلاثاؤس وكنيسة التلاميذ وكنيسة للأرمن، حتى قام بتخريبهم السلطان قلاوون ضمن اضطهاده للمسيحيين، ثم في عهد المنصور بن قلاوون بنيت مكانها كنيستان هم رويس وجبريال.

فلاح يزرع الأرض ويظهر من خلفه دير الملاك

وبالمناسبة فإن المقر البابوي بالعباسية يتبع تلك المنطقة التي كانت قطعة واحدة، فدير الملاك هي في ظهر الكرازة المرقسية، المدفون فيها الآن رفات مار مرقس بعد استعادته من الفاتيكان، ويفصل بينهما الآن شارع مصر والسودان أو شارع الملك سابقًا ونفق أبو حشيش.

وقصة سرقة رفات مار مرقس، أحد حواريي المسيح وكتبة الإنجيل، قصة مثيرة جدًا، سرقها اثنان من تجار البندقية من الاسكندرية، ودفنوه في فينيسيا كي تشتهر مدينتهم وبنو بازيليكا سان ماركو فأصبحت فينيسيا التي نعرفها الآن، حتى استردت كنيسة مصر الجثمان سنة 1968.

عزبة أبو حشيش وعزبة القرود

بجوار عرب المحمدي ودير الملاك تقع عزبة أبو حشيش وعزبة القرود، وتاريخهما من اسميهما، كانت المنطقتان تشتهران بالقرداتية والحشيش إلى جانب النشالين أيضًا. ذات مرة في الثمانينات سرقت محفظة أبي واستردها بوساطة مع اللصوص من عزبة أبو حشيش حيث وسط موظف زميله كان يسكن هناك. وثّق هذا النوع الغريب من المواقف فيلم "آخر الرجال المحترمين".

الغريب في الأمر هي أن هذه العزب والعشوائيات كانت تحيط بمنطقة حدائق القبة ذات القصور والفيلات الراقية ومنها القصر الملكي بالقبة، حيث كان يسكن كبار الفنانين والسياسيين والباشوات والشيوخ.

مازالت عزبة القرود وأبو حشيش تعاني، مازال بها بعض مظاهر الإجرام، لكنها أيضًا مسكن لكثير من خريجي الجامعات والموظفين المحترمين والصنايعية والتجار، بدأت تزدهر تجارة الخردة هناك أيضًا لقربها من السبتية ووكالة البلح، كما تعلو مبانيها اللوحات الإعلانية لكوبري أكتوبر وأصبحت تلك اللوحات مصدر دخل كبير للأهالي هناك، فأعلى المباني إعلانات عن كومباوندات فاخرة وأسفل المباني يعاني السكان من طفح المجاري.

منشية الصدر.. من القصر إلى المزلقان

أعياني البحث عن تاريخ المنطقة، لم أعرف من هو الصدر الذي أنشأها، كل ما عرفته أن محمد علي بنى هناك قصرًا سمي قصر الحصوة، والحصوة هي الاسم القديم للعباسية، قبل أن تسمى على اسم عباس الأول، ثم قام الخديو اسماعيل ببناء قصر الزعفران مكان قصر الحصوة، ليكون على طراز فرساي، والذي أصبح الآن مقرًا لجامعة عين شمس.

كان حي منشية الصدر بسيط المباني تخترقه الحواري ويغلب عليله الطابع الشعبي، بل وتشبه بيوته بيوت الريف أكثر، يخترقه قطار باب الحديد- المرج، الذي أصبح الآن مترو المرج وكان بالحي مزلقانات للقطارات وقعت عليها حوادث كثيرة، حتى قسمته أسوار المترو.

كانت فسحتنا المجانية كأطفال، ومغامرتنا الخطيرة، ركوب ونش القطار، وكانت متعة تضاهي ركوب الدراجات النارية بالنسبة لي وقتها، وكنا أحيانا نقف بجوار السائق الذي لم يكن يمانع أبدًا، تارة متجهين إلى محطة كوبري الليمون، غمرة حاليًا، وتارة إلى سراي القبة.

صورة لميدان حدائق القبة. تصوير - وائل عباس

لم أكن أبتعد أكثر من ذلك وقتها، كان ذلك في منتصف الثمانينات، وكان ما بعد هاتين المحطتين هو المجهول بالنسبة لي، لكن المكافأة كانت لفحة الهواء القوية التي كنا نشعر بها فوق الونش. وأذكر ذات مرة أنني قفزت من ونش القطار وهو يسير لظني أنه لن يقف في المحطة، لكن الله سلم وأصبت فقط بخدوش.

يمر أيضا بمنشية الصدر خط مترو مصر الجديدة القادم من رمسيس إلى روكسي، ويمر بها شارع محطة منشية الصدر وشارع ترعة الجبل الذي يقع في ناحية حدائق القبة وشارع الجراج الذي يقع نصفه في حدائق القبة ونصفه في منشية الصدر، وأصبحت منشية الصدر معتمدة على جامعة عين شمس وطلبتها حيث تحولت إلى مطابع ومكتبات لتصوير المستندات ومراكز للدروس الخصوصية.

كوبري القبة: بلاد ما بعد المزلقان

تقع محطة كوبري القبة في ميدان حدائق القبة، أمام النافورة والبوابة الرئيسية لقصر القبة، بالنسبة لي وأنا صغير، كانت كوبري القبة هي بلاد ما بعد المزلقان القديم، ومكانه سور المترو الآن.

وميدان حدائق القبة هو طريقك إلى مدينة نصر وروكسي ومنشية البكري والعباسية، وكذلك طريقك إلى الوايلي والزاوية الحمراء والمطرية والأميرية، سكن هذه المنطقة تحديدًا كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات وعائلة الظواهري ومحمود شكوكو وعبد الله فرغلي وفؤاد خليل، وبها سوق خضار حدائق القبة الشهير، وكان به بائعة جرجير لها نداء مميز، يظهر هذا النداء في أفلام ومسلسلات كثيرة كصوت خلفية عندما يكون المشهد عن منطقة شعبية، يبدو أن أحد مهندسي الصوت سجله لها واستخدمه بعد ذلك في الأعمال الفنية.

يقع في كوبري القبة من ناحية شارع الخليفة المأمون ضريح جمال عبد الناصر، الموجود داخل مسجد جمعية كوبري القبة الخيرية، وكان يسمى أيضا مسجد مصطفى الشعراوي، تبرعت الدولة بالأرض للجمعية ثم أمر عبد الناصر بإستكمال المسجد على نفقة الدولة.

قبة يشبك من مهدي من الداخل. تصوير- وائل عباس 

وسميت منطقة القبة عمومًا على اسم قبة الأمير يشبك من مهدي الدوادار، والتي سميت لبعض الوقت قبة الغوري، لأن الغوري كان يتنزه فيها أيضًا، وهي قبة للمنظرة أو النزهة حيث كانت المنطقة حدائق ومتنزهات، ومن هنا جاء اسم حدائق القبة.

وبنى الأمير يشبك أيضًا قبة أخرى على مرمى البصر هي قبة الفداوية الموجودة حاليًا بشارع العباسية، ومن بعده أصبحت مقرًا للفداوية، الذين بنى يشبك لهم بيوتا بجوارها، وهم من بقايا الشيعة الإسماعيلية النزارية أو الحشاشين، الذين اعتقدوا أنهم يجب أن يعملوا لصالح حكام مصر، بحسب المؤرخ ابن فضل الله العمري، فكانوا يقومون بالعمليات الانتحارية أو الفدائية لصالح ملوك وسلاطين مصر ابتغاء لوجه الله، بداية من بيبرس البندقداري، الذي كلفهم بعمليات ضد المغول، وكذلك الأشرف بن قلاوون وخليل بن قلاوون، ومن هنا جاءت تسمية الفداوية.

وللحديث عن حدائق القبة بقية.


مراجع:
- مساجد مصر وأولياؤها الصالحون: سعاد ماهر.

- بدائع الزهور: ابن إياس.

- السناء الباهر: الشيلي.

- الكواكب السائرة: ابن الغزي.

- الكواكب الدرية: المناوي.

- الطبقات الكبرى: الشعراني.

- الحقيقة والمجاز: عبد الغني النابلسي.

- الخطط التوفيفية: علي باشا مبارك.

- تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر