بوابة الفتوح. تصوير: وائل عباس

حكم قراقوش: ما يخبرنا به التاريخ الشعبي وتاريخ الحاكم

يحظى المملوك قراقوش في التراث الشعبي المصري بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام، على الرغم من أنه لم يكن الحاكم الفعلي لمصر إلا لفترات قليلة، كان قائدًا عسكريًا لعماد الدين زنكي، حاكم حلب، ثم صار نائبًا لأسد الدين ونجم الدين شريكوه أعمام صلاح الدين الأيوبي، وقضى معظم حياته وزيرًا لصلاح الدين الأيوبي وابنيه من بعده، ولم يكن مسلمًا لكنه أسلم على يد أسد الدين ليعتقه.

وبالرغم من مكانة صلاح الدين الكبيرة في التاريخ العربي والتاريخ السني تحديدًا، إلا أن قراقوش نال من الاهتمام الشعبي ما يجعلنا نتعجب، فهو الذي كان يرى، بحسب الدكتور عبد اللطيف حمزة، أن المصريين لا يجب أن يعاملوا إلا بالقهر والقسوة، ولم يكتفي قراقوش بالأسرى الصليبيين في بناء مشاريعه من أسوار وحصون، بل أجبر المصريين أيضًا على العمل بالسخرة مما أثار سخطهم وامتعاضهم.

لوحة بائع السجاد بالقاهرة رسمها الرسام البريطاني تشارلز روبيرتسون.

تاريخ الحكام مقابل التاريخ الشعبي

أميل أكثر للمنهج الذي يتبنى كتابة التاريخ من منظور الشعوب، فالشعوب هي التي بنت وحاربت وعانت بالفعل تحت حكامها، لكننا نرى دائمًا التاريخ المكتوب مهتمًا بانجازات الملوك والأمراء وحتى خياناتهم ومؤامراتهم. ولو أن المنهج المتهم الذي أحبذه والمهتم بالمنظور الشعبي حديث نسبيًا، وأرى من رواده كريس هارمان، مؤلف التاريخ الشعبي للعالم، والدكتور خالد فهمي، مؤلف كل رجال الباشا، الذي يحكي قصة محمد علي، ليس من خلال إنجازاته، ولكن من خلال ما فعله بالشعب والفلاحين والجنود.

على النقيض نجد أن بلوتارك وهولنشيد أرّخا للملوك والحكام، وابن خلكان صاحب "وفيات الأعيان" كحال باقي المؤرخين الإسلاميين أيضًا أرّخوا للحكام.

قد يبدو أنه من الصعوبة بمكان العثور على تاريخ شعبي حقيقي لمصر في ظل أن أغلب المؤرخين كتبوا عن الحكام، لكن بالبحث في ثنايا ما كتبه هؤلاء المؤرخون ربما نجد إجابات كثيرة، فتمجيد الفراعنة على حوائط المعابد لم يمنعنا من معرفة أخبار ثورة الجياع على بيبي الثاني، حتى أنهم هدموا هرمه ونهبوا مخازنه وقضوا على نسله، كذلك الثورة على رمسيس الثالث وإضراب العمال في عهده بدير المدينة، وإنشاء أول نقابة عمالية في التاريخ، بحسب كل من معجم الحضارة المصرية القديمة والمؤرخ فرنسيس أمين، وكذلك الثورة على هشام بن عبد الملك بن مروان وأبيه وعلى حنظلة بن صفوان، وكيف طرد المصريون عيسى بن منصور والي مصر، وأركبوه الحمار بالمقلوب.

محاربة التاريخ اللي عالكيف

يحظى قراقوش بحملة معاصرة قوية لتنظيف تاريخه والدفاع عنه ونفي ما ورد ضده في السيرة الشعبية، بل وتشويه خصومه ومعاصريه ممن أرّخوا لأفعاله، فهو أحد دعامات حكم صلاح الدين الثلاثة إلى جانب عيسى الهكاري والقاضي الفاضل، لكن كراهية الشعب له بالتأكيد مسببة، وليست نتيجة لأقوال حاقد هنا أو كاتب هناك كما يزعم المدافعون.

وكان لكراهية قراقوش أثرها في المسرح والسينما في القرن العشرين، فمسرحية حكم قراقوش 1935 لنجيب الريحاني كانت للسخرية من الملك فؤاد في عز حكمه، وبعد حركة الضباط الأحرار أنتج سراج منير فيلم حكم قراقوش 1953 لينال من الملك فاروق ويجامل حكام البلاد الجدد.

الآن، يتبنّى الدفاع عن قراقوش شيوخ السلفية وجماعة الإخوان وقنوات الخليج كـ"قناة العربية" و"اقرأ" مثلًا، وبالتأكيد هذا الدفاع عن قراقوش وعن صلاح الدين ليس بسبب تحرير بيت المقدس، لأنه احتل بعد صلاح الدين، ليس مرة واحدة بل ثلاث مرات، لكن هذا الدفاع عن حكم قراقوش هو جزء من الحرب الطائفية التاريخية بين السنة والشيعة، فصلاح الدين هو صاحب الفضل في تحويل مصر من فاطمية إلى سنية، وهو الإنجاز الأهم عند من يدافعون عنه، وبالتالي فإن أفعال ذراعه الأيمن قراقوش في التنكيل بشعب مصر الفاطمي والمسيحي أفعالًا معصومة عصمة صلاح الدين نفسه.

ومن غلاة المدافعين عن قراقوش نجد طارق السويدان، وهو داعية كويتي، عمل مهندس بترول، ويقدم برنامجًا اسمه "تاريخنا في الميزان"، طبعًا يقصد التاريخ اللي على كيفه، وقد خصص السويدان حلقة من هذا البرنامج للدفاع عن قراقوش.

اتهم سويدان من كتبوا عن قراقوش بعدم الصدق والنزاهة، واختص الكاتب المصري المعاصر لقراقوش، الأسعد بن مماتي، مؤلف كتاب "الفاشوش في حكم قراقوش"، بل وادعى أن الكاتب مسيحي على غير الحقيقة كما سنرى، وكأن المسيحي ليس من حقه نقد حكام البلاد.

سيرة الأسعد مّمّاتي

ولد أبو المكارم الأسعد بن المُهذَّب بن مينا بن زكريا بن مَمّاتي، في القرن السادس الهجري لأسرة مصرية في أسيوط، كان جده مسيحيًا، ولقب بمماتي لأنه كان يتصدق على فقراء المسلمين، فعندما كانوا يرونه كانوا يقولون مماتي، أي أنهم على وشك الموت من الجوع.

قال الشعراء فيه لكرمه شعرًا، وعمل كاتبًا لدى بدر الجمالي، حيث وظّف الفاطميون المصريين والمسيحيين بعكس من تلوهم، أما أبوه فقد كان كاتبًا في ديوان الجيش، وصاحب مجلس للأدباء في بيته، ثم اعتنق الإسلام، بحسب كل من ياقوت الحموي في "إرشاد الأريب"، وابن خلكان في "وفيات الأعيان"، ومحمد عدنان قيطاز في "الموسوعة العربية"، وعزيز عطية سوريال في "تحقيق قوانين الدواوين لابن مماتي".

وكما رأينا بشهادة جمهرة من المؤرخين، بعكس ما قال طارق السويدان، فابن مماتي كان مسلمًا ابن مسلم، وكان أبوه مقربًا من صلاح الدين، وعندما مات أخذ الأسعد منصب أبيه ككاتب في ديوان الجيش، وأضاف إليه صلاح الدين ديوان المال، بحسب ياقوت الحموي، لثقته فيه وقربه منه.

ظل الأسعد في منصبه هذا حتى بعد وفاة صلاح الدين في عهد ابنيه العزيز عثمان والمنصور محمد، لكن في عهد العادل أبي بكر بن أيوب، أخو صلاح الدين، اضطهده وأذاه الجنود وهرب في المقابر، ثم هرب إلى حلب، فرحب به ملك حلب الظاهر غازي بن صلاح الدين وأعطاه معاشًا حتى مات ودفن هناك.

والأسعد بن مماتي كان أديبًا تأثر بمجالس أبيه للأدباء، وعلى عكس ما يروج من أنه قد ألف فقط كتاب "السخرية من قراقوش"، فلابن مماتي العديد من المؤلفات في الأدب والفقه واللغة والحديث والتراجم والإدارة الحكومية، وقد مدح القاضي الفاضل، والمقرب لصلاح الدين، كتابه "حجة الحق" وقال أنه كتاب يجب أن يقرأه كل الملوك ليتجنبوا الظلم، كما أحصى ياقوت الحموي في "معجم البلدان" 23 كتابًا لمماتي في مواضيع مختلفة.

نسخة من كتاب حكم قراقوش

أربع مجلدات في وصف مصر

كما يعتبر كتابه "قوانين الدواوين" من أهم ما كتب في أحوال مصر في تلك الحقبة وجغرافيتها وأصول تسميات قراها وتاريخها وشؤون الزراعة والمناخ والوظائف فيها، وضم فيه فقه المسلمين وعلوم الأقباط، وقد نقل عن هذا الكتاب كل من كاتبي "صبح الأعشى" و"إيضاح المكنون"، والحقيقة أن هذا الكتاب يستحق مقاله خاصة به وحده. وبحسب المقريزي فقد كان الكتاب الأصلي مكونًا من أربع مجلدات، وصلنا منها للأسف النذر اليسير.

والحقيقة أن ابن مماتي كتب هذا الكتاب خصيصًا لصلاح الدين الأيوبي ليخبره عن موارد مصر وإمكانياتها الحقيقية، حتى يراعي ذلك في تقدير الجزية والضرائب على المصريين، لأن صلاح الدين كان ينتهج نهجًا سيئًا في إدارة البلاد داخليًا، مطلقًا العنان لوزيره قراقوش في جمع الضرائب واستنزاف الموارد وكذلك استعباد المصريين وإجبارهم على العمل في مشاريع تخص أمجاد صلاح الدين فقط، من قلعة وأسوار وحصون وقناطر.

وكاد قراقوش أن يهدم أهرامات الجيزة ليكمل بناء سور حول القاهرة والجيزة، ويقول المقريزي في "المواعظ والاعتبار بذكرى الخطط والآثار" أن قراقوش بالفعل هدم عدد من الأهرامات الصغيرة من أجل بناء قلعة صلاح الدين، وذكر نفس الأمر المؤرخ عبد اللطيف بن يوسف البغدادي في كتابه "الإفادة والاعتبار"، وشتان ما بين بناة الأهرام وبين قراقوش، فعلى الأقل هؤلاء لم يعملوا بالسخرة، وكانت لهم قراهم ومقابرهم بجوار الملوك، وكانت لهم مرتبات وأغذية تصرف لهم، بحسب أحمد فخري في "مصر الفرعونية" وياسر شحاتة في "إعادة قراءة التاريخ" وزاهي حواس أثناء كشف أثري في 2010 وبسام الشماع في مقابلة تلفزيونية.


ثنائية الحكم والمعارضة

كان ابن مماتي من علماء الاقتصاد بمفاهيم عصره، بينما كان قراقوش (النسر الأسود بالتركية) قائدًا عسكريًا ربما يكون ماهرًا في عمله، رغم أنه خسر عكا وأسره الصليبيين ودفع فيه صلاح الدين فدية فادحة، وبالتالي كان تقدير ابن مماتي هو الأصوب لأنه يتكلم فيما يفهم فيه وهو اقتصاد البلاد عكس قراقوش العسكري، لذا ألف ابن مماتي كتابه "الفاشوش في حكم قراقوش"، وهو كتاب ساخر بالعامية المصرية، على عكس ما اعتاد ابن مماتي أن يكتب بالعربية الفصحى وهو الأديب الفقيه.

كتب مماتي في كتابه مقدمة مهديًا إياه لصلاح الدين "إننى لما رأيت عقل بهاء الدين قراقوش محزمة فاشوش، قد أتلف الأمة، والله يكشف عنهم كل غمة، لا يقتدى بعالم، ولا يعرف المظلوم من الظالم، الشكيّة عنده لمن سبق، ولا يهتدى لمن صدق. ولا يقدر أحد من عظم منزلته على أن يرد كلمته، ويشتط اشتياط الشيطان، ويحكم حكماً ما أنزل الله به من سلطان، صنفت هذا الكتاب لصلاح الدين، عسى أن يريح منه المسلمين".

كان كل من صلاح الدين وبهاء الدين قراقوش حكامًا أجانب على مصر، فالأول كردي والثاني يقال من رومانيا تارة ويقال من القوقاز تارة أخرى، وحتى الهكاري كان كرديًا والقاضي الفاضل كان من عسقلان، بينما ابن مماتي ابن بلد أبًا عن جد من أسيوط، وأدرى بمصالح مواطنيه، وكان صلاح الدين عند سفره لا يترك نائبًا مصريًا أبدًا مهما علا شأنه، فقط يترك صلاحياته لقراقوش.

اللي حواليه هم اللي وحشين

لم أتوسع في هذا المقال في نقد صلاح الدين الأيوبي لأنه يحتاج مقالًا مستقلًا، كما لم أتوسع في سيرة قراقوش، رجل كل العصور قبل وبعد صلاح الدين - فقد كان رجل أسد الدين شريكوه ثم رجل أبناء صلاح الدين - وأفعاله الإجرامية في حق أسرة الخليفة الفاطمي العاضد، من مصادرة أموال طائلة وكنوز هائلة، وفصل للرجال عن النساء لقطع نسلهم، وما إلى ذلك من أمور مروعة.

قراقوش في حد ذاته لم يكن الهدف الحقيقي من هذا المقال، لكن الهدف الحقيقي كان إلقاء الضوء على سيرة ابن مماتي والحملة المحمومة ضده من التيارات الدينية السنية المتطرفة، وكمدخل لقراءة تاريخ الشعب المصري ورأيه بحكامه من خلال معاناته وشكواه بقدر ما وصلنا منها، وفي رأيي أن نقد قراقوش هو نقد مبطن لصلاح الدين الأيوبي، فالشعب المصري اعتاد مثقفينه أن لا ينتقدوا الحاكم علانية خوفًا من بطشه وتنكيله، بل يعزون فساده إلى المحيطين به دائما.