الملكة عنخ إسن آمون

عندما أوشك الحيثيون أن يحكموا مصر

بالطبع نفى الملك آي في رسالة إلى ملك الحيثيين أن يكون قد قتل أي شخص ليصل إلى الحكم.

"مات زوجي، وليس لي ابن، ولكن لك، كما يقولون، أبناء كثر، إن تعطني ابنًا منهم، سيكون زوجي، لا أريد أن أتخذ واحدًا من رعاياي زوجًا، أنا خائفة. التوقيع داخامونزو" كانت هذه رسالة عنخ إسن آمون أرملة توت عنخ آمون بعد وفاة زوجها، وانقطاع دماء عائلة العمارنة، في محاولة يائسة لاستمرار أسرتها، الأسرة الثامنة عشر، في الحكم.

يختلف علماء المصريات حول حقيقة داخامونزو، وهم اسم حيثي وليس مصري، فالبعض يقول إنها نفرتيتي، والبعض يقول إنها مريت آتون، ومجموعة ثالثة تقول إنها عنخ إسن آمون، وأنا معهم لأسباب سأذكرها في مقالي هذا.

في عام 1887 اكتشفت رسائل تل العمارنة، وهي حوالي 382 لوحًا من الصلصال مكتوبة باللغة الأكدية، وأهمية هذه الألواح تكمن في أنها تلقي الضوء على العلاقات بين مصر وبابل وآشور والدولة الميتانية وسوريا وفلسطين والحيثيين وقبرص، لأنها رسائل دبلوماسية من حقبة إخناتون والأسرة الثامنة عشر والملك أمنحوتب الثالث. ومنه عرفنا قصة أزمة زانانزا، أو القصة التي بين أيدينا في هذا المقال.

من رسائل تل العمارنة. الصورة: ويكيبيديا

كانت عنخ إسن با آتون ابنة نفرتيتي وإخناتون، وكانت أيضًا زوجة لأبيها إخناتون، ثم زوجوها لأخيها غير الشقيق توت عنخ آتون وهي بسن الثالثة عشر، وتوت عنخ أتون هو ابن إخناتون من زوجته الأخرى، والتي يسميها العلماء الشابة الأصغر، أو مومياء KV35YL، ابنة امنحوتب الثالث وتيي، وكان زواج المحارم هذا لأخ وأخته أو أب وإبنته متعارف عليه في مصر القديمة لحفظ دم العائلة نقيًا، وهذا النسب مثبت بتحاليل الحمض النووي الحديثة التي أجريت للمومياوات في المتحف المصري مؤخرًا.

عثر في مقبرة توت عنخ آمون على مومياوتين لرضيعتين، بتحليل الحمض النووي أيضًا وجد أنهما ابنتا توت وزوجته عنخ إسن آمون، ماتتا بالإجهاض، وهو أمر غريب حتى بمقاييس ذلك العصر، وبموت أو مقتل توت في سن الثامنة عشر، تنقطع الذرية تمامًا لأنهما لم ينجبا أي أبناء آخرين.

ثم عندما تأكد أرسل بالفعل ابنه زانانزا ليتزوج أرملة توت عنخ آمون، لكنه لم يصل أبدًا.

سابيلوليوما الأول، ملك الحيثيين لما يقرب من أربعة عقود، بعد أن أطاح بأخيه، أعاد بناء العاصمة القديمة في مرتفعات الأناضول، خاتوشا التي دمرها شعب الكاسكا، وانتهز فرصة الخلافات السياسية داخل مصر، فاستولى على حلب، ثم عاصمة الدولة الميتانية، وشجع المناهضين للحكم المصري في سوريا على التمرد، واستولى على أزاوا في الغرب، وعُثر في أطلال خاتوشا أيضًا على رسالة داخامونزو، أرملة الملك توت.

وكانت رسالة عنخ إسن آمون موجهة لهذا الملك الحيثي سابيلوليوما الأول، العدو الأكبر لمصر في ذلك الوقت، تطلب فيها الزواج من ابنه، ليكون ملكا على مصر حسب قوانين الملكية المصرية، ولكن سابيلوليوما كان متشككًا، فأرسل بالجواسيس والمبعوثين ليتأكدوا من حقيقة الموقف، ثم عندما تأكد أرسل بالفعل ابنه زانانزا ليتزوج أرملة توت عنخ آمون، لكنه لم يصل أبدًا، وتوفي أو قُتل أثناء الرحلة، حتى قبل أن يصل حدود مصر.

اتهم سابيلوليوما الفرعون آي بقتل ابنه زانانزا، وكان آي ما يزال وزيرًا وقتها، ثم تولى آي حكم مصر في ظروف غامضة بعد موت توت عنخ آمون، وهو أحد رجال بلاط إخناتون المهمين، وصار اسمه خبر خبرو رع، ونسبه غير مؤكد كأخ للملكة تيي، وقد عبد آتون في عهد إخناتون، ثم عاد إلى عبادة آمون بل وكان هو وراء قرار الملك توت بعودة تعدد الآلهة وعودة صلاحيات الكهنة.

اتهم سابيلوليوما آي أيضًا بإجبار أرملة الملك توت على الزواج منه، رغم أنها طلبت الزواج من ابن ملك الحيثيين، ثم اختفت عنخ إسن آمون في ظروف غامضة، ولم يعثر لها على مدفن، بينما ظهرت زوجته الأخرى تي، مرضعة نفرتيني، كزوجة الملك على جدران مقبرته.

بالطبع نفى الملك آي في رسالة إلى ملك الحيثيين أن يكون قد قتل أي شخص ليصل إلى الحكم، كان والده يدعى يويا، ليس اسمًا مصريًا، ربما يكون سوريًا، وربما يكون أخو الملكة تي وعم الملك إخناتون، كان لقبه راعي الخيول الملكية، وكان له لقب آخر هو لقب أبو الإله، ربما كان يُعطَى لزوج أم الملك، وربما يكون والد نفرتيتي، بحسب إيان شو وبول نيكولسون في كتاب Dictionary of Ancient Egypt.

الملك آي وهو يمارس طقس فتح الفم لتوت عنخ آمون  

عمل آي بثاني منصب عسكري في بلاط إخناتون، ثم عمل وزيرًا للملك توت، والغريب أن تحدث في حياته كل تلك الوفيات والاختفاءات، وفاة إخناتون، واختفاء نفرتيتي، وإجهاض ابنتي توت، ووفاة توت عنخ آمون، واغتيال عريس أرملة توت وإبن ملك الحيثيين زانانزا، ثم زواجه بالإجبار من أرملة توت، ثم إختفاء أرملة توت وآخر دماء العمارنة عنخ إسن با آتون كما سميت عند مولدها، أو عنخ إسن آمون، كما سميت بعد عودة عبادة آمون.

صعود حور محب

فهل كان لـ آي أجندة خفية للوصول إلى الحكم؟ أم أن الأمر محض مصادفات؟ خصوصًا أنه لم يحكم إلا حوالي أربع سنوات فقط، ولم يحقق أي شهرة أو إنجازات تذكر، ليخلفه حور محب وزير توت الآخر، والذي لطالما آمن بأن آي خَدعه للوصول إلى عرش مصر. طمس الفرعون الجديد حور محب ذكرى آي ودمر تابوته الذي عثر عليه في وادي الملوك وعُرف من خرطوشه.

حور محب مع آمون. تمثال بالمتحف المصري بتورينو. الصورة: ويكيبيديا

بعد موت الأمير زانانزا في هذه الظروف الغامضة، قرر والده الملك سابيلوليوما الانتقام من مصر، فانقض على مستعمراتها في سوريا وكنعان، وأخذ الكثير من الأسرى المصريين إلى عاصمته خاتوشا، وتفشى الطاعون بين هؤلاء الأسرى المصريين مما أدى إلى إنتشاره في خاتوشا وفي أنحاء بلاد الحيثيين، وهو المرض الذي أدى إلى موت سابيلوليوما نفسه وحتى خليفته أرنواندا الثاني، فهل كانت هذه لعنة الفراعنة؟

توالى على حكم مصر عدد من الحكام الأجانب في تاريخها القديم، حسب تعريفهم هم للأجانب وحسب ما اصطلح علماء المصريات وليس حسب تعريفي أنا، منهم الأسرة 15 وكانوا من الهكسوس، ومنهم شيشي وساكر حار وخامودي، والأسرة 22 و23 وأسرة الليبو من الليبيين، والأسرة 25 وكانوا من النوبة، وهؤلاء هم من يسمون الفراعنة السود، ومنهم طهارقة وشباكا وشبيتكو، والذين أجبرتهم الأسرة 26 على العودة إلى حكم النوبة فقط، والأسرة 27 من الفرس، ومنهم قمبيز ودارا وزيركسيس، ثم الأسرة 31 فرس ونوبيون، ثم جاء الإسكندر لينتهي حكم المصريين لبلدهم.

اﻹسكندر اﻷكبر. الصورة: ويكيبيديا

شاء القدر بمحض مصادفة، أو بمحض جريمة قتل أو اغتيال سياسي قد يكون نفّذه الوزير آي، ألّا تكون الأسرة 19 من الحيثيين، حيث إنه لو تم الزواج بين أرملة توت عنخ آمون والأمير زانانزا إبن ملك الحيثيين لأصبح ملكا على مصر، منشئًا للأسرة 19، وكانت مصر وقتها ستتبع امبراطورية سابيلوليوما الحيثية، وأصبحت الأسرة 19 أسرة مصرية بتولي رمسيس الأول الحكم، وكان نائبًا على جيش الملك حور محب، وسميت أسرة الرعامسة نسبة له، والذين ستكون لهم صولات وجولات مع الحيثيين، بعضها حقيقي وبعضها بروبجاندا رمسيَّسية، سنتناولها في مقالات قادمة، إن شاء الله.


مصادر ومراجع:

The Deeds of Suppiluliuma as Told by His Son - Hans Gustav Güterbock
The Ancient Middle East c. 3000 – 330 BC - Amelie Kuhrt
Ancient Egyptian Queens - Wolfram Grajetzki
Tutankhamun's Mask Reconsidered - Nicholas Reeves
Tutankhamun - Christine El Mahdy
Akhenaten, Egypt's False Prophet - Nicholas Reeves
The Complete Royal Families of Ancient Egypt – Aidan Dodson and Dyan Hilton
Queen Ankhesenamun - Saint Louis University