آيا صوفيا. الصورة: وائل عباس

لوقا نوتاراس: الوطن أم البيزنس؟

كان لوقا نيقولاس نوتاراس، وهو من أصول يونانية، آخر من خدم كدوق أكبر للدولة البيزنطية، وكان القائد الأعلى للبحرية البيزنطية ورئيس الوزراء أيضًا.

بمناسبة المشادة بين شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة؛ يتبنى الأشاعرة والماتريدية حديثًا عن الرسول يقول "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش"، والحديث موجود في مسند الإمام أحمد، أما من يرون أن الأشاعرة والماتريدية من المبتدعة فيرون بضعف هذا الحديث، كما قال عنه الألباني، أو يرون أن الفتح الذي قام به محمد الفاتح ليس هو الفتح الذي يتحدث عنه الرسول.

قيصر الروم الجديد

لكن ده مش موضوع مقالنا النهارده، فمحمد الفاتح لم يكن الأكثر تدينًا بل وجيشه لم يكن كله من المسلمين، لكن محمد الفاتح يحسب له طموحه وانفتاحه وتعدد ثقافاته، فقد كان على علم إلى جانب ثقافته الإسلامية بثقافة الترك واليونان والسلاف والروم والعرب، وكان يتكلم خمس أو ست لغات على صغر سنه وقت الفتح، ففتح القسطنطينية وعمره 21 عامًا، وأسمى نفسه قيصر الروم الجديد. لا نعرف مَن أمه الحقيقية لكنه كان تربية أميرة صربية من عائلة ملكية هي مارا برانكوفيتش أو السلطانة ماريا، كما يحسب له تكتيكاته العسكرية في الحصار من استخدام المدافع الثقيلة المبتكرة، ونقل سفنه برًا إلى داخل القرن الذهبي وحول المستعمرة الجنوية ليفاجيء سفن القسطنطينية من الخلف، كان محبًا للإسكندر الأكبر ومؤمنًا بالتنبؤات الفلكية الماورائية مثل نبوءة خسوف القمر كموعد لفتح القسطنطينية، وأسس دولة كوزموبوليتانية تحتضن كل الأعراق.

رسم للسلطان محمد الفاتح وهو يشم رائحة زهرة، من كتاب رسومات السلاطين من قصر الباب العالي. الصورة: ويكيبيديا

لكن برضه محمد الفاتح مش موضوعنا، لأن مكتوب عنه الكثير بالفعل، أومال ها نتكلم عن إيه؟ ها نتكلم عن شخصيات أخرى ذات علاقة بفتح القسطنطينية، شخصيات مسيحية هذه المرة، مثل لوقا نوتاراس الدوق الأكبر للقسطنطينية، وأنجيلو جيوفاني لوميليني حاكم مستعمرة جالاتا التابعة لجنوه، التي تقع على الضفة الأخرى للقرن الذهبي، هاتين الشخصيتين لهما أهمية كبيرة بالنسبلة لي، وأعتقد أن لهما دور كبير في سقوط القسطنطينية المسيحية في أيدي عدوهما المسلم.

عمامة تركية

كان لوقا نيقولاس نوتاراس، وهو من أصول يونانية، آخر من خدم كدوق أكبر للدولة البيزنطية، وكان القائد الأعلى للبحرية البيزنطية ورئيس الوزراء أيضًا، خدم تحت كل من الإمبراطور يوحنا الثامن وقسطنطين الحادي عشر. ورث أموالًا طائلة من أبيه الذي كان تاجرًا في جالاتا، أي أنه إلى جانب كونه سياسيًا وعسكريًا كان أيضًا تاجرًا ورجل أعمال، وهنا يأتي لُب ما نريد الحديث عنه.

كان للوقا دور أساسي في مفاوضات معاهدة الصداقة بين يوحنا السابع ومراد الثاني، والد محمد الفاتح، وعلشان كده رجله كانت واخدة على بلاد الأتراك، وارتبط بصداقة مع خليل باشا الجاندرلي الصغير، الصدر الأعظم في عهد كل من مراد الثاني ومحمد الفاتح، وكان له بيزنس تجاري كبير وأموال حريص على عدم انقطاعها مع الأتراك، وله مقولة مشهورة بحسب المؤرخ البيزنطي دوكاس في كتاب هيستوريا توركو بيزانتينا يقول فيها "إني أفضل أن أرى عمامة تركية في وسط المدينة على أن أرى عمامة كاثوليكية"، قد تبدو مقولة لأرثوذكسي متعصب، لكنه كان يعني شيئًا آخر.

يرى المؤرخون المحدثون أن التاريخ لم ينصف لوقا، وأن هناك الكثير من التجني على الرجل الذي ينعتونه بالوسطية، بل وينفون العبارة التي ينسبها له دوكاس، ويعزون تشويه صورته إلى جورج سفرانتزيس سكرتير الإمبراطور الشخصي، وكذلك المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون، وأنا أختلف مع هذا الرأي لأسباب ووقائع سأذكرها.

أثناء الحصار كان لوقا مسؤولًا عن أسوار القسطنطينية البحرية من ناحية الشمال الغربي، ويؤكد أكثر من مصدر تاريخي تركه لموقعه فور رفع علم العثمانيين على البرج الذي يقع فوق بوابة كيركوبورتا، البوابة التي كانت مفتوحة لأسباب غامضة ليدخل منها الجنود العثمانيون، كما يُذكر له أنه رفض نقل مدافعه لحماية سور المدينة البري والذي كان المسؤول عن الدفاع عنه المرتزق الجنوي جيوفاني جوستنياني لونجو، مما تسبب في إصابة جوستنياني وهربه هو ومرتزقته، وحدوث هرج ومرج ومن ثم اقتحام المدينة. ومن المعروف أن القسطنطينية واجهت الإفلاس بسبب دفع مرتبات مرتزقة جنوة والبندقية، وبرغم ثراء لوقا الفاحش فإنه لم يعرض المساعدة بأمواله، فاضطر الإمبراطور لمصادرة ذهب الكنائس وصلبانها وإذابتها إلى عملات ذهبية ليدفع ديونه للمرتزقة.

عفو الفاتح

بعد فتح القسطنطينية حصل لوقا وأسرته على عفو من محمد الفاتح، وهو أمر غريب خصوصًا وأن محمد الفاتح أعدم الصدر الأعظم خليل باشا بعد الفتح بثلاثة أيام فقط بتهمة تعاونه مع لوقا، وكاد أن يعدم سليمان بلطة أوغلو باشا أثناء الحصار لفشله في التصدي لسفن المعونة القادمة لنجدة القسطنطينية من إيطاليا.

قبل أن نكمل كلام عن لوقا نوتاراس، عاوزين نفتح الكلام عن جيوفاني لوميليني، حاكم مستعمرة جالاتا التابعة لجمهورية جنوه اﻹيطالية، ومكانها منطقة جالاتا في إسطنبول حيث يقع البرج الشهير، ومستعمرات جنوه بدأت في فترة الحملات الصليبية، بتربيطات وتزبيطات مع البيزنطيين والعائلات الحاكمة في الأناضول وأمراء الحرب في المنطقة، وكانت موجودة في بحر إيجة وبلاد الشام والبحر الأسود، وأنشئت بغرض التجارة مع البيزنطيين والأتراك على حد سواء، أما الجمهوريات الإيطالية البحرية مثل جنوه والبندقية وبيزا، وغيرها، فدول موضوع كبير محتاج كلام كتير عن نشأتهم ودورهم، دي دول نشأت وشمت نفسها بفلوس التجارة البحرية لحد ما أصبحت قوى مالية وعسكرية لا يستهان بها، كل اللي يهمنا هنا هو مساندتهم للدولة البيزنطية رغم إنها أرثوذكسية.

كان محمد الفاتح يقصف أسوار القسطنطينية بالمدافع الثقيلة من فوق سماء مستعمرة جالاتا، وذلك في مقابل حماية الفاتح للمستعمرة، ومعاملتها معاملة أهل الذمة.

حرص لوميليني على سلامة المستعمرة بالتواطؤ مع محمد الفاتح، فلم يخبر قسطنطين بتحركات العثمانيين في البحر وفي القرن الذهبي وعلى البر خلف المستعمرة، لنقل السفن العثمانية إلى ما خلف السلسلة الحديدية التي تغلق القرن الذهبي (كوبري جالاتا)، بل وكان محمد الفاتح يقصف أسوار القسطنطينية بالمدافع الثقيلة من فوق سماء مستعمرة جالاتا، وذلك في مقابل حماية الفاتح للمستعمرة، ومعاملتها معاملة أهل الذمة، وتركهم يستمرون في تجارتهم مع الأتراك، وتغور القسطنطينية والإمبراطور المهم البيزنيس.

برج جالاتا. الصورة: وائل عباس

وبالفعل استمر الجنويون في جالاتا، كانوا أغلبية السكان، وكانوا يدفعون جمارك نصف ما يدفعه الأجانب، 2% فقط بينما الأجانب كانوا يدفعون 4%، ورحبت جالاتا بالمسلمين والإيطاليين واليونانيين واليهود، بل وعمل بعضهم في الحكومة العثمانية كموظفين لجمع الضرائب وغير ذلك، هذه المعلومات هي حسب سجلات "تحرير دفترلاري" التركية، وهي سجلات حكومية تشبه سجلات التعداد المعاصرة.

ونعود مرة أخرى إلى لوقا وأسرته، فبحسب كتاب The Notaras Family and Its Italian Connections للكاتب كلاوس بيتر ماتشكيه، أخرج لوقا نوتاراس معظم أمواله وأموال أبناءه واستثمرها في الخارج وخصوصًا في البندقية، على شكل دوطة لبناته وأشياء أخرى، ووضع جاكوب نوتاراس ابن لوقا في حريم السلطان محمد الفاتح حتى هرب في 1460، وماتت زوجته من المرض في الطريق إلى أدرنة، بينما هربت بناته على متن سفينة جنوه التي غادرت أثناء سقوط القسطنطينية، طبعًا إلى حيث هرَّب أبوهن أمواله؛ أصبحت آنا نوتاراس من أهم شخصيات البندقية، هي وأختاها اللتان انضمتا إليها لاحقًا، هيلينا وثيودورا، وتزوجت هيلينا حاكم آينوس.

السلطان محمد الثاني يدخل إلى القسطنطينية، بريشة فوستو زونارو. الصورة: ويكيبيديا

نهاية نوتاراس

بقي لنا أن نعرف نهاية خيانة لوقا للقسطنطينية، فقد أعدمه محمد الفاتح بعد فترة رغم إعطاءه الأمان بسبب خوفه من صلاته بالفاتيكان والبندقية، وذلك بحسب المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون، وبحسب ما كتبه المؤرخ مكاريوس مليسينوس فقد دار هذا الحوار بين محمد الفاتح ولوقا نوتاراس قبل إعدامه، حاولت ترجمته بدقة بقدر الإمكان:

الفاتح: "أيها المسخ الآدمي، أيها الكلب الهجين، برعت في المجاملة والخداع. امتلكت كل تلك الثروة ومنعتها عن سيدك الإمبراطور عندما احتاجها للدفاع عن المدينة، مدينتك ووطنك؟ والآن بكل خيانتك التي تنسجها وتحيكها منذ شبابك تريد أن تخدعني وتتجنب النهاية التي تستحقها. أخبرني أيها الزنديق لماذا تعهد لي بأموالك وبالمدينة الآن"؟

نوتاراس: "إنها تدابير الله".

الفاتح: "لقد ارتأى الله أن أستعبدك أنت والآخرين، ماذا تريد أن تقول أيها المجرم؟ لماذا لم تقدم تلك الثروة لي قبل الحرب وقبل انتصاري؟ ربما كنت أجعلك وقتها حليفي وأكرمك في المقابل. ولكن الآن أعطاني الله كنوزك وليس أنت".

لا أريد أن أكون سخيفًا وأختم مقالي بخطبة عصماء عن خطورة عمل قادة البلاد وحرَّاسها بالبيزنيس، ولمن يكون ولاؤهم غير لأموالهم، وهل يغلبون مصلحتهم أم مصلحة الأمة والدين والوطن عندما يوضعون على المحك، ونهايتهم المحتومة نتيجة لخيانتهم وجشعهم وتضحيتهم بمن يولون أمرهم، لكن أضع القصة بين أيديكم ليستفيد كل من يقرأها بطريقته.


  • مصادر ومراجع:
  • Historia Turco-Byzantina – Doukas
  • Chronicon Minus - George Sphrantzes
  • Chronicon Maius - Makarios Melissenos
  • The Notaras Family and Its Italian Connection – Klaus-Peter Matschke
  • The Decline and Fall of the Roman Empire - Edward Gibbon
  • The Genoese Levantine Colonies - Padriac Rohan (رسالة ماجستير)
  • Mehmed the Conqueror and His Time - Franz Babinger
  • The Immortal Emperor - Donald M. Nicol
  • An introduction to religious foundations in the Ottoman Empire – J.R. Barnes
  • Ottoman Tax Registers (تحرير دفترلاري)