تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| الرحلة العصيبة لوالدتي من حميات إمبابة إلى كفر الزيات

الاسم: صفاء عصام الدين*.
المهنة: صحفية، ومرافقة لوالدتها قبل حجزها بسبب إصابتها بفيروس كورونا.


"خلاص يا أمي جت لك كورونا نفدتي وبقى عندك أجسام مضادة" قلت لأمي وأنا بأضحك في التليفون إنها خلاص أصبحت تشخيص مؤكد للإصابة بكورونا بعد ظهور نتيجة مسحة الـ PCR، بعد معاناتها مع أعراض المرض كاملة لمدة 6 أيام.

ما كنتش أقصد بس إني أهزر وأحاول تخفيف الخبر عليها علشان معنوياتها؛ لكن كمان كنت بأحاول أخففه على نفسي أنا شخصيًا، فخوفك من الفيروس أو كلامك عن معاناة الناس وقراءة تقارير عن رحلة العلاج وتفهمك وإحساسك العالي بالخطر حاجة؛ ووصول الفيروس لجسد أقرب الناس ليك حاجة تانية خالص.

كمان أنا لما قالوا لي إن النتيجة إيجابي كان جوايا ارتياح داخلي لأننا وصلنا لتشخيص محدد ومش هندخل في متاهات التشخيص الغلط.

طول الأيام الخمسة اللي قبل ظهور نتيجة المسحة، مافارقنيش قصص مرضى تظهر نتائجهم سلبية ويعانوا مع الأعراض القاسية وتتدهور حالاتهم، فالمسحة نفسها لا تتجاوز دقتها 70%.

النهاردة مش هأكتب عن العيد اللي هاتقضيه أمي في مستشفى العزل، ولا عن أعراض المرض ولا عن العلاج ولا عن إزاي الفيروس وصلها، لإن حتى الآن ماعندناش يقين واضح لسبب انتقال العدوى، لكن هاحكي لكم عن رحلة عصيبة مش بس لمقاومة المرض، لكن كمان مرارة كل خطوة بنخطيها وكل تفصيلة علشان نعرف نتحرك فيها بسهولة محتاجة تليفون، بدءًا من التشخيص ومحاولة إجراء المسحة، مرورًا بتفاصيل البحث عن الأدوية، وحتى البحث عن سرير في مستشفى عزل، ووصولًا إلى دخول مستشفى عام في ريف الدلتا.

بداية الأعراض

لطبيعة مرض أمي بحساسية الصدر المزمنة؛ نكون على موعد سنوي مع دور متكرر من شهر مارس حتى مايو تعاني فيه من الكحة وأعراض الحساسية، لكن المرة دي كان الموضوع كان مختلف وأصعب.

قضت أمي الأسبوع الأول من رمضان تعاني من الكحة الجافة، وارتفعت درجة الحرارة ارتفاعًا طفيفًا ليوم واحد فقط، واعتبرت أنها عرض طارئ، لكن مع مطلع الأسبوع الثاني من شهر رمضان زادت حدة الأعراض وظهر ضيق التنفس مع استمرار الكحة.

تصورت أمي أنه نفس دور الحساسية اللي كان جالها من 4 سنين وأدى لقصور في التنفس، ورفضت تروح تكشف في أي مكان خوفًا من التقاط عدوى فيروس كورونا. حاولت الوصول للروشتة القديمة اللي كتبتها لها طبيبة الصدر لكن ماعرفتش تلاقيها، والحمد لله فعلا إنها مالقتهاش لأنها كانت هتأخرنا في التحرك واكتشاف المرض.

بدأت من جانبي في البحث عن أطباء صدر وحساسية لاستشارتهم بالتليفون، لكن النتيجة جاءت مخيبة لتوقعاتي، فالأطباء اللي اتنشرت أسمائهم وأرقامهم على صفحات فيس بوك للمساعدة في تقديم الاستشارات ماحدش منهم رد، وساعدتني زميلة في الوصول لطبيب طلب إجراء كشف في العيادة، ورفض المساعدة بالتليفون.

مامتك اشتباه كورونا

يوم 3 مايو لجأت لطبيبة الأطفال اللي بتتابع طفلي الدكتورة هنا أبو الغار، لسؤالها عن طبيب صدر لاستشارته، فتطوعت بالاتصال بوالدتي، واستمعت للأعراض وكتبت روشتة تفصيلية لحساسية الصدر ما بين بخاخات وجلسات استنشاق أدوية لتوسيع الشعب وعلاج ضيق التنفس.

"أنا هقولك اللي ما قولتوش لمامتك، دي حالة اشتباه كورونا واضحة، لو ما اتحسنتش على الأدوية في يومين لازم نعمل الأشعة المقطعية ومجموعة من التحاليل"، قالت لي الطبيبة بحزم لتضعني أمام مسؤوليتي لإدراك الوضع وطبيعة الحالة وطرق التحرك.

في نفس اليوم بالليل بعتت لي أمي رسالة بتقول إن حرارتها ارتفعت، وهنا أيقنت إن ده مش دور الحساسية المعتاد. وبدأنا نتحرك من الصبح لإجراء الأشعة المقطعية وتحاليل الدم المطلوبة. بمجرد إطلاعها على تقرير الأشعة اللي كشف وجود التهابات في الرئة قالت لي الطبيبة "لازم نبدأ في العلاج المخصص لمرضى كورونا فورًا، ولازم تبدز تاخده من دلوقتي علشان نكسب وقت".

وبالفعل بدأت أمي في جرعات الأدوية المتبعة في بروتوكول وزارة الصحة لتقليل آثار الفيروس، وبدأت أدور على الخطوة التانية .

المأساة الأولى: الإسعاف

مساء الاثنين 4 مايو بعد ظهور تقرير الأشعة اللي كشف التهابات الرئة، بدأت أدور على أسرع طريقة لعمل المسحة، وأكيد مش هاكلم 105 اللي كل الناس بتشتكي إنه ما بيردش.

تواصلت مع الزميل أيمن عبد المجيد عضو مجلس نقابة الصحفيين الذي يتولى ملف الرعاية الاجتماعية والصحية، وساعدني بالتواصل مع المسؤولين في غرفة عمليات وزارة الصحة، ومجلس الوزراء لطلب سيارة إسعاف لنقل والدتي للحميات لإجراء المسحة.

تلقيت اتصالات من الاسعاف ومن غرفة العمليات خط 105 ومن غرفة مجلس الوزراء، وكلهم بيقولوا نفس الكلمتين "ساعتين ونبعت عربية إسعاف تاخدها".

استمرينا في وضع انتظار الإسعاف من التاسعة مساء حتى التاسعة صباحًا، وطول الليل بيكلمني مسؤول من غرفة عمليات مجلس الوزراء يعتذر عن التأخير علشان عربيات الإسعاف مش ملاحقة على أعداد المصابين.

عدت 12 ساعة من غير إسعاف كلمتهم تاني واتخانقت وقلت له طيب أنا هوديها بس اضمن لي إني أروح على حد معين ما استناش مع الجماهير، وفعلا لولا التدخل والاتصالات ما كناش عرفنا نعمل المسحة في حميات إمبابة.

المأساة الثانية: الحميات

في حميات إمبابة مافيش كشف على المريض، فيه تحاليل فقط. والتحليل مش لأي حد لازم يكون خالط حالة ايجابية. الوسايط خلت أحد المسؤولين بالمستشفى يتدخل ويسلمني لممرض يخلص لي الموضوع. وكتب في الاستمارة إن أمي مخالطة لحالة إيجابية وطلع اسم واحدة من الحالات كتبه في خانة الشخص الإيجابي اللي أمي خالطته، في حين إنها أصلًا ما تعرفش الحالة دي.

الواسطة دي جنبتنا المرور على الروتين والوقوف في طوابير، فرغم إن لما رحنا الأعداد ما كانتش كبيرة لكن الناس واقفة لازقة في بعضها كأنهم في أتوبيس أو في المترو قبل معاد الحظر بساعة، وناس كتير منهم مش لابسين كمامات. الجو العام موتر ومكهرب. الممرضين والعمال قالعين كمامتهم ومعلقنها على رقبتهم، ممرضة تمسك سلة الزبالة بإيدها وما تعقمش إيديها بعدها وتتعامل عادي وتسحب عينات من الناس عادي. المهم بعد ساعتين عملنا المسحة وقالوا لنا 48 ساعة وهنتصل بيكم نقولكم النتيجة.

وصّلت أمي لبيتها ورجعت بيتي وقررت أقضي 14 يوم عزل بعد دخولي الحميات وأنا بفكر في كم الوساطات والاتصالات اللي ما عرفتش تحرك لنا عربية إسعاف، ولا إن أمي تتحجز بالمستشفى باعتبارها حالة اشتباه تعاني من كل الأعراض الإكلينيكية لكورونا، خصوصا مع مخاوف ضيق التنفس.

فضلت ماما تاخد أدوية البروتوكول وإحنا منتظرين مرور 48 ساعة علشان نتأكد بس هي عندها إيه. وللأسف اكتشفنا إن ده وهم وكلمتين بيتقالوا وخلاص. بعد انتهاء الـ 48 ساعة كلمت الناس اللي كنا تواصلنا معاهم قبل كده وسهلوا لنا إجراء المسحة، وللأسف بعد التواصل معهم ومع المعامل بلغوني إن النتيجة بتظهر خلال 3 أو 4 أيام ، وطبعا دي مدة طويلة جدًا على حالة كبيرة في السن وعندها مرض صدري خصوصًا لو ما بدأتش علاج، أو لو أعراضها قوية ونسبة الأكسجين في الدم قليلة.

عملت أنا وزملائي اتصالات بوزارة الصحة ومجلس الوزراء ومستشفى الحميات لطلب استعجال النتيجة.

رحلة البحث عن دواء الملاريا

مع استمرار الأعراض وخصوصا ضيق التنفس اللي ماما ماعرفتش تنام منه يومين كاملين كل الدكاترة اللي تواصلت معاهم قالوا لازم مستشفى وطبعا مافيش مستشفى خاصة هتاخدها (وقتها ما كانش فيه حجز في مستشفيات خاصة، وحاليا الليلة لا تقل تكلفتها عن 6 آلاف جنيه)، وخايفة أوديها الحميات تاني تطلع دي مش كورونا وتاخد عدوى.

بعد شوية بحث لقينا دكتور صدر قريب من البيت كلمته قالي هاتيها أنا جالي سبع حالات في أسبوعين واتعالجوا. وفعلًا راحت له وزود لها على الأدوية مضاد حيوي جديد، وكمان كتب لها دوا الملاريا وكده أصبحت بتاخد أدوية البروتوكول بالكامل.

لكن للأسف دوا الملاريا مش متوفر في الصيدليات، بقينا ندور عليه بالشريط واللي يلاقي شريط يقول لنا. جوز أختي لقى شريط مع واحد زميله ناقص منه قرصين وأخدناه طبعًا وقضينا بيه جرعة أول يومين. فضلت أدوّر، فلقيت صيدلية جنبي هتديني الدوا بـ 250 جنيه. ولقيناه في المنوفية العلبة بـ 50 جنيه، وبعد لفة كمان لقيناه في صيدلية في 6 أكتوبر بسعره الأصلي 26 جنيه.

ثم ظهرت النتيجة: إيجابي

بعد قلة نوم وتعب خمس أيام متتالية نمت ليلة الخميس 7 مايو وأنا هلكانة صحيت الجمعة متأخر شوية لقيت مجلس الوزراء والإسعاف مكلمني. كلمت مجلس الوزراء بلغوني إن النتيجة إيجابي وإنهم هياخدوا ماما دار أهل مصر في التجمع الخامس. انتظرنا كتير جدا مافيش إسعاف جت لغاية الساعة 4 كلمت حد من زمايلي يسأل قالوا له إن البلاغ اتلغى من عند 105.

طبعا ما حدش بلغنا نهائي فرجعت تاني للمسؤول في مجلس الوزراء اللي عمل اتصالات رجع لي بعدها وقال إن الحالات اللي أكبر من 60 سنة لازم تروح مستشفى وإنهم بيشوفوا لها مكان لأن مافيش أماكن في القاهرة. وسايط الدنيا معرفتش تجيب مكان لأمي في القاهرة إطلاقا ولا الجيزة ولا حتى القليوبية، وقبل الفطار كلمني المسعف وقالي هيتم نقلها لمستشفى كفر الزيات.

ماكانش عندي حل غير الموافقة علشان أتجنب تدهور حالة أمي، وعلشان تكون تحت ملاحظة طبية لمتابعة ضربات القلب وقياسات الضغط اللي بتتأثر بدواء الملاريا، وكمان علشان أحاول حماية بابا من العدوى.

مشيت ماما من البيت بصحبة المسعف اللي كان ألطف شخص في الليلة العصيبة دي، راحت كفر الزيات ومعاها حتة من قلبي وروحي وبقى لها هناك أسبوعين بتصارع الفيروس على أمل عودة قريبة سالمة.

رحلتنا العصيبة أكدت لنا جميعا أن وقف الزيارات مش تعنت ولا مبالغة ولكنه ضرورة، وأكيد قضاء العيد بعيد عن الأهل ومن غير كحك وبسكويت وأكلة الرنجة سوا حاجة كئيبة، لكن الأسوأ إنك تقضي العيد مش بس بعيد عن حبايبك، لا ده كمان حبايبك معزولين في غرفة في مستشفى عام في الأقاليم.


* هذه شهادة لزميلتنا الصحفية صفاء عصام الدين التي رافقت والدتها المصابة بفيروس كورونا، تنشرها المنصة مع الحفاظ على خصوصية المرضى، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.


اقرأ أيضًا في باب يومياتي مع كورونا| مأساة القطاع الطبي هو ما أشعر به كطبيبة مصابة بالفيروس