من داخل أرشيف مؤسسة أخبار اليوم. الصورة: محمد فرج

البحث عن مترجم جيمس جويس: أين اختفى الدكتور طه؟

يناير.. يجب أن أمشي في شوارع وسط المدينة كي أصل لمؤسسة أخبار اليوم، ولكن الشوارع ممتلئة بنقاط ارتكاز أمنية، عربات شرطة من مختلف الأحجام، رجال أمن بملابس رسمية ومدنية يستوقفون المارة من أجل تفتيش هواتفهم المحمولة بحثًا عن إشارة أو علامة تفيد عدم رضاهم عن الأوضاع الحالية أو تضامنهم مع معتقل ما، أو لا أعرف عما يبحثون بالضبط. تبدو لي المهمة شديدة العبثية، أن يقف رجل أمن من أجل البحث في نوايا الجميع، يوقف أمواج البشر الماضية في الشارع، ينتقي منهم من يشعر بكونه مناسبًا لأن يكون ممتعضًا، أو ربما معارضًا.

التحذيرات لا تتوقف عن مخاطر الذهاب لوسط المدينة، والخوف ينتشر.

أركب المترو. أغادر في محطة بعيدة عن التحرير، وأقوم بلفة واسعة وسط شوارع مزدحمة بالمارة والباعة، كي أتجنب المرور بالشوارع الرئيسية، أجهز في رأسي عدة سيناريوهات في حال استوقفني رجال الأمن. تبدو كل السيناريوهات سخيفة ومهينة: ترك الهاتف في البيت، أو حذف التطبيقات المريبة لرجال الأمن أو التحول لجهاز آخر، كلها تبدو خيارات مهينة هي الأخرى، وتؤكد سيطرة الخوف، وفي الحقيقة أنا خائف. لكن لا أريد أن أشعر بالخوف والمهانة في الوقت ذاته.

سماء يناير. الصورة: محمد فرج

لا أعرف إن كانت الهوية الصحفية ستوفر لي شيئًا من الحماية أم ستجعلني أكثر عرضة للشك. مرة حضرت دورة تدريبية مخصصة للمصورين حول "السلامة المهنية وإدارة الهوية" أو كيف يمكن ألا يثير المصور قلق المحيط الذي يمارس فيه عمله، خاصة إن كان محيطًا مضطربًا أو حساسًا، حاولت سؤال المدربة أكثر من مرة كيف يمكنني مداراة نفسي باعتباري شخص طويل القامة، تحوّل الموضوع لمزاح ولم أتلق إجابة.

أصل للجريدة، أسلم على زملاء العمل، منذ فترة طويلة وأنا في إجازة مفتوحة، يخبرني أحد الزملاء مازحًا أن شكلي تتوافر به كل الصفات التي يمكن أن تثير ريبة رجال الأمن. أضحك، لم تبق إذن سوى التمنيات بأن يغفلوا عني ساعة مروري.

لكن لماذا أنا هنا؟

ببساطة للبحث عن الدكتور طه محمود طه، أستاذ الأدب الإنجليزي، ومترجم الكاتب الأيرلندي الأشهر جيمس جويس (1882-1941) إلى العربية.

ذكرى ضبابية

أذكر أني قرأت ذات مرة حوارًا في جريدة أخبار الأدب مع الدكتور طه. كان هذا منذ زمن طويل، لا أذكر إن كنت قد التحقت بالجامعة أم لا، يبقى في الذهن شيئًا من شكله، رجل عجوز بلحية بيضاء، أذكر أيضا حديثًا عن غيرة زوجته من انشغاله الطويل بجيمس جويس، ولا أعرف بدقة إن كان هذا الحوار هو مصدر المعرفة الأولى، الضبابية الآن، برحلة الدكتور طه مع جويس، وانشغاله عشرين عاما بترجمة عوليس، أم مصدرًا آخر. ولا أذكر إن كان حديثًا صحفيًا واحدًا أو أكثر من ذلك، وكي أكون أكثر دقة.. لا أتذكر إن كان أيضًا في أخبار الأدب أم في صحيفة أخرى، لكن لا بأس فلنبدأ.

أسأل الزملاء القدامى إن كانوا يتذكرون مثل هذا الحوار، يتذكرونه بالفعل، ويتذكرون أن من أجراه هو الكاتب والشاعر وائل عبد الفتاح. عظيم.

يذكر الزملاء أيضًا أن وائل أمضى تقريبًا ثلاث سنوات بالجريدة من 1998 وحتى2001.

كما فهمت من الزملاء تُحفظ مطبوعات المؤسسة في قسمين: المكتبة والأرشيف؛ تضم المكتبة بجانب الكتب نسخًا من كل مطبوعات المؤسسة منذ صدورها، بينما الأرشيف مقسم بطريقة مختلفة بحسب أسماء الشخصيات، وأيضا الموضوعات، ويضم الأرشيف بجانب ما نشر حول الشخصية أو الموضوع في مطبوعات المؤسسة أيضا ما نشر في صحف أخرى.

لكن الحكاية تبدأ قبل ذلك بقليل.

معروف من الأدب بالضرورة

تقريبًا يعرف أي مطلع على الأدب تلك الجملة "ظهر تيار الوعي في بدايات القرن العشرين ومن أبرز رموزه جيمس جويس، ومارسيل بروست، وفيرجينيا وولف، والأمريكي وليم فوكنر"، تقال العبارة بصيغ متعددة ولكن هذا هو فحواها.

ترجمت عدة أعمال لفرجينيا وولف للعربية، وحظيت الصخب والعنف الرواية الأشهر لفوكنر بترجمة جبرا إبراهيم جبرا، وراوية بروست الطويلة البحث عن الزمن المفقود صدرت عن دار شرقيات المصرية في سبعة أجزاء في الفترة ما بين 1994 حتى 1997 بترجمة إلياس بديوي وجمال شحيد، لكن جاءت معظم أجزاء الرواية في بنط شديد الصغر مما جعل قراءتها عملًا مضنيًا. في مطلع العام الجاري أصدرت دار الجمل نفس الترجمة في طبعة جديدة، يبدو أنها في بنط أفضل.

تُرجم جويس أيضًا ولكنه ظل محاصرًا بكونه الأكثر صعوبة.

أول ما تُرجم مكتملًا لجويس في العربية كانت مجموعته القصصية Dubliners، صدرت عام 1914، وكان جويس قد أرسل مخطوطتها الأولى للناشر 1905، وترجمتها عنايات عبد العزيز بعنوان ناس من دبلن وقدّمها مرسي سعد الدين وصدرت النسخة العربية عام 1961 في سلسلة الألف كتاب. وصدرت ترجمة عوليس الكاملة عن المركز العربي للبحث والنشر بترجمة الدكتور طه محمود طه في جزئين عام 1982.

صورة لطبعة عوليس الأولى الصادرة عام 1982. الصورة: الشاعر عماد فؤاد

لكن في 1984 تم اكتشاف أن النسخ الإنجليزية المتداولة من عوليس تضم ما يزيد على خمسة آلاف خطأ مطبعي، عندما صدرت طبعة جديدة من الرواية من ثلاثة أجزاء حمل كل جزء صفحة من الرواية وفي أسفلها تصويبات النص، وتقابلها صفحة منقحة سليمة من الأخطاء المطبعية، الأمر الذي دفع الدكتور طه للعمل على ترجمته الأولى لثلاث سنوات أخرى لتصدر عوليس المنقحة في ديسمبر 1994 عن الدار العربية للنشر والتوزيع.

قديمًا قرأت لجويس صورة الفنان في شبابه طبعة دار الآداب اللبنانية بترجمة ماهر البطوطي، لم أستطع التأكد من تاريخ صدور طبعتها الأولى. كنت أحب العنوان، وظلت إحدى جمل الرواية عالقة بذهني حتى الآن "كيف أخرج من عبث ممنطق إلى عبث لا منطق له" قيلت الجملة الروائية في سياق حوار بين الشخصية الرئيسية وأحد أصدقائه حول شكوكه الدينية عندما طرح عليه الصديق التحول إلى مذهب مسيحي آخر، فقيلت الجملة. ولفترة ظللت استعملها في سياق حروبي الدينية خلال فترة الشباب الأول.

نسخة pdf ومحاولة أولى للقراءة

في 2012 كنت أعمل في مكان توافرت فيه طابعة وكمية أوراق ضخمة، ووجدت ساعتها نسخة pdf من عوليس بترجمة طه محمود طه، فطبعتها على أمل القراءة لأني لا أستطيع أن اقرأ عملا كهذا على شاشة.

حاولت.. لكن الجملة الأولى أوقفتني "هلّ بوك ماليجان ربيلًا بفخامة عند رأس العتب يحمل طاسًا زبدًا تصالبت عليه مرآة وموسى".
أحسست أن كل كلمة تحتاج لشرح، حتى بوك ماليجان لوهلة تحيرت هل هو اسم لشخصية أم كلمة مهجورة في العربية؟ ربيلًا؟ وطاسًا زبدًا. ماذا يعني هذا الكلام؟ ولو كانت تلك هي الجملة الأولى؛ ماذا عما سيليها؟

حفظتُ الأوراق التي طبعت عليها الرواية على أمل أن يأتي وقت أتمكن فيه من قراءة العمل الضخم، ربما لمّا أكبر.

غلاف الطبعة الثالثة من دار الآداب اللبنانية. الصورة: محمد فرج

كنت أعرف أن جويس كتب الرواية في سبع سنين، وأن ترجمة عوليس استغرقت من الدكتور طه محمود طه عشرين عامًا، لكن ذلك لم يساعد إلا في زيادة صعوبة التحدي.. ربما.

حاولت. مرة وصلت لصفحة 15، ومرة وصلت لصفحة 36 ولكن لم أكمل، وظلت الأوراق محفوظة حتى إشعار آخر.

قبل شهور من يناير الماضي سحبت الأوراق المطبوعة، وبدا الأمر مختلفًا.

تجلى المشهد الافتتاحي أسطوريا ساخرًا: شاب حسن البنية يحلق ذقنه في الصباح على رأس سلم في قلعة قديمة ويقيم قداسًا هزليًا، ويدور حوار مع اثنين من أصدقاءه أحدهما ضيف انجليزي والآخر شخصية جويس الأثيرة ستيفن ديدالوس. وبدأت الصفحات تتوالى.

محاولة موازية لدخول العالم

كنت أعرف أن هناك ترجمة أخرى للرواية قام بها العراقي صلاح نيازي صدرت عن دار المدى في أربعة أجزاء بعنوان يوليسيس، صدرت الطبعة الأولى للجزء الأول في 2001، والطبعة الثالثة، التي بين يدي، في 2013، وحملت غلافًا شديد الرداءة، ومليئة بالهوامش. تصفحت نسخة pdf أيضا من الجزء الأول، ليكتشف الواحد أن جويس لم يكن يكتب كلمة مجانًا، فكل كلمة تقريبا تحيل إلى معنى ما، سواء من العهد القديم أو الجديد، أو مسرحية لشكسبير، أغنية أطفال في القرن السابع عشر، حادثة تاريخية في القرون الوسطى، بطل تاريخي ايرلندي قديم.. وهكذا.

طبعة دار المدى الثالثة 2013. الصورة: محمد فرج

أحسست أن قراءة الـ pdf مزعجة، خاصة أن النسخة المتاحة على الإنترنت من ترجمة صلاح نيازي هي الطبعة الأولى حيث الهوامش في آخر كل فصل، وبالتالي كانت الحركة ما بين نسختي المطبوعة من ترجمة طه، والنسخة الإلكترونية من ترجمة نيازي، ما بين النص ثم الهوامش في آخر الفصل شديدة الإرباك وتتطلب الكثير من الحركة والثبات في نفس المكان في الوقت ذاته.

اشتريت طبعة المدى، لحسن الحظ أن الهوامش في الطبعة الأخيرة في كل صفحة. كنت أقرأ صفحة من ترجمة طه، ثم أعود لنفس الصفحة في ترجمة نيازي لأقرأ الهوامش. وأحيانا كثيرة أعود لأقرأ الصفحة مرة أخرى في ترجمة طه. وبعدها استغرقت تماما في ترجمة الدكتور طه.. لكن هذا حديث تال.

نسخة أصلية

بعد رحلة بحث مليئة بالمصادفات، أصبح لدي نسخة من الطبعة الثانية من ترجمة طه محمود طه لـعوليس جيمس جويس، والصادرة في ديسمبر 1994، عن الدار العربية للطباعة والنشر والتوزيع.

طبعة الدار العربية 1994. الصورة: محمد فرج

غلاف أنيق هادئ من تصميم هشام بهجت وخطوط رصينة للفنان الراحل حامد العويضي على خلفية بيضاء، في منتصف الغلاف من أعلى علامة الدار حصان يخطو بأناقة، ثم كلمة عوليس بلون ذهبي، في إطار أخضر بسيط فيه اسم جويس، ثم رسمة لورقة نبتة ما، وتحتها اسم الدكتور طه محمود طه. يخبرنا الغلاف الخلفي أن النبتة هي ورقة البرسيم الأيرلندي وهي أحد رموز أيرلندا القومية.

الآن يمكنني القول إن قراءة عوليس لجويس/ طه، حيث لا يمكن فصل الاثنين حتى إشعار آخر. هي أشبه بالدخول لمعبد كبير، أو هكذا سيُهيأ للداخل، إذ بعد فترة سيتحول هذا المعبد إلى متحف ثم إلى مدينة ملاهي ثم إلى ساحة نقاش فلسفي في جامعة منسية ثم ماخور كبير، ثم ما شئت.

في مقدمة الناشر للطبعة الثانية يذكر عبارة لأحد النقاد "عليك أن تقرأ خمسة عشر ألف صفحة كي تكتب سطرًا جديدًا عن شكسبير"، يبدو الأمر كذلك مع عوليس/ جويس. وربما أكثر وعورة.

نحن أمام أطول يوم في تاريخ الرواية كما أطلق على عوليس. يوم في حياة المواطن الأيرلندي ليوبولد بلوم، وتحديدا يوم الخميس 16 يونيو 1904.

الدخول إلى المعبد المتحول

رويدا رويدا ينفتح النص، يسقط الواحد في متاهة جويس/ طه، تنفلت الكثير من التفاصيل لاستغلاقها، لكن تبقى تفاصيل أكثر، يختلف البناء وطريقة السرد من فصل لآخر، تزخر الرواية بتفاصيل كثيرة. "عالم بأكمله، تراث أمة، تاريخ شعب، مجموعة سير لرجال ونساء، سجل عقاري لمبان وشركات ومنازل ومكتبات وجامعات، ذخيرة ضخمة من الأغاني الشعبية والألحان، ساحة تذخر بصراعات المدارس الأدبية، ومناورات السياسيين، ومحاورات رجال الدين، ومتاهات الفلاسفة. تبدأ من الأزمنة الساحقة، ولا تنتهي إلى شيء" هكذا يصف طه محمود طه الرواية في مقدمة الطبعة الأولى للترجمة العربية (1982) والتي نشرت بمناسبة مرور مائة عام على ولادة جويس.

كل فصل في الرواية له موضوع ومكان وساعة حدوث وفن ولون ورمز وأسلوب. مواضيع الفصول لها نفس عناوين الأوديسة. في الفصل العاشر المعنون بـ الصخور الضالة والذي نشره طه في مجلة المجلة عدد نوفمبر 1965 تحت عنوان المتاهة الصغرى في عوليس. ثاني الفصول التي نشرها طه بعد الفصل الرابع الذي نشره في مجلة الكاتب في مايو 1964 تحت عنوان 45 دقيقة في حياة مستر بلوم، حيث يظهر بلوم لأول مرة في الرواية. في ذلك الفصل، العاشر، يتجلى بوضوح المعنى الذي أشار إليه ميلان كونديرا في كتابه فن الرواية (ت: أحمد عمر شاهين/ دار شرقيات/ 1999) حين كان يقارن بين الرواية قبل وبعد كافكا، حيث يشير إلى أن طموح جويس في عوليس كان القبض على اللحظة الحاضرة.

جيمس جويس كما بدا على الغلاف الخلفي لطبعة 1994. الصورة: محمد فرج

فنحن أمام مشهد رأسي نرى فيه حركة بلوم في شوارع دبلن وحركة الآخرين أيضًا، وليست المسألة في رؤية الحركة، ولكن الحركة والأفكار والانطباعات والمشاعر الذي تنتاب جميع المارين تحت عدسة جويس الجالس في الأعلى مثل محرك عرائس على مسرح ضخم يشمل شوارع دبلن في الثالثة من بعد ظهر يوم خميس أوائل القرن العشرين. أو كما كان يقول جويس في صورة الفنان في شبابه "يظل الفنان كخالق الكون، في ثنايا عمله، أو خلفه، أو بعيدًا عنه، أو فوقه؛ لا نراه، بعيدًا عن الوجود، نقيًا، لا يبالي، يقلم أظافره" هكذا هو جويس في عوليس.

اليوم الطويل

نحن أمام رحلة طويلة تمتد على ثمانية عشر فصلًا، كما هي أوديسة هوميروس، أطول يوم في تاريخ الرواية كما أطلق على "عوليس"، يوم في حياة المواطن الأيرلندي ليوبولد بلوم، وتحديدًا يوم الخميس 16 يونيو 1904.

لا يظهر بلوم في الثلاثة فصول الأولى، فهي مخصصة لستيفن ديدالوس بطل رواية جويس الأولى صورة الفنان في شبابه، لكن يبدأ ظهوره من الفصل الرابع، ويلتقي شخصيات الفصول الأولى في باقي اليوم، مع آخرين.

يتحرك بلوم من المنزل في الثامنة صباحا، إلى الحمام التركي (العاشرة صباحًا). ثم المقابر لتشييع جنازة أحد الأصدقاء (11صباحًا)، ثم الجريدة حيث يعمل كمندوب إعلانات (12ظهرًا)، بعدها يتناول وجبة خفيفة (1 ظهرًا)، ثم يذهب إلى المكتبة (2ظهرًا) حيث تدور جلسة نقاشية طويلة حول شكسبير، وبعدها جولة في شوارع دبلن (من الثالثة حتى الرابعة عصرًا)، تليها جلسة في بار فندق تنتهي قبيل الخامسة، ثم جلسة أخرى عاصفة في إحدى الحانات يخرج منها بلوم شبه مطرود.

في الثامنة مساءً يجلس بلوم على شاطيء البحر وحيدًا يتابع مجموعة من الشابات. وفي العاشرة مساءً يمر بمستشفى الولادة ليطمئن على حالة ولادة متعسرة لإحدى الجارات، ويحضر جلسة أصدقاء شبه سكارى في الطابق العلوي للمستشفى. وقبيل منتصف الليل تبدأ سهرة عارمة في أحد المواخير، أطول فصول الرواية وأكثرها جنونًا، ثم تمشية مع ستيفن ديدالوس، واحتساء قهوة رديئة في أحد الأكشاك والوصول للبيت مع ستيفن والثرثرة مع شرب كاكاو قبل أن ينصرف ستيفن ويدخل بلوم إلى سريره، ثم الفصل الأخير وهو عبارة عن مونولوج طويل لموللي بلوم زوجة ليوبولد، خالٍ تماما من علامات الترقيم، بينما في فصول أخرى تفصل ما بين كل كلمة وأخرى علامة ترقيم مختلفة.

هل ما ذكرناه الآن من اليوم الروائي الطويل بات معلوما من الأدب بالضرورة؟ ربما.

ألعاب جويس التي لا تنتهي

في الفصل الرابع عشر الذي تدور أحداثه على شاطيء البحر في الثامنة مساءً؛ يجلس بلوم ويتابع مجموعة من الشابات يثرثرن ويلعبن مع أشقاءهن الصغار. ويسرح بلوم مع جيرترود ماكدويل أو جيرتي التي تكشف له عن فخذيها، يكتشف بلوم في نهاية جلسته إصابتها بعرج، ويسرح مع عملية الكشف تلك. يستمني، ويدور الحوار الداخلي ما بين الفتاة الشابة وبلوم الكهل، سرد مذهل في كشفه لدواخل النفس الذّكرية أثناء تعرضها للإغراء.

في الفصل الخامس عشر/ الماخور نقرأ فصلًا مجنونًا يظهر فيه الأموات، أم بلوم وأبوه المنتحر وجده اليهودي، وأم ستيفن، وتتبادل فيه الأصوات والرؤى وتنفجر خيالات بلوم الجنسية الفتيشية والمازوخية بضراوة، بصورة ما زال يصعب الإتيان بها سرديًا بعد مرور ما يقرب من 100 عام على صدور الرواية.

في الفصل السابع عشر المعنون بـ إيثاكا حيث يصل بلوم إلى منزله مصطحبًا معه ستيفن بعد دوران اليوم الطويل، يأتي أسلوب الفصل على هيئة سؤال وجواب، فنحن، كقراء، أمام ما يشبه محقق يستجوب الراوي عما دار في تلك الجلسة بين بلوم الكهل وستيفن الشاب من أحداث وتحركات وكلام، لينتهي الفصل بخلود بلوم للنوم، ثم تبدأ التنويعة الأخيرة في الرواية على لسان موللي زوجته.

بطل جويس المفضل

في حواره مع الفنان الإيرلندي آرثر باور، والذي ترجمه الكاتب التونسي حسونة المصباحي ونشر تحت عنوان الغصن الذهبي (دار أزمنة/2015)، وقبلها تم نشر المحاورة الطويلة في مجلة الكرمل، يقول جويس "في عوليس حاولت أن أؤسس أدبًا انطلاقا من تجربتي الشخصية، وليس إنطلاقا من فكرة مسبقة أو إحساس عابر أو طاريء".

يمكن رؤية جملة جويس بشكل أوضح في ضوء رؤية الناقد والصحفي البريطاني جون جروس في كتابه جويس (ترجمة مجاهد عبد المنعم، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1975)، حيث يرى أنه يمكن رد أبطال جويس وأحداثه، خاصة في صورة الفنان وعوليس، إلى حياة جويس الخاصة، فكما قام جويس في الفصل التاسع من عوليس (فصل المكتبة) على لسان ستيفن ديدالوس بمناقشة أعمال شكسبير بمنطق أن كل أحداث مسرحياته وشخصياته مستمدة من حياته الخاصة، يمكن تطبيق نفس المنهج على أدب جويس.

فستيفن ديدالوس بطل صورة الفنان في شبابه هو جويس الشاب، والذي سيظهر مرة أخرى في عوليس، بينما يمكن رؤية جويس في الرواية كخليط من ديدالوس الشاعر الشاب، وبلوم الكهل "الذي به لمسة من فنان". وبالمناسبة؛ اختار جويس هذا اليوم تحديدًا (الخميس 16 يونيو 1904) لتخليد اليوم الذي أعلن فيه لنورا بارناكيل رفيقته، ثم زوجته بعد وقت طويل، عن حبه ورغبته في الارتباط بها.

وفي العلاقة بين العملين يقول جويس في حواراته مع باور "إن صورة الفنان هو كتاب فترة شبابي، أما عوليس فهو كتاب فترة نضجي، وأنا أفضل الفترة الثانية على الفترة الأولى. عوليس عمل يرضيني أكثر من الأول؛ ذلك أن الشباب فترة نعذب فيها أنفسنا، وليس باستطاعتنا أن نرى بوضوح. أما في عوليس فقد حاولت أن أرى الحياة بوضوح، وأن أفكر في الحياة كما لو أنها شيء كامل. إن عوليس كان دائمًا بطلي المفضل".

يقول الدكتور طه "كنت أقف أمام اللفظ الواحد أيامًا عدة، وبعد ما أعجز عن العثور عليه في القواميس، أعود لأدرك أن جويس قد نحته من لفظين من لغتين مختلفتين أو أنه جاء به من العامية المستعملة في أزقة دبلن فكان عليّ أن أترجم اللفظ المنحوت بلفظ عربي منحوت أيضا".

هناك في تلك المنطقة المشعة التي يلفها الظلام

يظل التاريخ الثقافي المصري مبهرًا وقاسيًا في كم النماذج التي يكتشفها الواحد طوال الوقت، والتي أخلصت نفسها لمشروع معين، وكم الإهمال الذي طال تلك النماذج وعدم الالتفات بأي شكل للمنجز الذي قدموه. من ناحية أخرى يبدو أحيانًا أن المنجز الحيوي الحقيقي للثقافة المصرية قام على أيدي هؤلاء وحدهم.

هناك في تلك المنطقة المشعة التي يلفها الظلام يوجد مكان مميز للدكتور طه محمود طه مترجم جويس، الرجل الذي نذر نفسه لترجمة الكاتب الأيرلندي صعب المراس، ويبدو المجهود الذي بذله واضحًا من الكلمة الأولى حتى الكلمة الأخيرة في الرواية، في إخلاصه الشديد في إنجاز المهمة التي انقطع لها وحدها عشرين عامًا لإنجازها.

د. طه محمود طه في ثمانينات القرن العشرين على صفحات الأخبار. المصدر: الكاتب

لا توجد كلمة في الرواية (756 صفحة في طبعة 1994)، ليس وراءها بحث واختيار وصقل، وإن كان النص الجويسي مستعصيًا بالأساس في لغته الأصلية، فربما يبدو كذلك للوهلة الأولى في ترجمة طه، لكن بالفعل حالما يسلّم الواحد نفسه للنص ينزلق فيه تمامًا وتصبح لغة جويس/ طه جزءا من متعة القراءة.

من هو الدكتور طه؟

بحسب ما تخبرنا ويكيبيديا العربية "ولد طه محمود طه عام 1929، والتحق عقب الثانوية العامة بكلية آداب جامعة عين شمس، حيث تخرج (كان الأول على دفعته) وعُين معيدًا. بعد حصوله على درجة الماجستير نال منحة عام 1957 لدراسة الدكتوراة بجامعة دبلن الأيرلندية، وكانت أطروحته للدكتوراة عن ألدوس هكسلي، الذي كان طه يراسله منذ عام 1955. وبعد حصوله على درجة الدكتوراة، عاد إلى القاهرة في فبراير 1961، وانضم إلى هيئة التدريس بكلية الآداب جامعة عين شمس، غير أنه لم يلبث أن ترك الجامعة وتفرغ للترجمة عام 1966".

وفي حوار له نعرف أنه عمل لمدة اثني عشر عامًا كموظف في شركة ماركوني للتلغراف قبل التحاقه بالجامعة ويقول عن ذلك "الكلام في التلغراف عبارة عن نقط ونغمات متتابعة بسرعة وكنت أتسلم تلك الإشارات لأترجمها فورا إلى حروف وأكتبها في اللحظة نفسها على الآلة الكاتبة، وهذا بالفعل جعلني ذا قدرة خاصة على حل الرموز، وربما نفعني بشكل خفي في ترجمة أعمال جويس".

ومن مقدمته للطبعة الأولى من ترجمة عوليس (1982) يخبرنا الدكتور طه "لقد بدأت في ترجمة عوليس عام 1964 ونشر الفصل الرابع في مجلة الكاتب مايو 1964 تحت عنوان 45 دقيقة في حياة المستر بلوم مع مقدمة وشرح للنص. ثم أتبعته بنشر ترجمة للفصل العاشر المتاهة الصغرى في عوليس في مجلة المجلة نوفمبر 1965. وبعدها توقفت. كيف الانتقال من المتاهة الصغرى إلى المتاهة الكبرى: عوليس؟ هل أعد كتابًا عن جويس يتناوله وأعماله بالنقد والتحليل أم أترجم عوليس؟ ولإدراكي التام بصعوبة العمل آثرت أن أبدأ بالمدخل لجيمس جويس: موسوعة جيمس جويس في عام 1975 واستغرق إعدادها مني خمس سنوات قدمت فيها للقاريء جرعات صغيرة من أعماله مترجمة مع شروح وافية".

يضيف طه في حواره "ثم بدأت ترجمة عوليس بعد أن تجمعت لدي خيوطها. على مدى عشرين عامًا، ومنذ أن ذهبت إلى كلية ترينتي بجامعة دبلن مسقط رأس جويس، للحصول على الدكتوراة في أعمال الأديب والمفكر ألدوس هكسلي؛ كان جويس في بالي منذ العام 1957. وعلى مدى ثلاث سنوات قضيتها في أيرلندا زرت الأماكن التي كان يصفها جويس وطوّفت بالمدينة العاصمة على مدى ثلاث سنوات من 1957 إلى 1961. وبعد أن انتهيت من الترجمة في عام 1978 منحتني جامعة الكويت إجازة تفرغ علمي لمدة فصل دراسي قضيته بجامعة تولسا أوكلاهوما بكلية الدراسات العليا راجعت فيها النص المترجم مع عميدها الأستاذ توماس ستيلي رئيس تحرير مجلة جيمس جويس الفصلية وغيره من الأساتذة المتخصصين في جويس والأدب الحديث".

شجاعة في التجريب

في مقدمة ترجمته للجزء الأول من الرواية يعترف صلاح نيازي بفضل طه. يقول "لقد ترسمت خطى الدكتور طه محمود طه في ترجمته الأولى للرواية. كان قد افتتح طريقًا لم يقو عليه غيره. لابد أنه يمتلك عزمًا وشجاعة لا مثيل لهما" ولكنه يستدرك بعد ذلك، ويقول "لكن لابد من القول إن ترجمته، على علو قدرها، جاءت لنقل المعنى وتقريبه للقارئ مثله مثل أساطين الترجمة السابقين الذين انحصر كل همهم في نقل المعنى وتبسيطه. أما هذه الترجمة (يعني ترجمته) فمعنيّة بالدرجة الأولى بتقنية الكتابة والأسلوب وتيار الوعي".

العكس تمامًا هو ما أحسست به عن قرأت الرواية بالترجمتين: طه شديد الإخلاص للنص، يتماهى تماما مع جويس في محاولة لـ "وضع" النص في العربية، وكلما استعمل جويس أسلوبًا جديدًا كما شعرتَ به كقارئ. وكلما ابتعد سرد جويس عن لغته المعاصرة واتجه ناحية القرون الوسطى مثلًا، اختلفت اللغة العربية التي يستعملها طه لتذهب إلي نفس مستوى اللغة بالعربية.

لم يخجل طه من استعمال العامية المصرية لمجاراة نص جويس الشوارعي، أو استعمال أغاني أطفال مصرية لخلق نفس الحالة التي رغب جويس في خلقها. في الفصل الثاني عشر تختلط العامية المصرية بالفصحى، تمامًا كما أتصور نص جويس الأصلي، وتختلف مستويات الفصحى ما بين فصحى متداولة وفصحى غارقة في القدم، ربما كما استعمل جويس ألفاظا غارقة في القدم هو الآخر.

في الفصل الرابع عشر (فصل المستشفى) حيث يدور الحوار ويتتبع جويس أساليب السرد الإنجليزي من القرون الوسطى حتى لحظته الراهنة في تسعة مقاطع تجاري شهور الحمل حتى الإنجاب، تختلف لغة طه هو الآخر من أول الفصل متتبعًا نص جويس بمنتهى الإخلاص.

الدكتور طه بعد صدور طبعة 1994 على صفحات أخبار الأدب. الصورة: محمد فرج

بالتأكيد تعطي ترجمة نيازي القارئ العربي الكثير من المفاتيح لفهم النص الجويسي نظرًا لكم الهوامش الضخم الذي يفتح للقارئ أبعادًا كثيرة وراء اختيارات جويس اللغوية والخلفيات التاريخية للشخصيات والشوارع والمباني. تصل الهوامش في الفصل الخامس عشر من ترجمة نيازي إلى 1201 هامش، لكن تسيطر تلك الروح التي عناها نيازي في إشارته لترجمة طه "انحصار كل همها في نقل المعنى وتبسيطه" على ترجمته هو وليس ترجمة طه الذي حاول في اختياره لمفرداته أن يتضمن اللفظ المختار كل الخلفية التاريخية والثقافية التي كان يريد جويس إيصالها أو عدم إيصالها لقارئه.

في مقال نشرته مجلة البيان الكويتية (يونيو 1984) بعنوان مشكلات خاصة في الترجمة، يقول طه ".. وعندما اندمجت بكل جوارحي في أعمال جويس اكتشفت أن العديد من المعاجم الموجودة لا يفي بالغرض مما اضطرني إلى جمع قاموس خاص بي، مع ما يتضمنه العمل من مشقة وجهد، للمترادفات والأضداد. وقد كان د. موافي (لا نعرف اسمه الأول) هو الذي اقترح عليّ هذه العناوين ولا زلت أتذكر كلماته: إذا كنت تأمل في ترجمة جويس فعليك أن تقرأ وردا كل يوم لتثري لغتك العربية. سيادته قد شاركني في مراجعة ترجمتي لجويس وهذا ما فعلته في الخمسة عشر عاما الماضية، فأخذت في قراءة وتصنيف مفردات من كتابي متخير الألفاظ ومن فقه اللغة للثعالبي، وكتابي شجر الدر والمسلسل، ومن مقامات الحريري. ووجدت كنوزًا دفينة فيها لم نلجأ إليها حتى الآن في بحثنا عن مترادفات لكلمات أجنبية، وفي بحثنا عن كلمات دقيقة في معناها في لغاتها الأجنبية حتى يقابل المرادف العربي الكلمة الأجنبية تمامًا كأسنان مشطين".

وفي سياق آخر يقول الدكتور طه "كنت أقف أمام اللفظ الواحد أيامًا عدة، وبعد ما أعجز عن العثور عليه في القواميس، أعود لأدرك أن جويس قد نحته من لفظين من لغتين مختلفتين أو أنه جاء به من العامية المستعملة في أزقة دبلن فكان عليّ أن أترجم اللفظ المنحوت بلفظ عربي منحوت أيضا وكنت أشعر بأن جويس يقدم لي اللفظ ويقول متحديا: انحت مثلَ هذا إذا استطعت، ومن هنا جاءت صعوبة الترجمة وصعوبة القراءة التي تحتاج أساسًا إلى ثروة لغوية عربية ضخمة".

مرارة وكسالى

لا تحفظ لنا شبكة الإنترنت الكثير من ردود الأفعال عند صدور عوليس سواء عند صدور طبعتها الأولى 1982 أو الثانية ديسمبر 1994، لكن نجد تحت عنوان "مثقفون كسالى يتساءلون عن جدواها: عوليس جيمس جويس في ترجمة عربية جديدة" يكتب محمود الكردوسي (!) في مايو 1995 في مجلة الوسط "قوبل صدورها بكثير من الحفاوة والتقدير"، لا نعرف شكل تلك الحفاوة، ولكن نلمس شيئا من المرارة لدى الدكتور طه إذ يقول ردًا على سؤال حول حجب جائزة الدولة التقديرية عنه "لأن اللجنة المكلفة بمنح الجائزة لم تجد وقتًا لقراءة الرواية وربما كان الغوص في عوليس بحاجة إلى غواصين جبابرة يفهمون ألغازها ومتاهاتها الكبري".

الدكتور طه قبل وفاته بعامين على صفحات أخبار الأدب. الصورة: محمد فرج

وفي موضوع الكردوسي يبدو الدكتور طه أكثر حدة حين يُسأل عن صعوبة الرواية "إن عوليس ليست عملا مستغلقًا، ولا ينبغي أن ينزعج القارىء من ضخامتها. ولكنها في الوقت نفسه بحاجة الى جهد لكي تُفهم وتُستساغ، هؤلاء المثقفون كسالى. إن قراءة رواية مثل عوليس تثير في النفس رغبة في الاستغناء عن كل ما كتب حتى الآن من أدب عربي".

لا نعرف من مجلة الوسط من هم المثقفون الذين استصعبوا قراءة الرواية ولكن الكردوسي يستعين برأي الناقد والمترجم الراحل إبراهيم فتحي (1931-2019) الذي قال للصحفي "على الرغم من إشادته بالجهد البطولي لمترجم الرواية، يتساءل إبراهيم فتحي أيضًا، وهو من المترجمين الناشطين، عن مصير الفن والأدب إذا كان من الضروري أن يكتب بهذه الطريقة". مضيفًا للكردوسي "أشك في جدوى هذه الرواية الآن، وفي ظني أن عوليس أدّت دورًا مهما في التأسيس لتيار الوعي. إنما هذا ليس هو الأدب".

رحل الدكتور طه محمود طه عن عالمنا في 16 أبريل 2002، وقد فقد بصره في آخر عمره، وحسب بعض الأخبار القديمة المتناثرة أنه قد أتم ترجمة رواية جويس الأخيرة يقظة فينيجانز، finnegans wake، وتركها لدى ناشره، أو تم نشرها بالفعل.

خبر وفاة الدكتور طه في عدد أخبار الأدب الصادر في 22 أبريل 2002. الصورة: محمد فرج- أرشيف أخبار الأدب

البحث عن رد فعل

مما تحفظه لنا شبكة الإنترنت عن ردود فعل صدور عوليس عربيا، مقال خفيف للكاتب الأردني طلعت شناعة بعنوان "أنا والزميل نجيب محفوظ وعوليس"، يحكي فيه الكاتب عن حيازته لترجمة طه محمود طه الطبعة الأولى/ 1982، ويقول في مقاله "بعد أن تابعت الضجة التي أثيرت حولها خاصة بعد ترجمتها للعربية لم أفهم شيئًا من الرواية وتشاء الأقدار أن أفتح الراديو وإذ بالكاتب الكبير نجيب محفوظ يتحدث عن رواية عوليس. ويؤكد أنه قرأها ولم يفهم منها شيئا". يختم الكاتب مقاله الساخر بأنه وجد له زميل في عدم فهم الرواية الضخمة، وهكذا استراح قلبه.

يبدو لي غريبًا القول بأن "الأستاذ" لم يفهم شيئًا من الرواية، ولا ندري هنا إن كان المقصود الرواية نفسها، أم عوليس بترجمة الدكتور طه.

مقال آخر مثير أيضا للكاتب التونسي منصف الوهايبي بعنوان "ما بين يقظة فينيجان وأولاد حارتنا.. هل كان نجيب محفوظ يتلصص على جويس" يرى فيه الروائي أن هناك خيوطا تربط بين رواية محفوظ ذائعة الصيت، وبين رواية جويس الأخيرة.

لا تبدو الخيوط التي يقيمها الوهايبي شديدة الوضوح ولكنها تبقى أقرب إلى رؤية شخصية منها إلى كونها ملاحظة نقدية يمكن إقامة الدليل عليها عبر الروايتين، ولكن تبقى مثيرة بجوار الإشارة السابقة إلى الحديث الإذاعي الذي قال فيه محفوظ إنه لم يفهم منها شيئًا.

أسأل الكاتب والصحفي محمد شعير صاحب كتاب الرواية المحرمة (دار العين 2019) إن كان قد صادف خلال رحلة بحثه في رواية أولاد حارتنا ما يشير إلى علاقة بين محفوظ وجويس، يخبرني أن مؤلفات جويس كاملة بالإنجليزية كانت ضمن مقتنيات مكتبة محفوظ، ويدلني على الشاعرة والباحثة منى كريم التي تعد بحثًا له علاقة بجويس وترجماته العربية.

منى كريم هي أستاذة الأدب العربي بجامعة برينستون الأمريكية، والتي تعد نصًا عن تأثير ترجمات جويس للعربية على السرد العربي الحديث وتحديدًا رواية صورة الفنان في شبابه، تقول لي "عندما صدرت ترجمة طه محمود طه كان هناك حماس لها، ولكن أيضًا تحامل كبير ضدها، لأن طه كان خلاّقًا في تراكيب الكلمات في محاولة منه لموازة ألعاب جويس اللغوية. بينما رأى محفوظ أن الترجمة لابد أن تكون سلسة. وفي حوار إذاعي، حاول محفوظ أن يتفادى إبداء رأي تفصيلي عن الترجمة، وقال أنه حاول قراءة الترجمة أكتر من مرة، ومعرفش وأنه اكتفى بقراءة الأصل".

أسألها إن كان من الممكن الوصول لهذا الحديث الإذاعي، فتخبرني أنه أشار إلى هذا الرأي في "المجالس المحفوظية" لجمال الغيطاني.

طبعة دار الشروق للمجالس المحفوظية. الصورة: الكاتب طاهر عبد الرحمن

هل قالها حقًا؟

في الكتاب المذكور (الشروق 2006) نجد أربع إشارات إلى عوليس وجيمس جويس في أوقات زمنية مختلفة. الإشارة الأولى في سني الألفية الأولى وتأتي في تنكيت نجيب محفوظ الشهير، حيث يسأله الغيطاني: فاكر من عوليس حاجة؟ فيجيبه محفوظ تفتكر أو ما تفتكرش، مش فارقة ثم تندلع ضحكته الشهيرة".

المرة الثانية؛ ويتحدث فيها محفوظ للغيطاني عن تصوره لدور الأديب كما ارتآه لنفسه حيث يتأتي ذكر جويس كنموذج، إذ يقول محفوظ للغيطاني "في هذا الوقت لم يكن يصح أن تكون شخصياتي مثل جويس، فبطل جويس تدور كل أفكاره داخل رأيه، بينما أنا في حاجة للانفتاح على المجتمع خارجي".

في مرة ثالثة يسأله الغيطاني بشكل مباشر: هل قرأت عوليس؟ ويجيب محفوظ بشكل مباشر أيضا: نعم في بداية الأربعينات.

المرة الأخيرة التي يأتي فيها ذكر عوليس وجويس تأتي قرب نهاية الجزء الثاني من الكتاب، ويبدو هذا وقت صدور الطبعة الأولى من ترجمة الدكتور طه. ويدور الحوار بين محفوظ والغيطاني في الإسكندرية، ويأتي الحوار شديد الاقتضاب إذ يخبره جمال أن هناك ترجمة لعوليس أنجزها الدكتور طه، فيرد نجيب: أن هذا مجهود جبار، وينتقل الحوار لمباريات كأس العالم التي كانت دائرة وقتها".

يبدو رأي محفوظ مثيرًا، وتعقب الدكتورة منى كريم "الكثير من المثقفين؛ ولأسباب شوفينية ونخبوية كانوا يرون طه كمترجم يستهزأ بالأدب. ببساطة لأنه كان طموحًا وخلاقًا ومهتمًا بتجاوز الحدود بين العامية والفصحى. طه حاول أن يخلق عالمًا موازيًا لعوليس، تلك الرواية القائمة على خليط ضخم من الثقافات الأوروبية واللغات والأساطير، عبر الرجوع إلى الثقافات الشعبية العربية وطبعا أولها الثقافة الشعبية المصرية". وهو ما تراه منى "مشروعًا كان أكبر بكتير من أي حد في جيله".

نجيب محفوظ في الستينات. صورة منشورة في أحد أعداد أخبار الأدب. الصورة: محمد فرج- أرشيف أخبار الأدب

لم يكن الأول

الدكتور طه لم يكن أول من ترجم جيمس جويس، ولا أول من تحدث عنه عربيا، أول ذكر لجويس في السياق العربي كان عن طريق سلامة موسى في كتابه التجديد في الأدب الإنجليزي الحديث (مطبعة المجلة الجديدة/ 1936) ثم بعد ذلك بفترة طويلة كان للدكتور لويس عوض (1915 -1990) مقال بمجلة الكاتب المصري عدد يوليو 1946، حمل اسم "جيمس جويس"، وقدم فيه عرضا مفصلًا لسيرة حياة المؤلف الأيرلندي الذي يصفه حال دراسته بالجامعة "بسعة الاطلاع، وشدة الصلف، والتهتك الأخلاقي في آن واحد".

يقدم لويس أيضا قراءة متعمقة لعوليس، وإن كان موقفه من الرواية يبدو متذبذًا بين اعتبارها "رواية تافهة"، وبين اعتبارها "فتحًا جديدًا" في السرد الروائي. أيضا يبدو هذا التذبذب واضحًا أيضا من موقفه من جويس نفسه فتارة يراه لويس عوض متغطرسًا، ويتساءل كيف لم ينتبه الكاتب للحرب العالمية الأولى التي كانت تجري أحداثها وقت كتابة الرواية، وتارة أخرى يتساءل أن هذا ربما هو موقف الفنان الحق والذي يجب أن يخلص لفنه بدون أي تشويش يأتي من الخارج.

موقف عوض يبدو على هذه الدرجة من التأرجح عند مقارنته بموقف آخر قادم من منطقة شديدة الاختلاف عن المنطقة التي يقف فيها عوض. ونقصد به موقف محمد لطفي جمعة أول من قام بمحاولة جادة لترجمة عوليس.

جمعة (1886- 1953) شخصية شديدة الثراء والإثارة فهو كاتب ومترجم وروائي ومحامي ومناضل سياسي مصري، كما كان من كبار محاميي عصره، درس في القاهرة وبيروت وفرنسا، وعمل مع مصطفى كامل ومحمد فريد في الحزب الوطني الأول، وكتب في الصحافة، وحاضر في الأدب، وأيضا كان أبًا لعشرة أبناء. أفكر الآن كيف يمكن للواحد أن ينجب عشرة أبناء ويقوم بكل هذا النشاط، بالتأكيد أنا كسول، وجمعة أيضا لم يكن لديه فيسبوك.

محمد لطفي جمعة. المصدر: صفحة مصر زمان والآن- فيسبوك

ما يهمنا في أمر جمعة أنه، وبينما يبدو موقف لويس القريب من اليسار على هذه الدرجة من التردد، يبدو جمعة المحافظ الذي كتب الشهاب الراصد وخصصه لمهاجمة كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي، أكثر حماسة بكثير لعوليس ولأدب جويس.

لم يكمل جمعة الترجمة، قام فقط بترجمة الفصول العشرة الأولى تقريبًا، ونشرها المشروع القومي للترجمة في 2008 بمراجعة ابنه المستشار رابح لطفي جمعة.

رابح قام قبل ذلك بنشر مقدمة والده للترجمة تحت عنوان نحو أدب روائي عالمي جديد- عولس لجيمس جويس (إصدارات دار عالم الكتب/ 1998) وبحسب الدكتور ابراهيم عوض في كتابه محمد لطفي جمعة وجيمس جويس (عالم الكتب/ 2001) فقد ألقى جمعة محاضرة عن جويس عام 1947 بجمعية قدامى خريجي الجامعات الفرنسية والسويسرية والبلجيكية.

جمعة كان شديد الحماسة لجويس إذ يصفه بأنه "عبقري، حر، أبي، صلب العزيمة، قد تحدى الإنجليز، وجاهد من أجل استقلال بلاده، وتحمل آلام الغربة والمرض والفقر دون أن تلين له إرادة، وراويته فتح جديد في عالم القص والأسلوب، وليس لها في هذا وذاك ضريب، وبها تسنم قمة الإبداع القصصي، لا يشاركه ولا يمكن أن يشاركه فيها أحد".

أفكار على العتبة

على باب أرشيف مؤسسة أخبار اليوم أفكر أن الإنسان يظل مشغولًا بالخلود، ولقد أدرك منذ زمن طويل أنه لن يعيش طويلا، حاول، وما يزال، البحث عن وسائل تمكنه من إطالة حياته قدر المستطاع، ولكنه أدرك أيضا أن هذا أمر صعب المنال، فانشغل بالأثر الذي سيمكنه من البقاء أطول وقت ممكن، حتى لو اختفى جسديا، فأثره يمكن أن يبقى، من رسومات الكهوف، لمقابر الملوك، لحفر الأحبة الصغار لحروف من أسمائهم على الأشجار الضخمة في الحدائق العامة، وعهود الصداقة الخالدة التي يخطها المراهقون على الأوراق النقدية كإعلانات للإخلاص الأبدي، كلها يمكن إدراجها تحت محاولة ترك أثر يبقى بعد أن نذهب نحن.

وبالتأكيد ينشغل الفنان بترك أثر، عمل الفنان بالأساس هو صنع أثر يدل عليه، وتأثير يبدأ مع العمل، ويظل أمل الفنان، بدرجة ما، أن يبقى هذا الأثر. أن يبقى طويلا. أن يصبح خالدًا.

عندما ظهر الإنترنت فتح آفاقًا شاسعة لإمكانية ترك الآثار للجميع، لكن بعد وقت اتضح أن بقاء تلك الآثار مسألة مشكوك فيها، تحكمات رأس المال، والتعقيدات السياسية تلعب دورا كبيرا فيما يبقى وما يتم حذفه. مرة عملت لسنوات في موقع إلكتروني، توقف العمل بعد نفاد الأموال، وبعد فترة قرر مالك الموقع حذف الموقع تماما من على الشبكة، هكذا أختفى عمل العشرات وعملي أيضا، وبقي السؤال يتردد في ذهني؛ كيف يمكنني الإجابة عن سؤال ماذا كنت تفعل في الفترة الماضية؟

هل يعالج الورق ما يمكن أن يمحوه الإنترنت؟ لكن الكتب تحترق، تتلف، تتراكم في المخازن حتى يتم عجنها مرة أخرى في مصانع الورق، وربما تخرج هذه المرة في صورة مناديل ورقية من أجل استعمالها في الحمامات. ساعتها ربما يبدو جامعو الكتب القديمة كأمل واهٍ لمقاومة النسيان.

هل الخلود هو احتلال جزء في الأرشيف؟ لا أقصد سجلات المواليد، ولا ملفات المدارس، أو مراكز استخراج رخصة القيادة. أرشيف المكتبات، الصحف، الجامعات، المتاحف. الأرشيف الذي سيضمن للفنان أن هناك أثرًا منه باق في ملف ما، لباحث ربما سيأتي بعد أعوام كثيرة ويكتشف أثر الفنان الذي بقى.

لكن ماذا عن عملية تجديد الأرشيف الروتينية، عن إخلاء مساحات لأسماء جديدة يجري ضمها للأرشيف المتضخم دوما بحكم طبيعته، ماذا عن القرارات الإدارية المختلفة والتي تحدد من له الأحقية في البقاء، ومن يجب التخلص منه؟ هل الوصول للأرشيف هو الهدف؟ وهناك.. كيف يمكن الصمود؟

أدخل إلى المكان، لا يختلف أرشيف أخبار الأدب عن أي أرشيف كلاسيكي. صالة لا يمكن إدراك أبعادها، وإن كانت صالة واحدة مقسمة بفواصل تحمل أرففًا لا تنتهي. مليئة بالملفات المتربة، أم عدة حجرات متداخلة، ملفات كثيرة تملأ الأرض والأرفف حتى السقف، أتساءل عن كم الحشرات والحيوانات التي يمكنها أن تعيش في الداخل، وتقتات على محتويات الأرشيف/ التاريخ.

يقابلني الزميل هناك بلطف، ويحاول أن يساعدني عبر البحث في أدراج رفيعة طويلة تضم بطاقات مقسمة أبجديًا، وبالفعل يجد بطاقة باسم الدكتور طه، ويبدأ في البحث بين متاهة الملفات عن الملف الذي يحمل الرقم، يسقط جدار كامل من الملفات على الأرض وتتبعثر محتوياته وتتداخل الأوراق، يخبرني الزميل بألا أقلق، وأنه سيعيد ترتيب الأمور، ولكنه لا يجد الملف المطلوب.

يخبرني أنه ربما يكون قد تم التخلص منه، إذا أن قواعد الأرشيف في المؤسسة تحدد عدد معينا من السنوات يتم التخلص بعدها من الملفات إذا لم يكن يتم تغذيتها بجديد.

أشعر بعلامة استفهام كبيرة تتكون فوق رأسي، ولا أعرف أن كانت هذه هي نهاية البحث أم لا، لكنه يخبرني بضرورة العودة مرة أخرى لمقابلة أحد الزملاء القدامى الذي يعرف خبايا الأرشيف أكثر.

"أنا من هذه الرحلة الطويلة خرجت أيضا بقاموس للمترادفات والأضداد باللغتين العربية والإنجليزية يتضمن 1200 كلمة هي حصيلة بحثي الطويل وراء كلمات جويس" من حوار مع الدكتور طه.

كلام شخصي

أتوجه إلى المكتبة التي تقع في قاعة تحمل اسم جمال الغيطاني، يتعامل معي الموظفون بلطف ولكن بريبة أيضا، يأتون إليّ بمجلدات تلك السنوات، كل ستة أشهر في مجلد، أقلب الصفحات بحثا عن الحوار. تمضي الشهور، ثم السنة الأولى، والثانية، ولا شيء.

أخيرًا في العدد الصادر في 6 أغسطس 2000، يضم البستان (الملف الرئيسي في أخبار الأدب) ملفًا عن رواية جويس الأخيرة فينيجانز ويك. صورة جويس على غلاف العدد، ويحمل عنوانا " أول ترجمة عربية كاملة لرائعة جيمس جويس: فينجانز ويك".

الغلاف الداخلي للبستان حمل عدة عناوين. في أعلى الصفحة على اليمين "كيف تقرأ جيمس جويس؟" ثم "أسطورة أدبية اسمها: فينجانز ويك"، وحمل الملف توقيع الدكتور طه تحت إشارة "دراسات وترجمة الدكتور: طه محمود طه".

عادة ما تأتي الصفحة الأولى للبستان على اليسار لتعد بمثابة غلاف للملف، وتحمل مقدمة، بينما يبدأ الملف من الصفحة التالية على اليمين. وفي ملف فينجانز ويك ضمت الصفحتان الذين يبدأ بهما الملف في الأعلى ما يشبه حوارا مع طه تحت عنوان "راهب في غرفة واسعة".

الحوار بدون توقيع.

تختلف الأعراف الصحفية في مسألة كتابة أسماء الصحفيين على الموضوعات، وتحديدًا في الصحف القومية إذ تحكم الأمر أعرافًا قوية. الصحفيون المعيّنون في الجريدة يكون بنط أسمائهم أكثر سماكة من غير المعينيين، ويختلف أيضًا حجم الاسم بحسب الأقدمية، وأحيانا يتم حذف الاسم من الموضوع، إذا تكررت موضوعات الصحفي في نفس العدد، أو كعقاب له أحيانًا.

وعلى الرغم من استعمال العنوان لوصف "الراهب" إلا أن الجملة الأولى في الحوار جاءت لتنفي حبه لهذه الصفة "ربما لا يحب الدكتور طه محمود طه أن يصفه أحد براهب جيمس جويس" ثم ينقل كاتب الحوار مقطعا على لسان الدكتور طه يدلل به على عدم رهبانيته "أنا لم أنس نفسي طوال هذه السنوات التي قضيتها بين أعمال جويس، كنت أذهب لأقضي عطلة الصيف مع عائلتي، كما أنني كنت طوال 12 عامًا مشرفًا على سلسلة المسرح العالمي في الكويت".

مكتبة مؤسسة أخبار اليوم بالدور الثالث. الصورة: محمد فرج

ربما يكون هذا هو أول كلام أصادفه يتحدث فيه الدكتور طه عن حياته الشخصية، ثم يتابع كاتب الحوار "هكذا يرفض الدكتور طه وصف الرهبنة ليفتح الطريق أمام إحساس آخر 'أنا وجدت في جويس ضالتي، تعلمت معه أشياء كثيرة في الحياة.. علم نفس، سياسة، طب، شكسبير.. تعرف أنني عندما كنت أدرس شكسبير لطلبة الآداب الإنجليزية كنت أقول لهم اكتفوا بما كتبه جويس عنه، فهو يكفي جدا..'".

ثم ينتقل الحوار لقصة أطروحته لنيل درجة الدكتوراة والتي لم تكن عن جويس لأن "المشرف في جامعة دبلن نصحني بأني إذا فعلت ذلك فسأقضي عمري كله عندهم في الجامعة، اخترت هكسلي وانتهيت الرسالة في ثلاث سنوات، لكنني قضيت عمري أيضا في جويس".

ثم يروى كاتب الحوار على لسان الدكتور طه حكاية انتقاله للعمل على جويس، والتي يصفها الحوار بـ "الغريبة". يقول طه "فوجئت بعد عودتي من جامعة دبلن وعملي في جامعة عين شمس بأنه علي تقديم رسالة الدكتوراة كلما تقدمت للحصول على ترقية، حتي تتأكد اللجنة أنني لم أسرق بحث الترقية من الدكتوراة، فشعرت ببعض الإهانة وأقسمت أنني لن أقترب في أبحاثي من هكسلي مرة أخرى، وبدأت رحلتي إلى جويس".

ثم يروي محطات تلك الرحلة "كان ذلك عبر كتاب تمهيدي 1964 عن القصة في الأدب الإنجليزي من بيوولف (المكتوبة في القرن الثامن عشر) إلى فينجانز ويك. تلاه كتاب آخر عن أعلام القصة في الأدب الإنجليزي، كل هذا كان 'فرشة' للدخول إلى عالم جويس بحسب تعبير الدكتور طه".

ثم يبدأ طه في ترجمة الفصلين الرابع والعاشر من عوليس، وعن نشره لواحد من تلك الفصول في مجلة المجلة يقول في حوار أخبار الأدب " لاحظ يحيى حقي رئيس تحريرها أنني صغير في السن على ترجمة جويس، فأخبرني أنه سيعطي الترجمة لأحد أساتذة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة لمراجعته، قلت له لا مانع عندي، لكنني أريد أن أقدم لك جملة واحدة بسيطة وتعرضها على مَن تشاء، الجملة كانت تتضمن كلمة green house والتي تترجم في العادة إلى بيت النباتات الزجاجي لكنها في عوليس تعني شيئًا أخر لأن المكان المقصود هنا على نهر لا تقع عليه أي من هذه البيوت، وكل مَن عاشوا في أيرلندا يعرفون أن كل دورات المياه العمومية يطلق عليها اسم green house لأن ماء الصرف الذي يخرج منها يتجه إلى النهر وإلى قنوات ري الحدائق. يحيى حقي أرسل بعد ذلك الفصل إلى المطبعة وخصص له 32 صفحة من المجلة".

يسرد كاتب الحوار بعد ذلك عدة تواريخ هامة تخص محطات طه مع جويس من صدور موسوعة جيمس جويس عام 1974، ثم تفرغه لإنجاز ترجمة عوليس التي صد رت طبعتها الأولى في 1982، ويذكر الكاتب أيضا أن جامعة الكويت قد ساعدت د. طه بمنحه فترة تفرغ لإنجاز هذه المهمة. ثم صدور طبعة جديدة من عوليس في 1997، هذا التاريخ غير دقيق إذ صدرت تلك الطبعة في ديسمبر 1994، وذلك بعد اكتشاف 700 خطأ في الطبعة القديمة معظمها بسبب علامات الترقيم.

جانب من الحوار مع طه في "البستان". الصورة: محمد فرج- أخبار الأدب

ينتقل الحوار فجأة بعد ذلك إلى شخص طه فنقرأ بين علامتي تنصيص "حفرت طريقي بأظافري وأسناني"، يقول كاتب الحوار "هذه الجملة قفزت فجأة بين كلمات الدكتور طه لتعبر عن أنه حفر طريقا صعبًا "أنا من هذه الرحلة الطويلة خرجت أيضا بقاموس للمترادفات والأضداد باللغتين العربية والإنجليزية يتضمن 1200 كلمة هي حصيلة بحثي الطويل وراء كلمات جويس. تصور، والحديث للدكتور طه، عندما ذهبت بجزء صغير من هذا القاموس لناقد كبير له شأن في عالم الثقافة وطلبت منه أن ينشره في الدار التي يشرف عليها قال لي: ايه ده أنت راهب عشان تعمل كل ده؟ شوفلنا كتاب صغير ننشرهولك".

ثم ينتقل الكاتب لوصف بيته "وفي بيته بمصر الجديدة يسيطر انطباع واحد من إنك في مكان مخصص لمهمة واحدة فقط وسيختفي بعدها".

هل كانت تلك نبوءة؟ الحوار منشور قبل سنتين من وفاته، وأنا أكتب هنا بعد ثمانية عشر عامًا، هل اختفى بالفعل المكان، وهل اختفى طه مع المكان؟ وأعماله هل اختفت هي الأخرى. لا أعرف. سأواصل البحث علّ شيئًا لم يختف تمامًا بعد.

يتابع كاتب الحوار بعد ذلك "يجلس الدكتور طه أمام التلفزيون بمسافة قريبة جدًا حتى يستطيع المشاهدة: فقدت عيني اليسرى تماما بسبب إهمال ولامبالاة الطبيب، ولهذا لا أستطيع القراءة أو الكتابة إلا بصعوبة كبيرة جدا. وأتابع أخبار العالم من خلال من خلال شبكة سي إن إن".

انعطافة جديدة نحو جويس من كاتب الحوار "يحتاج جويس إلى فدائيين" هكذا لخص دكتور طه رحلته الطويلة مع جويس والتي التصق بها إلى حد غير مسبوق، وهذا ما جعل ملامحه تتغير ونحن نطلب منه استعارة كتاب يتضمن مخطوطات جويس "هذه تركتي لأولادي. أنها عيني ويدي" السيجارة سقطت قبل أن يعيد الجملة للمرة الرابعة. لكن بعد الإلحاح وافق على إعارتنا المخطوطات مع تنبيه واضح قاله بصوت مهذب للغاية هذه الأشياء مكتوبة في وصيتي". وقبل أن نغادر منزله أعاد علينا طلبا يشغله بقوة "أرجو لو كنتم تعرفون طالبًا في الدراسات العليا يريد الاستفادة مما تعلمته، أعطوه رقم تليفوني لن أبخل عليه بشيء".

هل ظهر مثل هذا الطالب؟ يبدو مطلبًا نبيلًا. الرجل في الثامنة والسبعين تقريبا، فقد عينًا ولكن لا يريد لتلك الخبرة أن تنتهي معه، ويبحث عن مشاركتها مع شاب يمكنه أن الاستفادة.

وعلى الرغم من النهاية الوشيكة للحوار، يقفز سؤال فجأة: من هم أساتذتك يا دكتور؟ يجيب طه بأن معظمهم كانوا إنجليزًا أو أمريكيين، فلم يدرس له من المصريين سوى الدكتور عبد القادر القط (أدب عربي) والدكتور مهدي علام (ترجمة). يذكر بعدها طه أنه كان يعمل وقتها في شركة ماركوني "التي كانت مشرفة على الإذاعات والتلغرافات، عملت هناك لأكثر من 12 عامًا ربما كانت مهمة في تعليمي الإصرار والعمل الدؤوب".

بعدها يذكر كاتب الحوار أن طه قبل أن يُنهي إجابة أي سؤال يمد يده إلى كتاب أو ورقة أو لوحة خاصة بجويس "ومعها تقفز عبارات يدخل معها جويس مجال الحديث". وهكذا يأتي مقطع الحوار الختامي "هكذا يسكن الدكتور طه في غرفة متسعة جدًا، وهو عكس الرهبان لا يغلق الأبواب على نفسه، لأنه يفتح أبواب غرفته ليدخل إلى سراديب غامضة تمتد من غرفة عربية في برج قديم إلى عالم مصنوع من الكلمات".

سألتُ وائل عبد الفتاح إن كان هو من قام بإجراء هذا الحوار؟ يتذكر وائل أنه قابل الدكتور طه بالفعل وأجرى معه حوارًا، ولكنه لا يتذكر أن الحوار كان شديد القصر هكذا، وأبدى استغرابه من كون الحوار بدون توقيع، ورجح الأمر لكون ذلك جزءًا من حوار أكبر نشر في وقت مختلف في أخبار الأدب، وعدم وجود التوقيع لاحتمالية وجود مادة أخرى له بنفس العدد.

التزام بالقرارات

يحمل غلاف عدد أخبار الأدب رقم 436 الصادر في 22 أبريل 2001، عنوانًا في الزاوية العليا على اليسار يقول "الوثائق الكاملة لمصادرة عوليس ومحاكمتها في أمريكا" وفيه يتتبع الدكتور طه مسار قرصنة وتشويه الرواية منذ صدورها في 1922، وذلك على مسارين، الأحدث منهما يتعلق بمحاولات النشر بعد 1992 بعد سقوط حقوق ملكية الرواية لمرور خمسين عاما على وفاة جويس وقدرة أي ناشر على طبعتها بدون دفع مقابل مادي لورثة جويس.

ومسار أقدم مرتبط بوقت صدور الرواية ومحاولات إصدار طبعات منقحة منها، كما حدث في أمريكا عندما قام أحد الناشرين بنشر 14 فصلًا من الرواية مسلسلين بعد أن حذف منها الفصول التي اعترض عليها الرقيب الأمريكي آنذاك، وصدور بيان وقع عليه 176 مثقف يطالبون فيه الناشر بوقف النشر، ونص حكم القاضي عام 1932 بالإفراج عن الرواية والسماح بنشرها كاملة.

ما يبدو مثيرًا في هذا الملف ما يذكره الدكتور طه عن قرارات المجتمعين في المؤتمر الدولي لدراسات جيمس جويس والذي انعقد في دبلن عام 1982 في مئوية جويس والذين اتفقوا على: أولًا؛ عدم نشر شروحات هامشية مع النص الأصلي وسمحوا بنشر الشروحات في كتب منفصلة عن النص، وصدرت مئات المراجع تباعًا. ثانيا؛ منع وحظر أي محاولة للعبث بالنص ذاته أو إصدار طبعة منقحة منه احترامًا لمؤلفه، وبالتالي تصبح ترجمة صلاح نيازي (طبعة المدى) مخالفة لتلك القرارات لكونها مصحوبة بهوامش. بينما صدرت الطبعة الثانية من ترجمة الدكتور طه (1994) بعد تصحيح الأخطاء التي تم اكتشافها بدون هوامش، مراعاة لقرارات هذا المؤتمر.

أثناء عملية البحث عن الدكتور طه. الصورة: محمد فرج

طرف خيط

في ملف أخبار الأدب عدد 22 أبريل 2002 عن رواية فينجانز ويك، توجد إشارة في آخر الملف نصها كالآتي "تتوجه أخبار الأدب بالشكر إلى القاص حمدي عبد الرازق الذي يعاون المترجم الكبير الدكتور طه محمود طه بمثابرة وإخلاص منذ عام 1993، حيث يملي عليه أبحاثه وترجماته ويقرأ له نظرا لقصور الأبصار الذي يعانيه منذ فترة طويلة".

يبدو أن ثمة ما يمكن البحث ورائه هنا، أحاول البحث عن رقم تليفون القاص عبد الرازق عبر عدد من الزملاء الصحفيين، لم يعثر عليه أحد، ولكن فجأة تنبهت لماذا لا أقوم بالبحث على فيسبوك، أحيانا تنتاب الواحد حماقات كلاسيكية، وبالفعل وجدت الأسم. ربما هو، وربما لا.

أرسلت له رسالة، وطلبت منه رقم هاتفه، رد بعد يوم، وهاتفته في آخر اليوم ظل الهاتف مغلقا فترة طويلة، ثم رد الرجل، واعتذر بأنه يدير ندوة بالمجلس الأعلى للثقافة، كنت أريد فقط حينها من مسألة واحدة: هل هو المعني بالشكر المذكور في ملف أخبار الأدب؟ فسألته إن كان على علاقة بالدكتور طه محمود طه عليه رحمة الله؟ فأجاب: طبعا. تركته لندوته، واتفقنا على حديث أطول بعد ذلك.

مكالمة طويلة

تعرف حمدي عبد الرازق (1963) على الدكتور طه بين 1989و1990، لا يتذكر بالتحديد، حيث كان حمدي يعمل ساعتها مصححًا لغويًا بالدار العربية للطباعة والنشر والتوزيع، وكان من نصيبه مراجعة الطبعة الثانية من رواية عوليس التي كانت الدار تعتزم نشرها، حمدي المصحح كان يعمل على نسخة مصورة من الطبعة الأولى، قام بتصويرها وتكبيرها للدكتور طه، وأيضا النسخة الجديدة التي تحمل تصويبات طه، كانت الرواية مليئة بالمشاكل اللغوية، ومن ثم كان يرجع لصاحب الدار، الأستاذ أمين المهدي من أجل مناقشته في المشاكل والأخطاء، والذي كان بدوره ينقلها لطه، ثم يعود إليه بالرد، بعد فترة قال له صاحب الدار سأعطيك رقم تليفون المترجم لتتواصل معه مباشرة، ولكن لأن المكالمات كانت متتالية وطويلة، فاقترح حمدي على المترجم أن يزوره في بيته من أجل مراجعة ومناقشة الأخطاء والمشاكل التي يراها حمدي، وهكذا كانت الزيارة الأولى.

فتح الدكتور طه أمام حمدي الشاب عالم جويس، وخصوصية اللغة في عوليس وتحولت زيارات مراجعة الطبعة الثانية، إلى علاقة إذ طلب طه من حمدي أن يظل معه كي يساعده في القراءة والكتابة، إذ كان وقتها يعاني من مشاكل في الرؤية. ترك حمدي العمل في الدار عام 1993 إذ تم تعينه كمدرس ومع ذلك لم ينقطع عمله وزيارته للدكتور طه.

اكتشف حمدي ليس أنه فقط أمام مترجم فذ، ولكن أمام رجل مليء بخبرات حياتية مثيرة ومتنوعة، إضافة إلى حنوه وأبوته وإنسانيته المدهشة مع حمدي الشاب آنذاك، وكان جويس هو الذي ساعد طه على اكتساب تلك الخبرات. يقول لي حمدي عن طه "كان يهوى تحنيط الطيور، وإصلاح سيارته بنفسه، وعلم زوجته في سني زواجهما الأولى الطبخ وتفصيل الملابس، وكان الرجل مشغولا طوال الوقت بالتنقنيات الحديثة والقراءة عنها".

أخبرني حمدي أن طه ألف قاموس المترادفات والأضداد بعنوان المزخر لا يعرف حمدي إن كان تم نشره أم لا، لكن كان طه قد ذكره أكثر من مرة، وفي إحدى المرات ذكر أن شركة لونجمان ستقوم بنشره. أيضا أخبرني أن طه قام بإنشاء مكتبة لجيمس جويس في جامعة الكويت ضمت كل ما كتب عنه، وتم تدميرها أثناء حرب الخليج الثانية، لم يتسنَّ لي التأكد من هذه المعلومة حتى الآن.

في الفترة ما بعد 1993 كان طه على حد رواية حمدي يكتب مقالات لمجلات عربية ويراجع أعمالًا بحثية لصالح جامعات مصرية. وقد قرأ له حمدي في هذه الفترة الكثير من كتب التراث العربي، والأدب المصري المعاصر منها الأمثال العامية لأحمد تيمور وغيرها. أخبرني حمدي أيضا أنه كان ينوي الكتابة عن طه بعد رحيله، وبدأ بالفعل، ولكن أخذته مشاغل الحياة، ولكنه مازال يحتفظ بتلك الأوراق بالأضافة لنسخ من ترجمات طه، موّقعة منه، في مكتبته التي تضمها شقة في الطابق الأسفل من شقته. انتهت المكالمة بأن تواعدنا على اللقاء بعد فترة لمواصلة الحديث.

ثم جاءت هجمة كورونا..

في منتصف شهر أبريل، كتب حمدي عبد الرازق على صفحته الشخصية على فيسبوك أن ماسورة مياه عمومية قد انفجرت أمام بيته بمنطقة الورّاق، الأمر الذي أدى إلى غرق الأدوار السفلى في الشارع الذي يسكن فيه، لم يصب أيّا من أفراد أسرته بأذى، لكن تدمرت مكتبته بالكامل.

ليست بخاتمة

الدخول لعالم جيمس جويس يبدو أشبه بلعنة تتلبس من يقترب منه، لعنة تقتضي بأن تكرس وقتًا أو حياة كاملة لجويس وحده، ثمة متعة تخطف بالفعل، ندّاهة تبتلع المولعين بأدب الرجل الأيرلندي النحيل الطويل. الدكتور طه ليس وحده، تقريبا كل من ترجم جيمس جويس في كل اللغات قد أمضى حياته في هذا العمل، وأنا أشعر أن ثمة بئر ينفتح تحتي، والسقوط فيه لذيذ وممتع ويغري باكتشافات لا حد لها.

أعرف أنه يمكن اعتبار كل المقاطع المدونة أعلاه على أنها جمل غير منتهية، وهي كذلك بالفعل، أشعر أنه قد انفتحت أمامي طرق شديدة الإغراء لقراءة جويس مرات، وعيش ما يقرأه الواحد، والبحث عن الرجل الذي جلب لنا هذا الجمال المخيف إلى العربية، البحث عن الدكتور طه الذي يستحق منّا الكثير.