مقر البرنامج المصري لتطوير الإعلام، حيث كان يصدر "زحمة". صورة بإذن خاص للمنصة

مصر بدون "زحمة": الأزمة المالية تنهي تجربة "المفيد وبس"

يجلس في هدوء منزله بعيدًا عن صخب أجواء العمل، وبمجرد أن يصله ما اعتاد استقباله يوميًا من مواد إخبارية؛ يجد عقله مندفعًا بصورة تلقائية إلى الإسراع بتحريرها ونشرها. لا تمر سوى ثوان قليلة حتى يراجع العقل نفسه، ويدرك أن النشر لم يعد ممكنًا، لا مزيد من الأخبار والتقارير المعلوماتية والمسلية التي ينتظرها ويتفاعل معها آلاف القراء، فالنافذة التي كانوا يطلّوا منها على العالم من زواية مختلفة أغلقت، ولم يعد هناك "زحمة".

"موقع إخباري ممتع للشباب والكبار، يركز على الخبر المهم والمعلومة المفيدة والتسلية الجذابة"، هكذا عرّف زحمة نفسه، وهو الموقع الذي انطلق للمرّة اﻷولى مع بدايات الألفية الثالثة، وحين عاد في صورة جديدة وانتشر بقوة عام 2014.

اختار "زحمة" أن يكون ما سيقدمه لقرائه هو "المفيد وبس"، فدأب على تقديم المختلف سواء فيما يتعلق بالمادة الصحفية نفسها أو الصورة التحريرية التي تخرج بيها لقرّاءه، منذ البداية وحتى النهاية التي كتبتها مصاعب ومتغيرات حاول الموقع التعايش معها على مدار شهور عديدة، إلى أن أعلن قبل يومين وبصورة رسمية نهاية الرحلة.

مفيش زحمة

"رغم إننا متوقفين من حوالي يومين أو تلاتة إلاّ إني محتاج وقت علشان أقدر اتقبل الأمر ده. وحاليًا، لما بيوصلني تقرير من وكالة أنباء، أول رد فعل ليا هو إني أقوم وأبدأ أحرره وأنشره. مازلت بحاول أستوعب إن مبقاش فيه زحمة".. يقول الصحفي محمد خير، رئيس تحرير موقع زحمة، للمنصّة عن سلوكه الحالي الذي ما زال وفيًا لأيام العمل، رغم التوقف الذي لم يكن مفاجئًا بالمرّة.

كان للتوقف بوادر سابقة لم تكن واضحة لخير وحده، بل لأعضاء الفريق ومنهم الصحفية غادة قدري، التي عملت كمدير تحرير للموقع حتى شهر مضى "كل التمهيدات كانت ظاهرة من فترة، لكن بدأنا نحس بقرب التوقف من حوالي شهرين، لما بدأ الشغل يقل وعدد الفريق يتقلّص أكتر من أي وقت فات".

المصاعب التي لاحظها الفريق، لمستها غادة بنفسها حين صارت مضطرة لوداع المكان، ﻷسباب وظروف خارجة عن إرادة الجميع "أستاذ خير كان مضطر فيما يتعلق بأعمال التحرير إنه يختار بين شخصين لمساعدته، ووقتها كان عندي شغل تاني، فاضطريت أسيب الموقع".

لغاية اليوم اللي توقفنا فيه رسميًا، كان ما زال عندنا أمل نستمر، وكان بقالنا فترة طويلة بنحاول ننجو بالمركب.
- محمد خير.

تركت الصحفية الموقع بعد 3 سنوات من العمل به، منذ 2017، على أمل العودة بعد الكبوة "اتقال لنا وقتها إن الأمور هترجع كويسة وهنتجمع تاني، لكن اتفاجئت أول امبارح بالخبر اللي كان بالنسبة لي صدمة، ﻷن كل واحد فينا من بداية العراقيل كان بيبذل جهده للخروج بأفضل صورة ﻵخر لحظة، رغم القلة العددية".

الصدمة التي انتابت غادة، شاركها فيها خير الذي كان يرواده الأمل "لغاية اليوم اللي توقفنا فيه رسميًا كان ما زال عندنا أمل نستمر، وكان بقالنا فترة طويلة بنحاول ننجو بالمركب، وصمدنا لحد اللحظة اللي الإدراة بلغتنا فيها إن الاستمرار بقى غير ممكن. لحد آخر لحظة كان فيه دخل، لكنه كان بيقل بصورة لا تؤمّن حياة العاملين، واحنا كنا عايزين لما نقفل بعد السنين دي كلها، إن ده يتم بصورة محترمة والناس تحصل على حقوقها".

سنوات التنوع

توقف المشروع الذي كان بالنسبة للفريق أكبر من مجرد مكان عمل، وفق ما وصفته غادة بناءً على مشاعر تنتابها وزملائها، لمستها بما كان لهم من مبادرات حتى في أصعب الأوقات "ده بيتنا وتجربتنا، وفيه اشتغلنا حاجات متنوعة، ترجمات وميداني. وكنا بنبادر من نفسنا وبنعمل حاجات متعبة أكبر من الإمكانيات المتاحة لينا. بس كنا بنعمل ده عن اقتناع وحبًا في الموقع".

تسعة أقسام، هي ما سيطالعه زائر موقع زحمة، وبمجرد قراءة عناوينها التي بالإضافة للأخبار تشمل كل من "مصر في دقيقة، العالم في 60 ثانية، كل شيئ عن، ومنوعات، ورأي النخبة"؛ سيدرك أنه بصدد قراءة مادة مختلفة عما يُقدم في الصحف والمواقع الإخبارية في المجالات المختلفة بين شؤون المجتمع والرياضة والفن والاقتصاد والثقافة.

قدّم زحمة الجديد والمختلف؛ بصورة بعثت الحماس في نفس الفريق كما لمست غادة "دي تجربة أكسبتني ثقة في نفسي وحب للصحافة، باللي كانت بتقدمه من قوالب ومواد بعدت بيا أنا وزملائي عن ملل الصحافة التقليدية. احنا كنا بنقدم ما وراء الخبر، وبنركز على صحافة مختلفة في مجالات المرأة وبننقل تفاصيل عن صورة مصر في عيون الخارج".

تفخر الصحفية بمحتوى الموقع، وتخص منه بالذكر التجربة التي تفاعل معها مليون شخص وفقًا لما تم تسجيله من إحصائيات "احنا كُنا التجربة اﻷولى في الصحافة المصرية والعربية اللي بتتعامل مع أخبار الحيوانات بطريقة مختلفة، وده كان من اﻷكثر انتشارًا بين أقسام الموقع".

لم يكتف زحمة بتخصيص قسم لهذا النوع من الأخبار، بل وجعله شاملًا لكل ما يتعلق بها من منتجات ومعلومات من الطب البيطري.

ده بيتنا وتجربتنا، وكنا بنبادر من نفسنا وبنعمل حاجات متعبة أكبر من الإمكانيات المتاحة لينا.
- غادة قدري، صحفية بموقع زحمة.

ما لمسه القارئ من ثراء وتنوع كان له عوامل مساعدة للصحفيين في بيئة عملهم، تحكيها غادة "مفيش حد فرض عليا شغل، واختيارتنا هي اللي كانت بتحدد القصة بشرط تكون محكومة بالقواعد المهنية. فكنا بنحلم نقدم حاجات كتيرة، ونطور قوالب الفيديوهات والأشكال الصحفية. كنا بنلعب في مساحة مختلفة، وغياب زحمة هيخلق فراغ في المساحة دي".

عام المصاعب

"التعايش من جانبنا بقاله شهور وأكتر، ﻷن ظروف السوق الصحفية سيئة بصورة دفعت الناس للقلق والخوف من الاستثمار فيها"، يقول خير عما بدأ هو وفريقه مواجهته من فترة طويلة من مصاعب لم تقتصر على الجوانب المادية فقط، بل امتدت لأمور أخرى.

"والمصاعب الأخرى لم تكن إلاّ ما يعايشه الإعلام من مستجدات، تحدث عنها الصحفي "الظرف العام ومدى حرية الإعلام بيحكموا بالطبع قرار الممول إنه يستثمر في المجال ده أولًا، ﻷنه بيتوقف على أمور من أهمها انتشار الوسيلة، واللي بدوره بيحتاج حرية لنشر مختلف المواد، وده في حالة إن الوسيلة بتحترم جمهورها ومش عايزة تنزلق لتقديم محتوى سيئ أو منحط".

صَدر زحمة عن البرنامج المصري لتطوير الإعلام، ومثله مثل الإصدار الآخر للبرنامج، جريدة منطقتي، يعتمد على تمويل ذاتي قوامه الإعلانات، التي رأى الصحفي محمد خير أنها شهدت مؤخرًا إشكاليات "اﻹعلانات الديجيتال بطبعها غير مجزية، وده بيدفع المؤسسات ﻹنها تحافظ على نسخ ورقية، بالإضافة ﻹن فيه بدايل لإعلانات المواقع الصحفية بيلجأ لها كتير من المعلنين زي فيسبوك وتويتر".


اقرأ أيضًا: وسط البلد تودع "منطقتي": كورونا يوقف صحيفة محلية


وجد الموقع منافسة على الإعلانات من وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه صمد اعتمادًا على باب تمويلي آخر، يحكي عنه خير "رغم كل ده تعايشنا وقاومنا مشكلات الإعلان، ﻷننا كنا بنعتمد على الإعلانات والخدمات التقنية الصحفية".

من بين سبل تمويل زحمة الذي راعى طريقة جديدة ومختلفة في عالم الصحافة، كان التعاون مع إحدى الشركات الخاصة، عبر تصميم موقع وإصدار صحفية لها، وفي المقابل تحولت الشركة إلى معلن أساسي على الموقع بمختلف حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

مشاعر متضاربة

حاول خير وغادة وزملاؤهما التغلب على المصاعب، لكن الظروف التي كشف عنها لهم قبل فترة ممول مشروعي زحمة ومنطقتي طارق عطية، كانت أقوى من قدرتهم على التعايش، وفقًا لما تسترجعه الصحفية الآن "كان عندنا مخاوف من توقف التمويل بسبب المشاكل اللي كنا بنواجهها، والمخاوف دي اتأكدت لنا في اجتماع مع أستاذ طارق (عطية) السنة اللي فاتت".

في ذلك الاجتماع وجد صحفيو زحمة أنفسهم أمام خيارين إما الاستمرار في الموقع براتب أقل أو تركه، وفق ما كشفته غادة "فيه مننا اللي اختار يكمل. لكن حتى اللي اختار الرحيل كان له مكافأة مجزية".

رحل البعض عن زحمة قبل عام، واختار الآخرون البقاء حتى وداع الموقع في 2020، بمشاعر كان أبرزها صدمة وحزن، لكن منها ما اختلف بين تفاؤل بالقادم وبين العكس.

الوضع المهني وانكماش السوق الإعلامية لا تُبشّر بإمكانية تكرار تجربتنا في زحمة.
- محمد خير.

"مش متفائل بخصوص وجود بديل لوضعنا الحالي، بفكر إيه اللي ممكن يتعمل في الفترة الجاية لكن مش متفائل بإن المجال العام والوضع المهني يسمحوا بظهور تجربة مماثلة للي كنا بنعمله، في ظل ظروف السوق الإعلامية اللي بتنكمش، وأحوال الصحافة غير المبشرة". يقول خير عن رؤيته لما هو آت.

وعلى العكس منه، تتحدث غادة بنبرة متفائلة "صحيح أنا هفتقد الفريق جدًا وأجواء العمل، لكن عندي أمل نرجع تاني، حتى لو بنفس البيزنس موديل ده بالاعتماد على الإعلانات، ﻷني بثق في الفريق ده اللي لو اتوفرت له الإمكانيات؛ هيعمل حاجة هايلة".

خير أيضًا، ورغم ما ينتابه من عدم تفاؤل، إلاّ أنه ما يزال ممتنًا للتجربة ورفاقها "أحب أقول لكل اللي تابعونا شكرًا، لما طلعنا من 6 سنين أو أكتر وكان طموحنا نكمل، لكن في ظل الظروف المتغيرة اللي بتزداد صعوبة بقينا مش متخيلين إننا هنقدر نكمل للفترة دي كلها، لكن لقينا في ضهرنا القارئ اللي لم يخذلنا، وخلانا نستمر، لحد ما جت الضربة القاصمة بكورونا اللي قلبت الموازين".

ويختتم الصحفي حديثه عن تجربته بالقول "زحمة هيوحشني، وأرشيفه موجود ومحفوظ، وهيفضل موجود حتى إشعار آخر، ومفيش نية لإزالته. ولكن مع الأخذ في الاعتبار إن الحفظ بيتطلب أموال وكذلك متابعة تقنية. الموقع هيوحشني، لكني فخور بالتجربة، وهفضل فخور بإنه خرّج صحفيين انتشروا في وسائل إعلامية مختلفة، وبإنه قدم خلال سنين صحافة محترمة بتجربة بلا مآخذ، ﻷنها بدأت بشكل محترم، وحتى لما توقفت، ده تم بشكل محترم".