حصان طروادة. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

معركة ترسيم الحدود البحرية: اليونان تسعى إلى إحياء حصان طروادة

يُجهز وزير الخارجية اليوناني، نيكوس ذانذياس، حقيبته وفريقه التقني، لمهمة يقول إنها "صعبة". يصل اليوناني إلى القاهرة غدًا، من أجل التوصل إلى اتفاق يضمن ترسيم حدود بلاده البحرية مع مصر، الساعية حاليًا إلى إيجاد حلٍ للصراع في ليبيا، بعد الاتفاقية الأمنية بين تركيا وحكومة السراج. وبحكم التاريخ والجغرافيا، هناك قطبان الآن في منطقة جنوب شرق البحر المتوسط، يحاربان على جبهة واحدة؛ اليونان في حربها التقليدية والتاريخية مع تركيا، ومصر في تأهبها على حدود ليبيا لحماية أمنها القومي.

وترسيم الحدود البحرية بين الدول، هو تقسيم المياه على سطح الأرض إلى مناطق، لتحديد المياه الدولية. ويقسِّم قانون البحار (اتفاقية الأمم المتحدة عام 1982) الحدود البحرية إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأول: الساحلي، وهو يمتد من ساحل دولة ما إلى داخل البحر بمسافة ثلاث أميال. القسم الثاني: المياه الإقليمية، وحُددت بمسافة تصل إلى 12 ميلًا من الساحل. القسم الثالث هو المياه الدولية مع دول الجوار ويبدأ من 24 إلى 200 ميل بحري.

حتى نقرأ إذًا هذا المشهد جيدًا، يجب توسيع الرؤية قليلًا لنعود إلى ثلاثة تواريخ مهمة، والتي تلعب الدور الرئيسي في أي محاولة لترسيم الحدود البحرية ما بين: تركيا / ليبيا- اليونان / مصر.

المشهد الأول: ثلاثة تواريخ تحدد المسألة

حر إيجة الفاصل بين شرق اليونان وغرب تركيا- بحر إيجة هو أحد فروع البحر المتوسط

بعد سقوط الدولة العثمانية، وقِعَت في سويسرا معاهدة لوزان الثانية، التي بموجبها تنازلت تركيا عن سيطرتها على اثنتي عشرة جزيرة في شرق اليونان (جُزر ذوذيكا نيسيا). هذه المعاهدة رسَّمت في يوليو/ تموز 1923 الحدود البحرية بين اليونان وتركيا، بينما حَددت لكل دولة الحق في 3 أميال مياه إقليمية. وفي عام 1936، وعبر اتفاقية مونترو، التي تنظم حركة المرور عبر مضايق البحر الأسود، زاد حق اليونان ثلاث أميال بحرية أخرى في المياه الإقليمية لجزرها على حدود تركيا. ثم حصلت تركيا على نفس الحق في عام 1964. ومن ثمّ أصبح لكل دولة الحق في احتساب مسافة ستة أميال بحرية في عمق مياها، هذا يعني ببساطة أن أيًّا من الدولتين إذا أراد ترسيم حدوده البحرية مع دولة ثالثة يجب ألا يخرج عن عمق الستة أميال بحرية.

أما التاريخ الثالث، الذي يرسم المشهد الكامل لتأريخ مسألة الحدود البحرية شرق المتوسط، كان عام 1982؛ حيث وقَّعت اليونان على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تمنح أي دولة لها جزر الحق في مياه إقليمية بمسافة 12 ميلًا. لم تتطرق اتفاقية الأمم المتحدة، بالطبع، إلى مسألة جزر شرق اليونان بشكل خاص، لكنّ الأخيرة اعتبرت أن هذه المادة في تلك الاتفاقية، هي طوق نجاة يُمكن أن تسحبه على حالة جزرها المتناثرة والمترامية الأطراف على السواحل التركية. حينها، لم تجد تركيا في الاتفاقية ما يحقق مصالحها في شرق المتوسط؛ مستغلة مادة في الاتفاقية تنص على أن عدم التوقيع لا يفرض على الدولة الممُتِنعة الالتزام ببنودها.

منذ عام 1982 إذن، تسعى اليونان نحو اقناع مصر إعادة ترسيم الحدود البحرية على أساس أحقية اليونان في احتساب 12 ميلًا بحريًا حول جزرها المتاخمة لتركيا. ترى أثينا أن هذا الترسيم يمنحها حليفًا قويًا في بحر إيجة، وفي نفس الوقت يُغلق نافذة تركيا في شرق المتوسط، إذ لن يكون للأخيرة أي حدود بحرية أصلًا مع مصر أو ليبيا. من جانبها، تمتنع مصر منذ سنوات بعيدة عن التقدم خطوة نحو هذا التوقيع، حتى تجلس أثينا أولًا مع أنقرة وقبرص للاتفاق حول أي معاهدة سيتم الاحتكام لها؛ لوزان التي تقضي بستة أميال بحرية في المياه الإقليمية للجانبين، أم قانون الأمم المتحدة، الذي يقضي بـ 12 ميلًا للدول الموّقعة عليها فقط.

المثلث التركي اليوناني القبرصي، بحدود بحرية غير مرسومة

تركيا من جانبها تعتبر أن تطبيق هذا الترسيم يجعل من بحر إيجة (شرق المتوسط) بُحيرة يونانية، خاصة وأن لليونان عشرات الجزر الصغيرة مترامية الأطراف ومتاخمة مباشرة على السواحل التركية، ومن ثم فإن احتساب 12 ميلًا بحريًا حول جُزر يونانية تبعد عن السواحل التركية أقل من خمسةأميال، يعني أنه لا يحق لتركيا أصلًا المسافة التي حدَّدتها معاهدتا لوزان ومونترو بستة أميال بحرية. بينما تؤمن اليونان أنها تستعيد حقًا سُلب منها قديمًا في حقبة الدولة العثمانية.

المشهد الثاني: جزيرة كاستي لوروزو أو حجر الزاوية

جزيرة كاستي لوروزو اليونانية 

عند هذه النقطة، ننتقل من التاريخ إلى الجغرافيا. سنلاحظ هنا أنه عندما وقعت تركيا اتفاقها مع حكومة السراج في ليبيا، كانت الدبلوماسية اليونانية تُركز فقط على تعدي أنقرة على الحدود البحرية لجزيرة كريت، وجرى الإعلام اليوناني مجرى حكومته. لكن، ما يُثير الدهشة هو عدم التطرق كثيرًا إلى جزيرة كاستي لوروزو اليونانية، والتي، وفقًا للجغرافيا، فإن تركيا قد انقضت عليها فعلًا ورسّمت خطها الحدودي مع ليبيا فوق هذه الجزيرة. لماذا إذًا لا تُلقي اليونان الضوء أكثر على هذه الجزيرة؟

 ترسيم الحدود المُعلن من جانب تركيا- في الدائرة جزيرة كاستي لوروزو  

حتى تقترب الصورة أكثر. جزيرة كاستي لوروزو هي حجر الزاوية ومحور الأساس في أي نقاش يوناني تركي، أو مصري يوناني، وتبلغ مساحتها 9 كيلومترات، ويسكنها 492 مواطنًا، وفقًا لتعداد يوناني عام 2011، بينما تبعد عن مدينة كاش التركية أربعة أميال بحرية فقط، في الوقت التي تبعد فيه عن جزيرة كريت اليونانية 250 ميلًا بحريًا، ومن ثم فإن الحديث عن كاستي لوروزو، من جانب اليونان الآن لن يكون مثمرًا، لأنه وفقًا لمعاهدة لوزان، فإن لتركيا الحق في مد أي خط حدودي لها بمسافة ستة أميال بحرية من مدينة كاش التركية.

لذلك فإن مهمة أثينا الآن هو إقناع القاهرة أن تُوقع على أحقية جميع جزر شرق اليونان، التي من بينها جزيرة كاستي لوروزو، في مسافة 12 ميلًا بحريًا، حتى تقطع الطريق أمام تركيا في مد أي خط حدودي مع دول شرق المتوسط. الصورة التالية تُوضح أكثر مقترح اليونان على مصر، ووفقًا لهذا المقترح لن يكون لتركيا أية نافذة على دول جنوب شرق المتوسط.

ترى اليونان إذًا أن هذا الترسيم، "العادل" من وجهة نظرها، سيقطع قدم تركيا في شرق المتوسط، عبر مد خط طوله 12 ميلًا بحريًا في عمق المياه الإقليمية حول جزرها، ثم مد خط آخر بمسافة 200 ميل بحري في عمق المياه الدولية، يصل إلى الحدود القبرصية، حتى تخرج تركيا من المشهد تمامًا.

ترسيم الحدود المقترح من اليونان على مصر

تحصل اليونان أيضًا بموجب هذا الاتفاق على حقها في بسط سيطرتها الكاملة على 64 % من الجزر منزوعة السلاح شرق اليونان (حاليًا لها الحق في سماء 43% فقط)، بينما يبقى حق تركيا 10 %، وتصبح 26 % فقط من الجزر منزوعة السلاح. خطوة اليونان هذه تُفَسر التصريحات العدائية الصريحة من جانب تركيا، بأن أي زيادة في الأميال البحرية عما قررته اتفاقيتي لوزان ومونترو، يعني في الواقع إعلان اليونان الحرب على تركيا.

يُذكر هنا أن جزر بحر إيجة كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية حتى توقيع معاهدة لوزان عام 1923، حيث عادت الجزر، بموجب المعاهدة، إلى سيادة اليونان، مع الجزء الأكبر منها منزوع السلاح بسبب الصراع التركي اليوناني، ومحاولة الطرفين فرض السيادة والسيطرة العسكرية والبحرية على هذه الجزر.

وبعيدًا عن الصراع التقليدي بين تركيا واليونان، فإنه من الملاحظ هنا أن المقترح اليوناني لترسيم الحدود، يُفقد مصر أي وجود مستقبلي لحدود بحرية مع تركيا.

السؤال هنا؛ إذا كانت اليونان متحمسة لهذا الترسيم، وترى أنه يحفظ حقوقها ويقطع قدم تركيا في شرق المتوسط، لماذا لا ترسم حدودها أولًا مع قبرص لنرى هل سيتم احتساب 12 ميلًا بحريًا، مثلما تريد الآن من مصر، أم ستلتزم باتفاقية لوزان وتحتسب ستة أميال بحرية فقط، حتى لا تفتح مواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا؟ أم أنها تسعى إلى حليف عسكري قوي متأهب لأية مواجهة عسكرية محتملة مع تركيا؟ ولماذا سارعت اليونان إلى ترسيم حدودها البحرية مع إيطاليا دون قبرص؟ وهذا سؤال يقودنا إلى نقطة أخرى حتى يكتمل المشهد.

المشهد الأخير: مناورة يونانية

البحر الأيوني الفاصل بين غرب اليونان وشرق إيطاليا 

وزير الخارجية اليوناني، نيكوس ذانذياس، قال بعد يوم واحد من توقيع اتفاقه مع إيطاليا، إنه يحمل في حقيبته عرضًا إلى مصر من أجل قبول التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود. هذا العرض المخبأ في حقيبته، كشف ملامحه الإعلام اليوناني قبل سفر وزيرهم إلى مصر غدًا الخميس 18 يونيو/ حزيران "التنازل لمصر عن بضعة أميال بحرية في المياه الدولية، مقابل موافقة مصر على أحقية اليونان في احتساب 12 ميلًا بحريًا، مياهًا إقليمية حول جزرها في شرق المتوسط".

تُرَوج اليونان أنها حققت نصرًا دبلوماسيًا مع إيطاليا، وتسعى لإقناع القاهرة أن تسير على خطى روما. لكن إذا دقّقنا في المشهد سنجد أن ترسيم الحدود بين إيطاليا واليونان لا قيمة له أصلًا في قضية الصراع في شرق المتوسط، إنما هي مناورة يونانية لتحميس مصر نحو ترسيم الحدود. الاتفاقية الإيطالية اليونانية، 9 يونيو 2020، لا يُعول عليها أصلًا هنا في حالة مصر أو تركيا، لأنها اتفاقية تتعلق بالحدود الغربية لليونان، بينما الصراع أساسًا في شرقها، حتى إن الاتفاقية نفسها في موادها الخمس لم تتطرق إلى جزر شرق اليونان، والتي خرج منها ترسيم حدود تركيا مع ليبيا، وسيخرج منها ترسيم الحدود مع مصر.

على عكس مصر، فإن اليونان، وحدها في هذا المعسكر، التي تسعى إلى استغلال قواعد اللعبة في شرق المتوسط، من أجل تحقيق نصر تاريخي ناضلت لتحقيقه منذ معاهدة لوزان عام 1923.

النص الذي تُروج له اليونان بأنه نصرًا دبلوماسيًا، يأتي بشكل غير مباشر في الفقرة الثانية من المادة الرابعة، مشيرًا إلى أن هذه الاتفاقية "لا تؤثر على أحكام المادة 58 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار". مادة قانون البحار التي تنص على أحقية جزر أي دولة في 12 ميل بحري حولها، لم تتطرق أصلًا إلى الوضع الخاص لجزر شرق بحرية إيجة منزوعة السلاح، والموضوعة تحت وصاية معاهدة لوزان، وليس اتفاقية قانون البحار 1982.

خلط الأوراق

إذًا، حتى نتمكن من قراءة المشهد الراهن على حدود دول شرق البحر المتوسط، يجب ألا نخلط بين الأوراق، مثلما تفعل اليونان الآن. ربما أثينا، في سعيها الشرعي للحفاظ على سيادتها الكاملة داخل جزرها المترامية على حدود تركيا، تضع الاتفاقية الأمنية "المزعومة" بين تركيا وحكومة السراج، في سلة واحدة مع سعيها للإسراع في ترسيم الحدود مع مصر.

أثينا تخلط ما بين صراعها التاريخي والأزلي مع أنقرة، وما بين جهد حليفها المصري، الذي يحارب على ثلاث جبهات، بين حربٍ في سيناء ضد التكفيريين، ونضال دبلوماسي في أثيوبيا، وجبهة حرب محتملة على حدوده مع ليبيا، للحفاظ على أمنه من طموح تركيا التوسعي في شرق المتوسط.

على عكس مصر، فإن اليونان، وحدها في هذا المعسكر، التي تسعى إلى استغلال قواعد اللعبة في شرق المتوسط، من أجل تحقيق نصر تاريخي ناضلت لتحقيقه منذ معاهدة لوزان عام 1923. لذلك فإن السؤال الخاتم الآن؛ ماذا تُريد اليونان مِن مصر، والعكس؟ وهل في أولوياتها حل الصراع في ليبيا؟

الإنصاف يقتضي أن يعترفَ اليونانيون بأنه لا طاقة لهم الآن بمواجهة عسكرية مع تركيا، ولا يُريدون ذلك، وإلا اتجهوا أقرب إلى ترسيم الحدود مع قبرص لقطع الطريق أمام تركيا. كما أن الاحتكاك بينهما الآن في شرق المتوسط لا يمكن أن يتطور إلى أبعد من ذلك، إلا في حال تأكدت اليونان أن قوة عسكرية أخرى حليفة، ستأخذ مبادرة الضربة الأولى. غير ذلك، لن تخطو أثينا خطوة واحدة نحو تحرك عسكري ضد أنقرة؛ وإلا فعلتها العام الماضي مثلًا، بأي تحرك ولو طفيف، حينما أَسقطت تركيا طائرة حربية يونانية وقُتل ضابط يوناني على بحر إيجة.

هذا مثال يُشبه كثيرًا ما فعلته اليونان الأربعاء الماضي، حينما مرت من حدودها البحرية، سفينة تركية قالت إنها تحمل أسلحة إلى ليبيا. اليونان أعلنت أنها حاولت اعتراض السفينة لكنها "لم تستطع". السؤال هنا، هل إنهاء الصراع العسكري في ليبيا ومنع تسليح مليشيات داخلها، هو من ضمن أولويات اليونان التي تسعى إلى مصالح مشتركة و "عادلة" مع حليفها الأصدق في هذا الصراع، مصر؟ أم أن الأولوية اليونانية الآن هو استغلال الخلاف المصري التركي، بإحياء أسطورة حصان طروادة، ووضعه في ليبيا، حتى يكسب الإغريق أرضًا جديدة في حربهم التقليدية والأبدية مع تركيا؟

الكره الآن في ملعب مصر، التي يُمكنها ببساطة، الخميس، تحقيق مصالحها العادلة مع كل الأطراف: اليونان وقبرص وليبيا وإسرائيل.