صورة قديمة برخصة المشاع الإبداعي لتمثال ديليسبس عند مدخل قناة السويس: ويكيبيديا

هل يستحق ديليسبس تمثالًا عند مدخل قناة السويس؟

منشور الاثنين 27 يوليو 2020

كثير من الجدل التاريخي يدور حول شخصية فرديناند ديليسبس، الدبلوماسي الفرنسي، الذي أقنع الخديوي إسماعيل بتنفيذ قناة السويس، صحب التمثال الشهير عند مدخل قناة السويس في بورسعيد،  الذي أطاح به رجال المقاومة الشعبية عقب رحيل الاحتلال الأنجلو فرنسي عن المدينة عام 1956، وتتولى المحافظة الآن ترميم قاعدته ودراسة مقترح لإعادة التمثال المحفوظ بمخازن ترسانة بورسعيد البحرية.

تكمن المفارقة في أن الأخبار المحلية عن عودة التمثال، تتزامن مع موجة عالمية من الاحتجاجات الواسعة ضد تماثيل العديد من رموز الاستعمار والعنصرية، بدأت من أمريكا عقب مقتل جورج فلويد وامتدت للكثير من المدن في أوروبا والهند وجنوب أفريقيا. يعود السعي وراء إعادة تمثال ديليسبس لثمانينيات القرن الماضي، وبذلت جهات فرنسية جهدًا وفيرًا وراء ذلك ويؤيدهم بعض البورسعيدية في ضرورة عودة التمثال. وأفرد الكاتب البورسعيدي الراحل قاسم عليوه وأحد المنشغلين بهذه القضية صفحات من كتابه المدينة الاستثناء عن محاولات إعادة التمثال.

لا يكاد محافظ لبورسعيد يصل مكتبه إلا ويُعرض عليه أمر التمثال بدء من طلب السفير الفرنسي من المحافظ الأسبق سامي خضير، ومرورًا بتكفل مؤسسات فرنسية بتكلفة ترميم التمثال (20 مليون دولار وفقًا للكاتب) وإحضار خبراء مختصين من فرنسا في عام 1989.

 تجددت المطالبات في التسعينيات بإعادة التمثال، ووصلت حدة الجدال للبرلمان وخرج المحافظ وقتها مصطفى صادق يعلن عدم عودة التمثال، بل وعرض تلفزيون القنال المحلي (القناة الرابعة) مناظرة تليفزيونية في عام 2001 بخصوص التمثال. وتجددت المحاولات في السنوات الأخيرة عبر زيارات جمعية أصدقاء ديليسبس لبورسعيد من بينها مقابلة المحافظ الحالي، وفي كل مرة كان يرفض في النهاية أمر إعادة التمثال استجابة للرفض الشعبي الواسع.

 

تجهيز قاعدة تمثال ديليسبس في بورسعيد. الصورة: صفحة بورسعيد بين الماضي والحاضر: فيسبوك

هذه المرة لم يُعرض الأمر على الرأي العام وفوجئ سكان المدينة بالبدء في ترميم قاعدة التمثال والترتيب لإعادته عليها. ماذا تغير؟ ولماذا يعود الآن؟ يرى أكثر المطالبين بعودة ديليسبس أنه يستحق تمثالًا كونه صاحب فكرة مشروع قناة السويس، وله الفضل في وجود القناة، ومن ثمَّ بورسعيد بالتأكيد، ويصف أحدهم نسف أهالي المدينة للتمثال في نهاية حرب عام 1956 بالفعل المبالغ فيه (الأوفر). يرى كذلك بعضهم من زاوية أخرى أن وجود التمثال سيساهم في جذب السياحة الأجنبية، لا سيما الأوروبيون.

فهل يستحق ديليسبس تمثالًا بمكان عام لقيمته التاريخية أو من أجل تنشيط السياحة؟ الحقيقة أن دور ديليسبس في إنشاء القناة يقتصر على حقيقة كونه دبلوماسي فرنسي، لا علاقة له بالهندسة كما يشاع، نجح في إقناع الخديوي سعيد بالموافقة على مشروع القناة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، واستفاد ديليسبس شخصيًا للغاية من هذا الاتفاق برئاسته شركة القناة وبتقديمه خدمة تاريخية لبلده فرنسا، بوضع قدم في مصر مرة أخرى عبر القناة، بعد فشل حملتها العسكرية في بداية القرن ذاته ورحيلها.

لم يكن كذلك ديليسبس صاحب فكرة إنشاء قناة تربط البحرين الأبيض والأحمر، كما ذكر هو نفسه ذلك في مذكراته، فقد عرف عن فكرة حفر القناة أثناء تصفحه لبعض كتابات الحملة الفرنسية عن مصر بينما يسلي نفسه في الحجر الصحي بالإسكندرية عند زيارته لمصر وقت تفشي لوباء الكوليرا. كل ما في الأمر أن جهوده الدبلوماسية قد ساعدتها الظروف بتولي صديقه سعيد الحكم ليبدأ تنفيذ المشروع في ذلك التوقيت.

عن الفروسية والمكرونة

 عُرض مشروع القناة على محمد علي في نهاية عهده، ورفضه الأخير حتى يتجنب أن تؤدي القناة لتدخل للقوى الاستعمارية في شؤون مصر، لكن مؤسس مصر الحديثة، كما يلقَّب، لم يكن يدري أنه سيكون سببًا في إقامة المشروع عقب وفاته على يد ابنه سعيد،  لأن محمد علي المولع بالثقافة الفرنسية، أوكل تربية سعيد والعناية به لمن حوله من الدبلوماسيين الفرنسين، ومن بينهم نائب قنصل فرنسا بالإسكندرية ديليسبس، فقد طلب من الأخير تعليم ابنه الفروسية لتقليص وزنه، وصارت العلاقة وطيدة بين سعيد وديليسبس فقد كان الأخير يسمح للأمير البدين بتناول المكرونة التي يعشقها من دون علم أبيه حين يزوره بالقنصلية الفرنسية بالإسكندرية، ويقص عليه كذلك الحكايات والروايات عن الثقافة الفرنسية.

يأتي ديليسبس مجددًا إلى مصر فور تولي سعيد الحكم، ويرافق الأخير في رحلاته لثلاثة أسابيع، وينجح في إقناعه بالمشروع، ويوقعان معًا عقد الامتياز الأول لإنشاء الشركة العالمية لقناة السويس برئاسة ديليسبس، وروى طلعت حرب في كتابه عن قناة السويس ما ذكرته مصادر أخرى أجنبية، كيف نجح تأثير ديليسبس في إقناع سعيد بالمشروع.

أبهر الدبلوماسي الفرنسي سعيد والحاشية بمهاراته في الفروسية والرماية مما جعلهم يشعرون أنهم أمام رجل ذو رأي سديد، وروى عليهم ذات صباح أنه رأي بالمنام قوس قزح ملون يمتد بين المشرق والمغرب، مما اعتبره علامة على قرب ربط الشرق بالغرب عبر القناة بالطبع، ليوافق سعيد في النهاية على تنفيذ المشروع. تتحول علاقة الصداقة بين ديليسبس وسعيد بعد موافقته إلى علاقة رسمية، ويخاطبه باسم الشركة التي تجاهل أن يجعل مأمورها مصريًا أو أن يضم مجلس إدارتها من المصريين ما يتناسب مع حجم أسهم مصر بها عند توقيع الامتياز الأول.

 

 

 

فرديناند ديليسبس. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

 

 

 

يعلق أستاذ التاريخ الحديث الدكتور رؤوف عباس الراحل على تفاصيل تنفيذ المشروع، وكيف أن تفاصيل الامتياز الأول في 1854 والثاني عام 1856 وما بينهما وما ترتب عليهما، توضح حجم الكارثة التي حلت بمصر، واحتيال ديليسبس في مقال ضمن كتاب ديليسبس الذي لا نعرفه. يبيّن كذلك أن المصريين هم من تحملوا نقفات وأعباء إنشاء القناة، وليس الشركة صاحبة المنفعة الأكبر من المشروع.

نص الامتياز الأول على أن تُمنح الشركة كافة الأراضي اللازمة بطول القناة، وترعة المياة العذبة والأراضي المحيطة بها، وحق استغلال كافة المناجم والمحاجر، بجانب طبعًا حق إدارة القناة لمدة 99 عامًا. ونص الامتياز الثاني على أن توفر مصر لها أربع أخماس العمالة للحفر، وتُعفى الشركة من الضرائب 10 سنوات، ويكون نصيب الحكومة من أرباح الشركة 15%. يتولى اسماعيل الحكم وتعترض الدولة العثمانية في 1863 على استخدام السُخرة في الحفر وعلى تخصيص أراضي ترعة المياه العذبة للشركة، ورفض الباب العالي الموافقة على المشروع إلا بإلغاء هذه الشروط. يبحث اسماعيل عن حل، ويعقد ديليسبس اتفاقًا مع رئيس حكومة اسماعيل، نوبار باشا،  يقتضي بإلغاء السخرة وإعادة الأراضي للحكومة واللجوء للتحكيم؛ لدى من؟ نابليون الثالث حاكم فرنسا، الذي يصدر حكمًا يوافق على هذه الشروط مقابل أن تدفع مصر تعويضات للشركة.

بلغت قيمة التعويضات التي دفعتها مصر للشركة مقابل استرداد أراضٍ وهبتها هى قبل سنوات إليها 4.7 مليون جنيه، وهو كان ما يعادل أكثر من نصف رأس مال الشركة من الأساس، إذ بلغت نفقات إنشاء القناة حتى بداية الملاحة بها سنة 1869 ما يقارب 18 مليون جنيه مصري، وهكذا دفعت مصر أكثر من 16 مليونًا نظير تعويضات وأسهم التزمت بشرائها، ونقفات إنشاء الترعة العذبة ونفقات التحكيم وحفل الافتتاح بالتأكيد.

الاقتراض من أجل السداد

من أين للحكومة المصرية بهذه الأموال الطائلة؟ لجأ سعيد واسماعيل من بعده للاقتراض، فقد باع الأخير أسهم مصر في القناة لبريطانيا وحتى حصة الحكومة الضئيلة من الأساس (15%) تنازل عنها للشركة من أجل سداد هذه التعويضات، وأصبحت القناة أشبه بمستعمرة داخل الدولة لا تملك مصر منها شيئًا، وتدار الشركة من باريس.

يصف محمد فريد هذه اللحظة في كتابه تاريخ الدولة العليا العثمانية بقوله "يمكننا القول بإنه لولا نقود مصر وفلاح مصر الذي مازال يُجبَر على الاشتغال قهرًا بأجرة زهيدة، لما أمكن لديلسبس أن يُتم هذا المشروع الذي كان سببًا فيما نحن فيه من الاحتلال الأجنبي، وما نراه نحن وأولادنا ما لم تساعدنا المقادير". يشير فريد هنا أيضًا لما تسبَّب به ديليسبس من خداع لعرابي بادعائه أن الشركة لن تسمح للسفن الحربية البريطانية بالمرور حتى لا يغلق عرابي الملاحة في القناة، وهو ما لم يحدث ومن القناة دخل الجيش البريطاني ليحتل مصر ويحاصر عرابي وجيشه في أغسطس/ آب 1882.

 لذا لا يبدو أن  لديليسبس فضل على المصريين ولم تكن بالطبع فكرة حفر القناة من اختراعه، بل وقع عقدي الامتياز المجحفين، وعلاوة على ذلك ارتبط اسمه باحتلال بريطانيا لمصر.

 

صورة قديمة برخصة المشاع الإبداعي لتمثال ديليسبس عند مدخل قناة السويس: ويكيبيديا

فضيحة بنما

ولا يبدو أن ديليسبس تمتع بسمعة طيبة في بلاده أيضًا، فقبل وفاته في 1894، لاحقه ما عرف بفضيحة قناة بنما المعروفة عالميًا وخسارة فرنسا ملايين الدولارات. كان سياق حفر قناة بنما مختلفًا، وفشل المشروع الفرنسي الأشبه بقناة السويس لظروف منها جغرافية أو سياسية، لكن الفضيحة الأكبر أن دليسبس حكم عليه هو وابنه بالسجن 5 سنوات بتهمة الرشوة، إذ رشى ديليسبس مجموعة من الوزراء لكي لا يفصحوا الخسائر المادية الفادحة بالمشروع للرأي العام.

 قررت شركة القناة في العيد الثلاثين لافتتاح القناة في 1899 إنشاء تمثال ضخم على مدخل القناة ببورسعيد لديليسبس تكريمًا له على دوره في إنشاءها، ولا عجب في ذلك فديليسبس هو الرئيس الأول للشركة. عُهد بعمل التمثال للنحات الفرنسي إيمانويل فريمييه الذي اشتهر بعمل تماثيل كثيرة للحيوانات بجانب أشهر أعماله قوس جان والعديد من التماثيل الحربية لنابليون الثالث. صنع فريمييه التمثال من البرونز وطلاه باللون الأخضر البرونزي، وبلغ طوله بالقاعدة سبع أمتار ونصف ووزنه 17 طنًا. وحضر حفل تنصيب التمثال عن الحكومة المصرية محافظ عموم القنال بجانب ممثلين الشركة والقنصليات الأجنبية بالمدينة.

 يعتقد البعض أن مشاركة المحافظ  تعني احتفاء الحكومة مثلًا بوجوده، وفي الحقيقة أن الأخيرة لم يكن لهم أي سلطة على مدن القناة، لا فعليًا ولا رمزيًا حتى. بداية من حيث الوجود الفعلي كانت أغلب أراضي بورسعيد ملك للشركة وفقًا للامتياز، بل أن المبنى الاداري نفسه لمحافظة القنال ببورسعيد كان ملكًا للشركة وتدفع له المحافظة إيجارًا، فقد عاش المصريون بالمدينة في حي منفصل لهم غرب المدينة عبارة عن بيوت خشبية مكدسة وبينها شوارع ضيقة، وافتقد حي العرب للكثير من المرافق العامة، على عكس حي الأوربيين الفخم بالقرب من القناة، بل أن المشروع الأول للحكومة المصرية لإنشاء مساكن للأهالي كان عام 1957 ببناء حي المناخ الجديد على أنقاض الحي المدمر في حرب 1956.

رمزيا لم يكن التمثال الضخم هو كل ما يملكه ديليسبس بالمدينة، فقد أطلق اسمه على أهم شوارع المدينة (الثلاثيني أو سعد زغلول حاليًا) وكذلك أهم ميدان (المنشية حاليًا) وتوسط الأخير تمثال نصفي، لديليسبس ولحكاية الصراع على تسميات شوارع وميادين بورسعيد تفاصيل كثيرة.


اقرأ أيضًا: أسماء شوارع بورسعيد.. صراع السلطة على التاريخ


يصف الكثيرون تحطيم الفدائيين التمثال عقب حرب عام 1956 بالتصرف المفاجئ وأنه مبالغ فيه. لكنه في الحقيقة كان امتدادًا لنمط من الأفعال المقاومة للاستعمار والظلم، تميز بها أهالي بورسعيد خلال فترة الاحتلال الطويلة، ومارس بنفس الفعل الكثير من شعوب العالم في أوقات مختلفة ضد رموز استعمارية واستبدادية كثيرة.

 اشتهرت ببورسعيد خاصة ومدن القناة بتقليد الحرق السنوي لدمية تمثل الجنرال البريطاني المتعجرف إدموند اللمبي، ومع الوقت صنع الأهالي المبيات لكثير من المستبدين وأحرقوها كرمز لمقاومتهم للظلم. حطَّم الأهالي الغاضبون، في مظاهرات ضد فشل مفاوضات جلاء الإنجليز عن القناة في عام 1947، تماثيلًا اعتبرت رموزًا استعمارية، منها تمثال ديليسبس النصفي بالمنشية وسبيل الملكة فيكتوريا، الذي شُيّد بالقرب من القناة في الذكرى الستين لتوليها عرش بريطانيا، وعرفنا فقط بوجود هذه التماثيل من الصور القديمة المتداولة على الإنترنت والمجموعات التاريخية.

تحطيم التماثيل المشابهة كفعل احتجاجي هو سلوك عالمي مقاوم للرموز الاستعمارية، ففي عام 1956 نفسه حطم المجريون تمثالًا شهيرًا للسوفيتي ستالين، وفي جنوب أفريقيا حُطم تمثال الاستعماري رودس، وفي فنزويلا حُطم تمثالا للرحالة الإسباني الشهير كريستوفر كولومبوس، رغم دوره في اكتشاف الأمريكتين لأنه رمز استعماري. حُطمت كذلك تماثيل لينين في رومانيا وأوزباكستان وإثيوبيا عند سقوط الاتحاد السوفيتي في 1991، ولم يعد أي من هذه التماثيل إلى قاعدته. يقول البعض إن عهد الاستعمار قد ولّى وأن تغلق هذه الصفحة، ولكن من باب أولى ألا نعيد رموز هذه الحقبة مجددًا فنحن لسنا بصدد إزالة تمثال موجود بالفعل بل الحديث عن إعادة رمز حُطم في حدث فارق في التاريخ الحديث كحرب عام 1956 وما عرف دوليًا بأزمة السويس.  تكمن المفارقة في تزامن الترتيب لعودة ديليسبس مع موجة احتجاج يشهدها العالم تجاه رموز العنصرية والاستعمار معًا، لعل أبرزها مثلًا، ما يتشابه مع قصتنا، الاحتجاجات الواسعة في مدينة شروزبيري البريطانية الراغبة في إزالة تمثال مؤسس شركة الهند الشرقية أحد أهم أذرع بريطانيا الاستعمارية. الأكثر غرابة أن موجة الاحتجاجات الحالية تحدث في بلدان العالم الغربي نفسه من مواطنين هذه الدول نفسها لما قامت به تلك الرموز من جرائم عنصرية واستعمارية، بينما يطالب البعض هنا في مصر بعودة رمز مماثل كديليسبس.  يقول المطالبون بعودة التمثال في الأخير كان صاحب التمثال جزءًا من تاريخ المدينة، ولا ينبغي أن نتغافل عن هذه الحقيقة شئنا أم أبينا، لكن على ما يبدو أنه يوجد خلط كبير لدى الكثير باعتبار أن الشخصية هذه أو تلك كانت جزءًا من التاريخ أو التراث، فهي بالضرورة تستحق أن يوضع تمثالًا لها بميدان أو مكان عام. تمتد الإشكالية كذلك بأن يدافع الراغبون في الحفاظ على التراث الأوروبي ببورسعيد، والذي يشمل بيوت تراثية عديدة وكنائس وحدائق، عن عودة التمثال كونه جزء من كل ذلك. لكن للتماثيل الفردية للأشخاص التاريخية الجدلية مكان آخر هو المتحف، أو ربما الكتب والصور والأفلام، فقط الرموز التي يعتز بها الناس ويمجدونها ويشعرون بالفخر  تجاهها هي التي تُشيَّد لها التماثيل، وتُفرد لها مساحة بالميادين العامة.


اقرأ أيضًا: لماذا يجب أن تسقط تماثيل شارل ديجول أيضًا؟

 


ديليسبس هو جزء هام جدًا من حكاية بورسعيد والقناة، يستحق أن يحفظ تمثاله بمتحف ويعرض تاريخه في الكتب، لكنه لا يستحق مطلقًا أن يوضع تمثاله من جديد بمدخل القناة بعد تحطيمه. قد يكون التمثال نواة لإعادة بناء متحف بورسعيد القومي في موقعه المميز المواجه للقناة، أو يحوَّل المبنى التاريخي لشركة قناة السويس ومعلم المدينة الأشهر "مبنى القبة" إلى متحف أو معرض دائم عن القناة ويوضع به التمثال مثلًا، بالتوازي مع ترميم وتطوير الأماكن التراثية الأخرى، وهذا سيكون ذي جدوى أكبر للسياحة.  بالإضافة لذلك، قاعدة التمثال الفارغة تملك في حد ذاتها قيمة كبيرة كونها تشير للحظة انتصار واحتجاج تاريخية، وتعبِّر عن مدينة استثنائية ترتبط بالأذهان لدى المصريين، والكثير من الشعوب العربية والأفريقية والآسيوية، بمقاومة الاستعمار والتمرد ضد الظلم. هذه القيمة التاريخية يمكن كذلك أن تُستغل في السياحة التاريخية. في برلين مثلًا والتي تعد ربما أحد أهم مقاصد سياحة التاريخ والحروب والمتاحف، يوجد الكثير من المعالم  هى في الأساس آثار محطمة مثل أجزاء من جدار برلين أو حتى نقاط التفتيش والعبور التي كانت عليه، ففي النهاية صناعة السياحة بها تفاصيل كثيرة وتحتاج لتخطيط واسع، فبالتالي لا يمكن اختزالها بوجود التمثال من عدمه.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.