تصميم: يوسف أيمن- المنصة

مبادرة التمويل العقاري: طوق نجاة محدودي الدخل تثقله الشروط

في الوقت الذي تزدحم فيه قنوات التلفزيون بإعلانات الشركات العقارية، تدور الأسئلة على محرك البحث جوجل عن تفاصيل مبادرة التمويل العقاري الأخيرة التي أعلن عنها البنك المركزي في مارس/ أذار الماضي. وبينما تستهدف الدعاية الإعلانية الترويج لأنماط من الإسكان الفاخر لطبقة محدودة للغاية من المستهلكين المصريين، تتطلع مبادرة المركزي لتوفير التمويل الميسَّر لشرائح من الدخل المتوسط والمتدني.

المنصة تحدثت في هذا التقرير مع خبراء عقاريين للوقوف على مزايا مبادرة التمويل العقاري والمعوقات التي تواجه المواطنين في الحصول على مسكن وفقًا لشروط البنك المركزي.

ساهمت مبادرات التمويل السابقة في توفير الإسكان لـ 360 ألف مستفيد، لكن القاعدة الأكبر من الأسر لا تزال تواجه تحديات للحصول على سكن كريم، في ظل عدم توفر الشقق الرخيصة أو هيمنة القطاع غير الرسمي على الإسكان، وهي مشكلات لا يقدر البنك المركزي وحده على حلها.

إذا كنت تعول أسرة يبلغ إجمالي دخلها ستة آلاف جنيه شهريًا فأنت في نظر البنك المركزي من محدودي الدخل، أما إذا وصل دخل أسرتك الشهري إلى 16 ألف جنيه فأنت من الطبقة الوسطى، وفي كلتا الحالتين فأنت تستحق الدعم من مبادرة التمويل المعلن عنها لكي تمتلك سكنًا.

تبدو تقديرات البنك المركزي لتقسيمات الدخل بين الطبقات في مصر واقعية إلى حد كبير، كذلك تقديراته بخصوص تكلفة السكن المناسب لكل طبقة، بحد أقصى 350 ألف جنيه للطبقة الدنيا ومليون جنيه للطبقة الوسطى.

البنك المركزي المصري. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيميديا

آمال معلقة

اعتادت هذه الطبقات الاعتماد على المدخرات الشخصية للحصول على المسكن، في ظل محدودية انتشار التمويل العقاري، أو تضطر إلى تأجيل قرار الزواج وتكوين الأسرة، أو تلجأ لحلول أخرى مثل الإيجار، حيث تشير تقديرات إلى أن ما يقرب من نصف الأسر المصرية لا تقدر على شراء المساكن متوسطة السعر.

لذا يعول كثيرون على مبادرة البنك المركزي كحل لتقريب الفوارق بين الدخول وتكاليف السكن، "النسبة القادرة على شراء المساكن في مصر طبقات محدودة لا تتعدى الـ20%، والطبقة المتوسطة في المجتمع المصري تمثل 50 أو 60%،أصبحت غير قادرة على الشراء، نأمل أن تساهم هذه المبادرة في تنشيط حركة الإسكان"، كما يقول للمنصة نائب رئيس غرفة التطوير العقاري، هاني العسال.

بدأت الدولة تطبيق مبادرات لتوفير التمويل الميسَّر للطبقتين الوسطى والدنيا منذ 2014؛ بدأت تلك المبادرة بتوفير 10 مليار جنيه في صورة دعم ، حتى تتمكن البنوك من تخصيص تمويل منخفض التكلفة لهذه الطبقات بفائدة 7 و8 %، ثم خضعت المبادرة للعديد من التعديلات إما لزيادة حجم الدعم، أو لتعديل معايير دخل المتلقين للتمويل أو لإدخال فئة جديدة من المستفيدين من الطبقة فوق المتوسطة.

والجديد في المبادرة الأخيرة هي أنها قدمت دعمًا سخيًا تمثل في توجيه 100 مليار جنيه لتوفير تمويل ميسَّر بفائدة 3% متناقصة وعلى مدى زمني طويل يصل إلى 30 عامًا.

جاءت هذه المبادرة في توقيت ملائم، بعد أن تجاوز القطاع صدمات عدة، كان أهمها عودة حركة الإنشاءات بعد أن تعطلت خلال فترة الحظر في العام الماضي، وانتهاء الحظر الذي تم فرضه في مايو الماضي لمدة ستة أشهر على تراخيص البناء.

"السوق العقاري المصري ماشي بسرعة الوحش، لكن التباطؤ سببه عدم القدرة على شراء، لذلك جاءت هذه المبادرة لحل هذه المشكلة" كما يضيف العسال.

هل يحل التمويل مشكلات الإسكان

تتعلق الآمال على هذه المبادرة بحيث تكون وسيلة لحل مشكلة التفاوت بين أسعار المساكن المطروحة وقدرة المواطنين على الشراء، لكن التعويل على الحلول التمويلية وحده لا يمثل حلًا كافيًا لتوفير المساكن الرخيصة للمواطنين، وذلك لأسباب عدة منها أن التمويل العقاري لا يمكن تخصيصة إلا لشراء مسكن بُني بطريقة رسمية، وفقا لأحكام القانون، ويكون سعره في حدود قدرة العميل على السداد، وهي شروط لا تتوفر في الكثير من المساكن المطروحة، إما بسبب هيمنة القطاع غير الرسمي على السكن، أو لأن المساكن الرسمية يتم بيعها بأسعار تفوق قدرة الراغبين في السكن.

"أغلب الشركات المتخصصة في السوق العقاري لن تستفيد من هذه المبادرة، الاشتراطات المطلوبة إضافة إلى سعر الوحدة تبرهن على أنها مبادرة للإسكان الحكومي وليست للقطاع الخاص"، كما يقول للمنصة الخبير العقاري، بهاء كريم، مضيفًا "المبادرة تخدم محدودي الدخل بشكل كبير، لكن في مشروعات محدودة، لذلك لا بد من وجود وفرة في المعروض من هذا المنتج ليناسب محدودي الدخل".


الإسكان الاجتماعي بمدينة السادات


ووفقًا لشروط المبادرات السابقة، فللحصول على تمويل عقاري يشترط التعامل على وحدات سكنية جاهزة وليست تحت الإنشاء بالمجتمعات العمرانية الجديدة أو بمشروعات الإسكان التي تقام لمحدودي أو متوسطي الدخل بالمحافظات، مع التحقق من مستندات الملكية، أو تكون الوحدة بصفة عامة مسجلة أو قابلة لإجراء الرهن عليها من الدرجة الأولى، أو قيد الضمان بالإيداع بالنسبة للوحدات بالمجتمعات العمرانية الجديدة، والتأكد من أن الوحدة غير محملة بأية رهون أو امتيازات للغير.

وبحسب تصريحات الخبير العقاري، فتح الله فوزي، الذي تحدث للمنصة، فإن الدعم الحكومي الذي تحظى به مشروعات الإسكان هو الذي يُمكِّن الدولة من طرح العقارات بأسعار مخفَّضة تجعلها قادرة على الدخول في نطاق مبادرات التمويل، وهو ما ليس متاحًا لمستثمري القطاع الخاص في كثير من الأحيان.

"الدولة تقوم في هذه المبادرات على دعم سعر الأرض وأيضًا دعم تكلفة المباني، مما يعني أن الوحدة التي قد تتكلف 900 ألف جنيه تقريبًا في القطاع الخاص، تقوم الدولة ببيعها بـ 300 ألف جنيه أو 270 ألف جنيه".

التعويل على دور الدولة في توفير السكن الرخيص ربما يبدو أمرًا مخيبًا للآمال، وإذا نظرنا للبيانات الكلية لسوق الإسكان في مصر سنجد أن مشروعات الدولة تقوم بدور هامشي.

بحسب بيانات مرصد العمران، منظمة غير حكومية، فإن مصر تشيِّد نحو مليون وحدة سكنية كل عام، وهو عدد ضخم قياسًا لمعدل نمو السكان، لكن 77% من هذه المساكن يجري تشييدها من خلال القطاع غير الرسمي، و15% للقطاع الرسمي ونحو 8% للقطاع الحكومي، وذلك وفقًا لبيانات الفترة من 2008 إلى 2018.

ويُرجع المرصد تضخم القطاع غير الرسمي لأسباب عدة منها عدم واقعية تشريعات البناء والفساد في شبكات المحليات، وهو الوضع الذي تحاول الدولة تجاوزه في الوقت الراهن من خلال تأسيس منظومة جديدة لتراخيص البناء.

وما يساهم أيضًا في تواضع دور مشروعات الدولة في السوق العقاري هو بطء تنفيذ المشروعات، فالدولة أطلقت في 2011 مشروعًا لبناء مليون وحدة سكنية ضمن الإسكان الاجتماعي، وبحلول 2017-2018 كان عدد الوحدات المنفذة نصف العدد المستهدف؛ 500 ألف وحدة، وظلت الدولة تعلِن عن مراحل خاصة بطروحات هذا المشروع، حتى 2020.

ويعول البعض على بعض الأنشطة العقارية في المدن الجديدة والمخصصة لمحدودي الدخل كفرصة للحصول على سكن بشروط مبادرة المركزي.

"يوجد في مدينة حدائق العاصمة شمال مدينة بدر شقق سكنية تناسب محدودي ومتوسطي الدخل، تبلغ مساحتها 118 مترًا، يصل سعر الوحدة فيها 675 ألف جنيه، وهي متاحة لمن يرغب السكن بجوار العاصمة الإدارية الجديدة، وهذا مثال على عدد من المشروعات المتاحة، التي تضم وحدات سكنية مُميزة، بأسعار غير مبالغ فيها، بمساحات مختلفة تبدأ من أول الشقق الاستوديو صغيرة المساحة التي تصلح لعروسين في بداية حياتهما الزوجية، وتتفاوت أسعار الشقق مع كافة الطبقات" كما يقول العسال.

من يستطيع الحصول على التمويل؟

الشروط الميسَّرة للمبادرة الجديدة ربما تبعث التفاؤل بشأن تيسير قدرة المواطنين على الوصول للعقارات الرخيصة المتاحة، وبحسب الخبير العقاري عبد المجيد جادو، في حديثه للمنصة، فإن "القسط الشهري للمستفيد من المبادرة من محدودي الدخل سيقتصر على حوالي 1027 جنيه، وذلك بافتراض أن سعر الشقة 350 ألف جنيه وسيتم سداد الأقساط لمدة 30 سنة، أما إذا كان من متوسطي الدخل وسيشتري عقارًا بمليون جنيه، يسدد أقساطه على نفس الفترة سيصل قسطه الشهري إلى حوالي 2815 جنيه".

لكن تجارب التمويل العقاري السابقة تشير إلى وجود عوائق عدة، يشرحها مرصد العمران، "نظام التمويل العقاري يفضِّل العاملين بشكل رسمي؛ أي موظفو الحكومة والقطاع العام والقطاع الخاص الرسمي، على العالمين بالقطاع غير الرسمي؛ أي أصحاب الأعمال الحرة والعاملين بشكل شبه رسمي ومن هم على المعاش. ويطلب ﻣن الأخير دﻓﻊ أكثر من ضعفي المقدم اﻟذي يدفعه الموظفون الرسميون، في حين أن المقدمات بالنسبة للفئات الأفقر تصل إﻟﯽ ثلاثة أضعاف دخلها السنوي"، كما تشير المنظمة إلى أن المقدم في حد ذاته يمثل عبئًا كبيرًا بالنسبة لدخل الأسر في الشرائح الأدنى.

ويقول العسال إن مبادرات التمويل السابقة واجهت عوائق تتعلق بالقدرة على تحري دخل الفرد الذي يطلب التمويل "وهذا ما نعكف عليه حاليًا لإزالة هذا الشرط، لأنها عملية يصعب تحقيقها فهناك أشخاص يعملون طوال اليوم وفي عدة أمكنة من الصعب معرفة مصدر الدخل لراتبه".

"أنتظر بفارغ الصبر موعد التقديم لمبادرة التمويل العقاري، حيث حاولت كثيرًا التقديم في شقق الإسكان الاجتماعي ولكنها كانت غير مناسبة لبعدها وتطرفها عن مكان العمل وهو محافظة السويس" كما تقول هنا حلمي، سيد ثلاثينية مطلقة، متحدثة بلسان الكثيرين ممن يتابعون أخبار المبادرة.


اقرأ أيضًا: أين تذهب أموال الطبقة الوسطى بعد خفض الفائدة؟


"أنا ساكنة حاليًا في شقة إيجار بدفع شهريًا مبلغ 1300 جنيه، وفي زيادة سنوية، فبالنسبة لي مبادرة التمويل العقاري تيسر الكثير حيث سأدفع فقط قسط ثابت، وهذا أفضل بكثير لأني من محدودي الدخل، أنا بصفة شخصية بعتبر المبادرة دي طاقة نور ليا ولما شفت إعلان المبادرة أصبحت أتابع الأخبار أولا بأول لأني أريد العيش في مكان نظيف قريب من عملي".

الكثير من التفاصيل المتعلقة بقدرة المبادرة على حل مشكلات الإسكان ستتضح مع إعلان المركزي عن تفاصيل وشروط التقدم لها التي يترقبها الكثير من المواطنين.

باختصار، فإن الحلول التمويلية تمثل أحد السبل لحل مشكلة السكن الرخيص التي تواجه القاعدة العريضة من المواطنين، لكنها ليست كل الحلول، فهناك مشكلات في السوق العقاري تحتاج لحلول تتجاوز البنك المركزي، سواء فيما يتعلق برسمية وتوثيق العقارات، أو بطبيعة دخول المواطنين ومدى استقرارها، وأخيرا بقدرة القطاع الخاص على توفير المساكن الرخيصة.