الغناء الشعبي من عدوية إلى شيبة.. "لف وارجع تاني"

هذه الأسماء كلها بدأت علي خشبة مسرح منصوب علي هيكل عربات كارو، أو شدة أخشاب "موسكي" التي تستخدم في شد الأسقف الخرسانية. ومُغطي بالسجاد القديم وسط فراشة وإضاءة أفراح كيفما اتفق.

لفترة امتدت من مطلع الثمانينات وحتى منتصف العقد الأول من الألفية تقريبًا، كان المشهد خلف المسرح القومي قرب ميدان العتبة في وسط القاهرة يتكرر يوميًا مع اختلاف الوجوه.. أجساد تتزاحم وتتدافع للمرور من وإلى محطة الأتوبيس القريبة، بينما تتعالى أصواتهم بالشجار لتختلط بنداءات البائعين وجدالهم مع زبائنهم أثناء الفصال "المساومة"، وفجأة يرتفع صوت ملتاع ينعي إخلاص الأصحاب ويتحسر لضياع الأحباب.

كانت تلك فترة تسيّد فيها المطربون الشعبيون سوق أشرطة الكاسيت "المضروبة"، التي انتشرت خلال فترتي الثمانينات والتسعينات دون اعتبار لـ"حقوق الملكية الفكرية". فكانت الأشرطة المعاد تسجيلها وطبعها في ستوديوهات رديئة لا تراعي اعتبارات عزل الصوت؛ هي الأكثر مبيعًا رغم ما يشوب صوتها من "هواء"، وهو التعبير المكتوب بالإنجليزية صراحة تحت الزر المجاور لزر الصوت في الكاسيتات وقتها.

كان الشريط يُباع بجنيهين ونصف الجنيه، وهو أقل من نصف سعر النسخة "الاستريو" أو الأصلية المباعة من شركة التسجيلات المنتجة لأغاني المطربين الشعبيين، وهو ما يناسب الوضع الاقتصادي للجمهور الأساسي لأولئك المطربين.

كداب يا خيشة

من فوق العربة الخشبية التي تتراص فوقها الأشرطة كان صوت شعبان عبد الرحيم هو الأبرز بأغنيته الشهيرة "كداب يا خيشة". شعبان؛ المطرب الصاعد والمكوجي -الفخور بصنعته- سابقًا، وضعته هذه الأغنية في وضع المنافسة مقابل مطرب الوايلي الكبير "محمود سعد" الذي غنى وقتها للوايلي، مثلما غنى شعبان لشبرا.

قبل أن يستقر في مساحة الألحان المُكررة، وخلال ألبوماته المبكرة؛ تمكّن شعبان عبد الرحيم من الاشتباك مع التيمات الموسيقية المميزة للغناء الشعبي القاهري، المختلف جدًا عن الغناء الشعبي في المحافظات الصعيدية ومحافظات الدلتا. إذا استمعت إلى أغنيته "كداب يا خيشة" ستلتقط أذناك وصلة الأوكورديون "ملك المسرح" الساحرة، حيث كان عزف الأوكورديون عاملاً مشتركًا في ألحان معظم أغاني عدوية، ما جعله ملكًا متوجًا على آلات الموسيقى المستخدمة في الغناء الشعبي.


أما محمود سعد، منافس شعبان الرئيس بعد اختفاء عدوية لفترة، فقد خسرته الأغنية الشعبية مع خروجه المبكر من المنافسة لأسباب تتعلق به، يمكنك الاستماع إليه في "ما تبكيش عليا"، وإن لم تكن من أجمل ما غنى.


اختفى محمود سعد في ظروف غامضة عن ساحة الغناء الشعبي، بعدما نافس شعبان بشراسة لفترة وجيزة جدا في بدايتيهما. وإن كان لمحمود ابنة هي ميار محمود سعد، تغني الشعبي الآن وأشهر أغانيها "آه يانا تعبانة".

عرش عدوية

أتفق تمامًا مع الرأي الذاهب لكون عدوية هو أبو الغناء الشعبي المديني، فبعد سيطرة عدوية التامة علي سوق الغناء الشعبي، بدأت أسماء عديدة في الظهور من عباءته. ولكن بدرجات من خلط الشعبي بالسائد.

ربما يعود هذا لكون عدوية نفسه هو أول مطرب شعبي –نعرفه- يُلحِن له كبار ملحني الغناء السائد ممن لحنوا لعبد الحليم حافظ وأم كلثوم وغيرهما، اسمع مثلا أغنيته "إحنا معلمين"، التي تتميز بمقدمة موسيقية جميلة، لا تقل روعة عن مقدمات كبار المطربين وقتها. وهو ليس غريبًا على مطرب لحن له بليغ حمدي وسيد مكاوي وهاني شنودة وحسن أبو السعود. وهو ما اشترك معه فيه لاحقًا المطرب الشعبي عبد الباسط حمودة الذي لحن له محمد الموجي وبليغ حمدي.

نعود من أول عدوية وكتكوت الأمير اللذان تربعا علي عرش الغناء الشعبي في السبعينات. وانتشر شريط فيديو كاسيت شهير وقتها للفنانة المعتزلة سهير زكي، وهي ترقص علي غناء النجمين في أشهر أغانيهم، خذ هذه الأغنية "سكر بولاق" لكتكوت الأمير، وهي جزء من شريط الفيديو هذا الذي كان نادرًا، وكانت مشاهدته طبعًا ترتبط بأن يكون لديك جهاز فيديو لتشغيله.


أولاد السلطان

بعد عدوية وكتكوت الأمير، ومع اختفاء محمود سعد؛ تميَّز عبد الباسط حمودة الذي غنى "بين القصرين" التي تصدرت ألبومه وقتها، وهي من أجود ما غني. لكنها لم تُتِح له الشهرة ساعتها مثل شعبان. أظن لأنها كانت علي نفس خط عدوية تقريبًا الذي كان يؤدي أغانيه بالفنادق والكازينوهات الفخمة، عكس المطربيين الشعبيين الذين كانوا يحييون الأفراح الشعبية، ولم يكن ظهورهم في الراديو أو التلفزيون ممكنًا وقتها.


عاصر بداية شعبان وعبد الباسط مطرب آخر توفي شابًا، ولم يكن ليترك القمة لو أكمل؛ وهو أشرف المصري صاحب "وفر دواك أحسن يا طبيب". ولو اخترت لك أغنية واحدة لتسمعها من الأغاني المتضمنة في هذا المقال لكانت هذه.


وبذكر الموت؛ بعده بجيل كامل انتهت حياة رمضان البرنس، أحد الذين صنعوا شعبية كبيرة في وقت قصير أيضا. ومن أشهر أعماله موال التلميذ والأستاذ.

بعدهم بسنوات قليلة ظهر مجدي طلعت بأغنيته المميزة "اللي عايزني يجيني"، وتلاه بوقت قصير مجدي الشربيني ليرد علي نفس الأغنية بصوت مميز. واختفي سريعًا أيضًا، قبل أن تتيح له قنوات الغناء الشعبي الجديدة العودة.

حكمة وعظة

وبشكل مواز، كان هناك الموال والقصص، وهذه كان لها جمهور مختلط بين الوافدين من الأقاليم والقاهريين. وعلي رأس من قدموا هذا اللون ونجحوا فيه: يأتي عبده الإسكندراني ويوسف شتا. أصحاب هذا اللون لم يقدموا الغناء الشعبي المتميز بموسيقاه الراقصة المرتبطة بالغناء في الأفراح، وإنما ارتبطوا بالأغنية القريبة من طابع الموال الفلاحي الشعبي، الذي يهتم بالحكمة والموعظة المُغناة على إيقاع موحد مريح. ومن أشهر أغاني هذا اللون "سجان الغرام" لعبده اللإسكندراني، أو أبو اسكندر كما يلقبه محبوه.


هذا أشبه بالخليط الذي قدمه حكيم بعد ذلك بين الشعبي"مدرسة عدوية"، والشبابي"مدرسة حميد الشاعري". و"فرقع" وقتها وسط عتاولة المطربين الشباب.

ظهر أيضا في مطلع التسعينات شرائط كاسيت لمنوعات لبنانية شعبية علي أجزاء، غنّى فيها جورج وسوف "يا مولدنة" و"ترغلي"، وانتشرتا في مصر وقتها. وغني شاب اسمه أسامة أغنية "وإنتي بنت تلات سنين".

كان ظهور حسن الأسمر بألبوم "توهان" ثورة جديدة في الغناء الشعبي، مع نفسه الطويل وحسه الشجي الذي يروق لعشاق هذا النوع من الطرب.


طارق الشيخ أيضا كان مميزا، وازداد شهرة بعد ظهوره في الأفلام الجديدة، مثله مثل أحمد شيبة الذي لعب الزهر معه فعلا بحسب أغنيته "أه لو لعبت يا زهر" بعدما غناها.

قبلهم جاء "بحر أبو جريشة" الذي لمع كعبد الباسط حمودة في الإسكندرية قبل أن تنتشر ألبوماته في القاهرة وتتولد له قاعدة واسعة من المحبين لغنائه المميز، الذي تختلط فيه التيمات الشعبية السكندرية ببعض التيمات المميزة للغناء النوبي كما تظهر في أغنيتة الشهيرة "ليل يا أبو الليالي".


أسماء كثيرة ظهرت في التسعينات مثل عادل الخضري وأحمد الشوكي ورضا سيكا. كثير منهم طواه النسيان.

هذه الأسماء كلها بدأت علي خشبة مسرح منصوب علي هيكل عربات كارو، أو شدة أخشاب "موسكي" التي تستخدم في شد الأسقف الخرسانية. ومُغطي بالسجاد القديم وسط فراشة وإضاءة أفراح كيفما اتفق. وأكمل بعضهم طريق النجومية عندما أحسن اختيار اللحن والكلمات وكانت لديه بحة الصوت الجذابة.

فمثلا" آه لو لعبت يا زهر" لأحمد شيبة لحنها يكاد يكون المطلب المثالي لجمهور الأغنية الشعبية، لكونها تجمع النغمة "الحزينة والإيقاع الراقص معا. وهو مكون مهم من مكونات الأغنية الشعبية وتراثها الطويل. أن تكون كلماتها حزينة حزنا أسود وبعد موال يختبر فيه المطرب صوته عند جمهوره ويقدم أوراق إعتماده. كموال" صبح الصباح" مثلا لعدوية.

لن يمر هذا المقال دون أن تسمع صبح الصباح إحدى الأغاني التي صنعت أسطورة عدوية وفيها "العفقة" المميزة لبحته في مقطع "يوم يجي عقلي في راسي ويوم مايجييش".


بعدها يبدأ اللحن الراقص، حتى بمصاحبة باقي الكلمات التي غالبا ما تكون حزينة. لا داعي لفلسفة وتفسير الحزن مع الرقص هنا، فهو واضح في الخيال الشعبي، وواضح لمن يهواه وهوخط أصيل لهذا النوع من الفن.

هل كان فن محمد العزبي ومحمد رشدي شعبيا؟ لا أدري صراحة. ولكني لا أستطيع أن أخرج ألحانهم وكلماتهم خارج السائد وأضمها للشعبي كمستمع وقتها، وخصوصا أن عبد الحليم غنى مثل رشدي موال أدهم الشرقاوي.

الشعبي الذي أقصده هنا هو الشعبي الذي كان يظهر فيه المطرب فينتشر عن طريق أفراح منطقته، ومنها إلى المناطق المحيطة، ثم يصير مطلوبًا في الأفراح في مختلف أنحاء مصر.

السينما.. ميلاد جديد

لا شك أن موجة الافلام الجديدة وبحثها عن النجاح التجاري قد خدم هؤلاء النجوم، فمطرب مثل سعد الصغير شكل نجاحه بهذه الأفلام ظهورا جديدا لها، وثنائيته مع دينا الراقصة دفعته دفعة قوية .حتي أن الثنائيات بعده كمطرب وراقصة أصبحت مشهدًا معروفا في الأفلام التي تقدم هذا النوع من الطرب.

لكن دخول الغناء الشعبي في الأفلام الجديدة مصاحبا للرقص أنتج اتساعًا في القاعدة الجماهيرية لذلك الغناء وجعل كلماته ونغماته أكثر انتشارًا بين شرائح اجتماعية قد لا تسمع كلماته خارج السينما.

مثلاً في إحدى مسابقات برنامج ذا فويس للأطفال the voice kids، تعددت الحالات التي قام فيها أطفال بين السادسة والثامنة بغناء أغنيات شعبية أبرزها "ما بلاش اللون دا معانا" وهي واحدة من الأغاني الشهيرة لعدوية التي تداخلت فيها التيمات الشعبية مع تيمات الغناء السائد لتنتج أغنية عذبة اللحن خفيفة الظل.


أما المهرجانات؛ فلا شك أنها شكل من أشكال تجديد اللحن واستخدام مؤثرات الصوت، ولكنها في وجهة نظري ظاهرة ستختفي لأنها تفتقر للسلطنة، وهي العنصر الأهم في هذا النوع من الغناء، وهو ما يهمله المهرجان تماما ويعتمد علي الصخب بشكل رئيسي. ما يجعله يختار جمهوره من الشباب الذين يهمهم الإيقاع والرقص، مع اهتمام قليل وربما سطحي بالكلمات.

الطرب الشعبي جزء من ثقافة المناطق الشعبية، ومن وقت لآخر تخرج أصوات وأعمال تشرح الواقع الشعبي وتظهره للاحتفاء به، أو الحزن على أنغامه في التجمعات الوحيدة المتاحة في الأماكن الشعبية وهي الأفراح، حيث تغيب النوادي والأماكن العامة.

وأخيرا بعد كل سيرة كل هؤلاء المطربين، وبعض الروابط التي أتمني أن تكون أعطتك فكرة عن تطور الغناء الشعبي من عدوية لشيبة؛ أتركك مع "آه لو لعبت يا زهر". وأتمى عليك عند الاستماع أن تُركز معي في في توزيعة الكمانجة الحزينة السريعة، التي تبدأ في الدقيقة 1:43 وتستمر طوال الأغنية ككورال حزين راقص، في توليفة عجيبة تتميز بها الأغنية الشعبية جوار الموال الذي يسبقها.