لاجئون سودانيون يرفعون قبضاتهم في وجه قوات الشرطة المصرية في اللحظات الأولى لفض الاعتصام

في الذكرى الـ11 للمذبحة.. حلم الحياة يبتعد عن لاجئي السودان

"صغيري جوشوا يحتاج الحليب، وإخوته الكبار يحتاجون طعام وملابس وعلاج، ومطلوب مني رعايتهم وفي الوقت نفسه العمل، لأن مساعدات المفوضية قليلة جدًا".

جاستين كوميف، لاجئ من جنوب السودان يعيش في مصر.

كانت الطاولات جميعها مزدحمة بمشغولات يدوية، يبيعها صنّاعها اللاجئين، عدا تلك الموضوعة أمام شابة سودانية، اكتفت بورقة مكتوب عليها "رسم بالحنة" موضوعة فوق منضدة شبه خالية، وخلفها جلست أسماء تحتضن رضيعتها يارا، تهدهدها وتنتظر فرجًا برسمة أو اثنتين، وعلى بعد أمتار قليلة منها جلس الستيني جوستن كوميف، في موضع وسط بين بضاعته- لوحات وحقائب كتّانية- أملاً في بيع ما يعينه على إعالة أطفاله الخمسة.

كلا السودانيان- الشمالية والجنوبي- يعانيان ضيق ذات اليد وشظف العيش في القاهرة، لكنهما رغم ذلك يحظيان بعائلة، ويشاركان وسط عشرات العراقيين والسودانيين والسوريين- اللاجئين- في احتفالية وداع لعام 2016، وهذا كافيًا جدًا ليجعلهما أفضل حالاً من جورج كاجيكابي.

"كاجيكابي" سوداني آخر، كان وداعه لعام 2005 من هذه الأرض نفسها، مصر، لكن بلا احتفال، بل بالرعب الذي صاحبه أثناء قيام قوات الشرطة بفض اعتصام مواطنيه اللاجئين بميدان مصطفى محمود بالمهندسين، في مثل هذا اليوم قبل 11 عامًا، وكان على قدر من سوء الحظ ليقضي أول شهرين من 2006، في محاولات تسلُّم جثماني زوجته وطفله، ضحيتي تلك "المذبحة".

"كاجيكابي" ضد مصر

يحكي "روكسي" لـ"المنصّة" عن موكله الذي "قُتل طفله وزوجته أمام عينيه في الاعتصام، وتسلّم جثمانيهما بعد شهرين من تاريخ الوفاة، حين سددت مفوضية اللاجئين مستحقات المستشفى"، فصارت دعواه القضائية التي تختصم الحكومة المصرية، تحمل اسم "كاجيكابي ضد مصر".

4 آلاف من عناصر الشرطة المصرية، فضت بالقوة اعتصام قوامه 2107 لاجئًا سودانيًا- رجال ونساء وأطفال- يوم الثلاثين من ديسمبر/ كانون أول 2005، بعد أن استمر حوالي 3 أشهر بالقرب من مقر مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وراح ضحيته 27 شخصًا- بينهم نساء وأطفال- وفقًا لتقديرات الحكومة المصرية، وأصيب عشرات آخرين.

أطفال يحتمون بأمهاتهم من قوات الأمن المركزي أثناء فض الاعتصام  - سودانيز أون لاين 

ووفقًا لإفادة فاطمة إدريس، المدير التنفيذي لجمعية "تضامن"لـ"المنصّة": فلا يزال 37 سودانيًا ممن شاركوا في الاعتصام، في عداد المفقودين حتى الآن.

انتهت تحقيقات النيابة العامة المصرية في مايو/أيار 2006، إلى قرار بحفظ ملف القضية، لأن جميع الوفيات "نتجت عن التدافع والتزاحم بينهم"، دون إدانة للشرطة، وإثر ذلك، قرر "كاجيكابي" و8 آخرين من ضحايا وذوي ضحايا المذبحة، توكيل الباحث ومحامي اللاجئين أشرف روكسي، لإقامة دعوى أمام المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان، حملت رقم 344 لسنة 2007.

السودانيون المعتصمون أثناء فض الاعتصام- المصدر مدونة الوعي المصري

تم قبول الدعوى عام 2013، في تدويل للواقعة، قال المحامي إن سببه "غياب سُبل التقاضي في مصر"، التي اتهمت قيادات شرطتها في التحقيقات اللاجئين بـ"الاعتداء على المجندين". وهو ما جعله يعمل متطوعًا في دعوى "كاجيكابي"، اقتناعًا منه بأن محاميهم "لابد وأن يكون مصريًا".

تجتمع المفوضية الإفريقية- والحديث لـ"روكسي"- مرتين فقط في العام، وهذا سر بطء إجراءات التقاضي أمامها، أما قبول الدعاوى فتشترط له أن يستنفد مقيمها سبل التقاضي المحلية، وهو ما توفر في مذبحة اللاجئين السودانيين.

ويحكي "روكسي" لـ"المنصّة" عن موكله الذي "قُتل طفله وزوجته أمام عينيه في الاعتصام، وتسلّم جثمانيهما بعد شهرين من تاريخ الوفاة، حين سددت مفوضية اللاجئين مستحقات المستشفى"، فصارت دعواه القضائية التي تختصم الحكومة المصرية، تحمل اسم "كاجيكابي ضد مصر"، كما يحكي عن الدعوى التي لم تخرج عن حدود أفريقيا "لأن الآلية الدولية مرتبطة بجرائم الحرب أو الإبادة العرقية".

لم يطلب المعتصمون السودانيون وقتها إلا "عدم ترحيلهم قسرًا إلى السودان الذي كان لايزال موحدًا ويضج بالصراعات، إلى جانب البت في أمر توطينهم بالدول التي قبلت استضافتهم"، وذلك بسبب سوء أحوالهم المعيشية في القاهرة، التي يعيشها الآن أقرانهم، بصورة أكبر بعد مرور 11 عامًا بالتمام والكمال على المذبحة.

مآساة كوميف


اقترب اليوم الاحتفالي، المُنَظم داخل إحدى قاعات مدينة 6 أكتوبر، من نهايته، ولم يفكر أحد المشاركين في رسم الحناء، التي لم تكن يومًا مهنة أسماء خميس، التي درست الهندسة في جامعة الخرطوم، لكن الصراع المتقد في ولاية شمال دارفور، وطال بلدتها الفاشر؛ التهم عائلتها، واضطرها للفرار إلى القاهرة عام 2012 بحثًا عن عيش أفضل.

على مستوى العالم كانت نسبة إعادة توطين اللاجئين هذا العام 2%، أما الكوتة الخاصة بمكتب مصر فكانت 6700 لاجئ من كل الجنسيات".

المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مروة هاشم.

تحكي أسماء عن أيامها في القاهرة: "تعبت جدًا لما جيت هنا، بيّت في الشارع وعلى السطوح، واشتغلت في البيوت، علشان أكل وأشرب، واتعرضت لمشاكل مش عايزة افتكرها، حزنتني وخلتني مريضة غدة وقلب، اضطريت دلوقتي أرسم حنة، لأن صحتي ضعيفة وما أقدر اخدم في البيوت تاني".

هجرت المهندسة السودانية "الخدمة في البيوت" لظروف صحية، لكن هذه المهنة صارت شبه ممنوعة على مواطناتها، وفقًا لمديرة جمعية "تضامن" فاطمة إدريس، التي تقول إن اللاجئ يتأثر بكل ما تشهده مصر بصورة أكبر لأن أعبائه أكثر، موضحة "زمان كان ممكن سودانيات يشتغلن عاملات في البيوت، لكن سوء الظروف الاقتصادية للمصريين، وتدني الدخول، دفع المصريات للاستغناء عن العاملات".

تقول المتحدثة الإعلامية باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مروة هاشم، لـ"المنصّة"، إن المفوضية سجلت حتى 30 نوفمبر/ تشرين ثان 2016، أكثر من 195 ألف لاجئ وطالب لجوء، بينهم حوالي 34 ألف سوداني، و5500 ألف من جنوب السودان.

من بين هؤلاء الذين تتعامل معهم المفوضية، جاستين كوميف، الذي لم يغادر الاحتفالية بعد، وينتظر أن تأتي المشغولات اليدوية المكدسة أمامه بما يكفي لسد رمق 5 أبناء، أصبحت رعايتهم- بما فيهم الرضيع جوشوا- مسؤوليته وحده منذ وفاة زوجته في يونيو/ حزيران الماضي، وهذا عبء شكا منه بالعربية والإنجليزية، اللاجئ الهارب من صراعات جنوب السودان.

جاستين كوميف بين المشغولات اليدوية خلال فعالية "تضامن"

"صغيري جوشوا يحتاج الحليب، وإخوته الكبار يحتاجون طعام وملابس وعلاج، ويتعلمون في مراكز تعليمية سودانية بأسعار مرتفعة، لأنهم ممنوعون من الالتحاق بالمدارس المصرية المجانية، التي تطلب جواز سفر، وأنا ليس لدي إلا بطاقة هوية من الأمم المتحدة، ومطلوب مني رعايتهم وفي الوقت نفسه العمل، لأن مساعدات المفوضية قليلة جدًا، 750 جنيه شهريًا".

ويبلغ عدد السودانيين المسجلين في المدارس المصرية (الحكومية والخاصة)، حوالي 12 ألف طالبًا وطالبة، وفقًا لإحصائيات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي كشفتها لـ"المنصّة" المتحدثة باسمها.

من أجل الحليب

يعيش الشاب أحمد الفاتح، (25 عامًا)، في القاهرة، منذ غادر أهله منطقة شندي بولاية نهر النيل، قبل 23 عامًا، ما يجعله مصريًا أكثر من كونه سودانيًا، لكنه على الرغم من ذلك لم يكن استثناءً من مصاعب العمل، الذي لا يجده إلا "باليومية وبلا تأمينات"، ولأنه يعول أمه وشقيقاته الثلاث الصغار، فقد ترك الجامعة بعد عام واحد من التحاقه بها، لأن عائلته لا تحصل إلا على 600 جنيهًا من مفوضية اللاجئين، وهو ما دفعه للعمل سائق توك توك.

وعلى توك توك آخر، يعمل مواطنه أبوعقله جمال الدين، زوج المهندسة أسماء التي ترسم الحناء، ولا تحصل هي وزوجها إلا على 700 جنيهًا من المفوضية، لم تكن كافية لإيجار شقة (800 جنيهًا) مهددين بالطرد منها، لتراكم إيجار 5 أشهر عليهما، ولا لشراء الحليب للرضيعة، وفقًا لقول الأم "بنتي مابتشربش مني، ولسه عندها 6 شهور، والوحدة الصحية منعت الحليب عن الأجانب من شهرين فاتوا؛ فبشتريلها علبة الحليب الواحدة بـ99 جنيه".

تقول المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين، مروة هاشم، ردًا قلة الدعم المادي، "للأسف كل المنظمات الإنسانية تعاني نقص التمويل، لذا تحاول المفوضية استغلال الموارد المتاحة لها بأفضل صورة، وتلجأ إلى ترتيب أوجه إنفاقها بحيث تذهب للأكثر احتياجًا بين اللاجئين وطالبي اللجوء، فكل التمويل المخصص لمختلف الجنسيات قليل، لكننا نحاول مع الدول المانحة قدر استطاعتنا".

طالبت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين- والحديث لـ"هاشم"- في 2016، بـ20 مليون دولار للجنسيات الأخرى فقط (غير السوريين)، ولم تحصل ولم تحصل إلا على 5 مليون دولار فقط.

اضطر أحمد الفاتح لترك الجامعة والعمل كسائق توك توك

لكن لدى مديرة "تضامن"، فاطمة إدريس، سببًا آخر لقيمة الدعم المتدنية من المفوضية، بقولها إن الدول المانحة "لم تعد تولي الأهمية للاجئين وطالبي اللجوء الأفارقة، لأن طول مدة التعامل مع الأزمة يستنفذ الموارد، فضلاً عن ظهور أزمات جديدة كالسورية، ما يخصم من رصيد الأزمات الأخرى، ويجعل الأوضاع عامة أكبر بكثير كمن استيعاب وطاقة الدول المانحة".

تتعامل جمعية "تضامن"، وفقًا لتقديرات "إدريس"، مع 30 ألف لاجئ- بينهم 12 ألف سودانيًا، لكن الجمعية تعرضت لأزمة اقتصادية تسببت في إغلاق فرعين لها في فيصل بالجيزة و6 أكتوبر "كانا يستوعبان حوالي 6 ألاف لاجئ أسبوعيًا"، وتقول مديرتها إن السبب تراكم المديونيات (250 ألف جنيه إيجارات فقط)، بعد رفض وزارة التضامن التمويل المقدم للجمعية من الأمم المتحدة.

حتى أشرف روكسي، محامي "كاجيكابي"، يقف بلا دعم وبمفرده، كممثل قانوني مسؤول عن الدعوى المنظورة أمام المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان، بعد أن كان له شريكة، محامية أوغندية تعمل في مؤسسة حقوقية ببريطانيا، أغلقت لقلة التمويل.

لا وطن لا توطين

منذ وفاة زوجته، يهاتف "كوميف" مفوضية اللاجئين أسبوعيًا، أملاً في استجابة لمطلبه بإعادة توطينه وصغاره في بلد أوروبي، فالبقاء في مصر خيار صعب، والعودة للوطن الوليد- جنوب السودان- أصعب "الناس هناك يناضلون للحصول على حاجاتهم الأساسية، والرئيس مشار ونائبه يتصارعان".

"ما يهمنى هو الاعتراف بجريمة الشرطة المصرية، وإن الناس تحس إن القضية الظالمة دي لم تنتهي". محامي ضحايا مذبحة اللاجئين، أشرف روكسي.

يحلم "كوميف" وأسماء و"الفاتح" وآلاف غيرهم بإعادة التوطين، الذي تحقق لـ874 سودانيًا، سافر أغلبهم للولايات المتحدة الأمريكية، وفقًا لإحصائيات مفوضية اللاجئين حتى 30 نوفمبر/ تشرين ثان الماضي، على حد قول مروة هاشم.

أما التقرير العالمي لاحتياجات إعادة التوطين المتوقعة لعام 2017، الصادر عن الأمم المتحدة، يونيو/ حزيران الماضي، فيشير إلى حلول السودانيين في المرتبة الثانية بين المحتاجين لإعادة التوطين بنسبة 11%، بعد السوريين الذين كانوا في المركز الأول بنسبة 40%.

لكن الحل والعقد في إعادة التوطين، ليس بيد المفوضية، وفقًا لقول المتحدثة باسمها "الإجرات تتطلب وقت طويل، والقرار في النهاية بيد الدولة المضيفة، ومهمتنا كمفوضية تنحصر في تقديم ملف طالبي إعادة التوطين، مع العلم بأنه لا يتحقق للجميع، فعلى مستوى العالم كانت نسبة إعادة التوطين هذا العام 2%، والكوتة الخاصة بنا في مصر كانت توطين 6700 لاجئ من كل الجنسيات".

ينتظر السوداني "كوميف" رد المفوضية لإعادة توطينه، ويترقب المصري أشرف روكسي، وموكله "كاجيكابي"، حكمًا في الدعوى المقامة ضد الحكومة المصرية، في مايو/ أيار المقبل، وإن بدا المحامي محبطًا من النتائج "مش متوقع حاجات مهمة، لأنه ممكن مصر تضرب بعرض الحائط حكم تعويضات الضحايا، متعللة بسيادة الدولة، لكن ما يهمني هو الاعتراف بجريمة الشرطة المصرية، وإن الناس تحس إن القضية الظالمة دي لم تنتهي".