ذكرى عصام عبدالله| كِمالة القصة

اللغة الجميلة. الكلمات المتنوعة. الصور والتشبيهات المبتكرة. يدور الحديث عن الشاعر المصري الفذ عصام عبدالله في فلك هذه النقاط. ولا يغادرها إلا قليلاً.

أنا أيضًا. عشت سنوات طويلة من عمري غارقًا في كلمات عصام. "طب خديني في ريح طيفك.. حتى حتى في ديل كيفك" "أنا عارف نفسي وتلكيكي" "وبرد الخوف بيتكتك سنان الخيل".. إلخ. في كل مرة استمع إلى تلك الكلمات أشعر أنها جديدة. كأنه كتبها للتوِ. أترحمُ على هذا العبقري الذي توفى مبكرًا.

لكنني حين استمعت إلى أغنية "بقيت وحدك" التي غنتها "أنغام" العام قبل الماضي، بعدما ظلت كلماتها حبيسة الأدراج لمدة 20 عامًا، تنبهت إلى شيء آخر في شعر عصام.

أغاني عصام مترابطة. نعم. بعضها مترابط وموضوعها واحد. يتهم أحدهم الآخر بالخيانة ويكيل له الاتهامات، فيرد في أغنية أخرى مدافعًا عن نفسه. الكلمات نفسها تشيرُ إلى ذلك. تشير إلى الجزء الأول من الأحداث.

في "بقيت وحدك" وهي واحدة من أجمل الأغاني التي سمعتها في السنوات الأخيرة. تشيرُ كلمات عصام إلى جزء منقوص. جزء لم تذكره كلمات الأغنية. حين يقول "لكن دي كمالة القصة". أيُ قصة تلك؟ وما أحداثها؟

في قلب الليل

قبل 32 عامًا كانت البداية. هذا هو الجزء الاول من القصة الذي كتبه عصام وغنّاه علي الحجار عام 1985. في أغنيته البديعة الشهيرة "في قلب الليل". تلك التي كُتب عنها كثيرًا.

"في قلب الليل" هي البداية. وأيُ بداية. فيها تحدى عصام كل شيء. تحدى الصور المألوفة لوصف الحبيب. تحدى اللغة الغنائية السائدة في الثمانينيات. تحدي نفسه قبل الجميع.

ببساطة، ودون أن أطيل. فإن الجزء الأول يتحدث عن الخيانة. حبيبُ هجرته حبيبته وخانته. يتحدثُ بكل أسى. يتذكر كيف ساعدها لتفك قيودها وتتحرر.

يسيطر الحزن والغموض على هذا الجزء. ما زال ألم الخيانة حاضرًا في الكلمات. يسرد بشكل تصاعدي كيف التقى حبيبته. المهرُ الذي يقف في الظلام وحيدًا. "وبرد الخوف بيتكتك سنان الخيل".

يحكي أيضًا كيف تآلفت الأرواح سريعًا. "فتحنا أبواب حكاوينا. وتهنا في أغانينا". يمرُ الشريط مسرعًا. وحين تأتي لحظات الفراق تزيد السرعة إلى حد جنوني. ربما أراد عصام ألا يقف عندها كثيرًا. "وصار يجري وينساني وأنا باجري في طريق تاني" بهذه الكلمات فقط عبر عن لحظات الفراق.

وحين التقاه بعد سنوات. كان اللقاء أيضًا عابرًا وسريعًا. ورد الفعل بسيط لكنه حزين إلى أقصى درجة. "وبعد كتير في ليل تاني. لقيته لوحده من تاني. صهل تاني ما رديتشي. وباقي لوحدي أنا بمشي. في برد الليل. وخوف الليل. وحزن الليل".


بقيت وحدك

هذا هو الرد. أو "كمالة القصة" كما قال عصام في الكلمات التي تغنّت بها أنغام. الفتاة التي اتهمها بالخيانة في الجزء الأول عام 1985. جاءت لترد بعدها بفترة طويلة.

السنوات الفاصلة بين الجزء الأول والثاني. منحت الفتاة قدرًا من الحكمة. ابتعدت عن حبيبها فترة طويلة وحين قررت أن تتحدث. أسلمت الزمام إلى عقلها لا قلبها.

عصامُ في هذه المرة. انتقل من خانة إلى أخرى. من خانة المحبُ الذي تفيضُ مشاعره ويتحدث ببلاغة تقطرُ حزنًا. إلى خانة أخرى تقف فيها محبوبته متسامحة مع كل شيء. متسامحة مع اتهامها بالخيانة. ومع الزمان الذي فرق بينهما. صراع القلب والعقل يتجلى. وهنا وربما يبدو الأمر نادرًا، ينتصر العقل.

تنطلقُ في حديثها من الوحدة التي يتشابهان فيها. "ودلوقتي أنا وحدي. وأنت خلاص بقيت وحدك. بدأت رحلة الغُربة الحقيقية".

في الحقيقة. لم أسمع في حياتي كلمات كتلك التي صاغها عصام عبدالله لأنغام. كل جملة في هذه الأغنية بها من الحكمة ما تعجزُ قصائد طويلة عن الإتيان به.

كأن عصام أراد أن يُلخص أكثر المعاني الإنسانية تعقيدًا في كلمات موجزة بسيطة. انظرُ مثلاً لهذه الكلمات حين ارادت أن تدافع عن نفسها. "مكنش كل ده في قصدي/ ولا حلمك ولا قصدك/ لكن أحلامنا مش وحديها في الدنيا/ في ناس تانية/ آمال تانية/ حاجات تانية".

وحين أرادت أن تواسيه بعد كل تلك السنوات قالت: "و100 مانع/ ومين عارف/ ما يمكن نجمك الأحلى في حاجات جاية/ويمكن ألاقي أحزاني خرافية".


تستمر في السرد. حزينة ومجروحة لكنها حكيمة ورزينة. ربما ذاقت من الحياة ما آلمها. تبدو هذه الحكمة وليدة للألم. وأحيانًا تبدو كأنها سخرية من الحياة وتقلباتها.

لكنّ الثابت في الأمر أنها ما زالت تحبه. تقول في النهاية: "وداع يا أغلى شيء سبته/حبيبي خلاص ودعته/ودلوقتي أنا وحدي/وأنت خلاص بقيت وحدك".

انتهت القصة. الجزء الأولٌ مشحون بعواطف وأوجاع ومصاغ بلغة مُربكة إلى حد كبير. والجزء الثاني شرح عقلاني لأسباب الغياب والبعد والهجر.

ربما لو طال العمر بعصام قليلاً لكانت للقصة "كمالة" لا نعرفها.