محافظون أم إصلاحيون.. سؤال كل انتخابات في إيران

يدفع خصوم الرئيس الإصلاحي حسن روحاني بأن الاتفاق لم يعد بفائدة اقتصادية أو سياسية حقيقية على إيران، مدعومين بتراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رعاية الاتفاق الذي فاوض عليه سلفه.

بينما تقرأ هذه السطور، يقف الناخبون الإيرانيون أمام لجان الاقتراع للاختيار بين أربعة مرشحين، انتهت إليهم القائمة الأخيرة للانتخابات الرئاسية.

تجري الانتخابات هذه المرة وسط ظرف مختلف، القضايا التي كانت تبدو بسيطة والاختيار فيها بين الأبيض والأسود خلال الانتخابات السابقة، صارت عامرة بالمواقف الرمادية، في ظل التغيرات السريعة لوضع إيران في المنطقة والعالم، بعد إتمام الإتفاق النووي برعاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ثم الرغبة المعلنة للرئيس الحالي للتراجع عنه، والانعكاسات الاقتصادية المترتبة على وضع هذا الاتفاق، كما تأتي هذه الانتخابات وسط غموض يشوب مصير النظام السوري المدعوم إيرانيًا، والذي يتعرض لضربات سياسية شبه يومية، لا تعكس تقدم القوات (الإيرانية -الروسية) المساندة له على الأرض.

لكن يبدو أن هذه التغيرات، رغم اضطرابها وتقلبها، لا تزال تدعم موقف الرئيس الإيراني الإصلاحي حسن روحاني، الذي يراه مراقبون هو الأكثر حظًا في سباق اليوم.

المرشحون

بعد تقدم أكثر من 1000 شخص للمنافسة على مقعد الرئاسة الإيرانية، انتهت القائمة الأخيرة المطروحة للتصويت اليوم إلى أربعة مرشحين فقط هم: الرئيس الحالي حسن روحاني، ورجل الدين إبراهيم رئيسي، ونائب الرئيس السابق مصطفى هاشمي، وأخيرًا المرشح المحافظ مصطفى أغا مير سليم.

المرشحان الأعلى حظًا هما رجل الدين المتشدد إبراهيم رئيسي المقرب من المرشد الأعلى آية الله خامنئي، والرئيس الحالي حسن روحاني، الذي يواجه عداءً واضحًا من الحرس الثوري الإيراني، دعاه لماطلبتهم علنًا بعدم التدخل في الانتخابات.

وللحرس الثوري الإيراني - التابع للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية- تاريخ من قمع المعارضة الإصلاحية، والتدخل السافر في الانتخابات، أشهرها تدخله لقمع الثورة الخضراء ضد الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، الذي يدفع كثير من المعارضين الإيرانيين باختطافه لانتخابات عام 2009 بتأييد من المرشد الأعلى ودعم من الحرس الثوري.

المرشحان الأبرز في السباق الرئاسي الإيراني

أما المرشحان الآخران، فلا يبدو أن حظوظهما واسعة. فأمس وقبل ساعات قليلة من بدء الصمت الانتخابي، اضطر المرشح المتشدد مصطفى مير سليم لنفي البيان الرسمي الصادر عن حزبه "المؤتلفة" الذي أعلن فيه الحزب عن انسحابه لصالح مرشح المرشد الأعلى، رجل الدين إبراهيم رئيسي.

أما وزير الصناعة الأسبق والمحسوب على التيار المعتدل مصطفى هاشمي طبا، فيواصل أمله في الفوز بمقعد الرئاسة رغم انه لم يحصل عند ترشحه في 2001 إلا على 28 ألف صوت.

الوضع السياسي

تنقسم السياسة في إيران بين تكتلين كبيرين وهما المحافظين والإصلاحيين، وتذهب بعض التحليلات إلى أن التيار الإصلاحي في إيران يحيا في ظل التيار المتشدد وبموافقته، وهو ما يقوله المتشددون أنفسهم كما جاء في حوار مع الدكتور طه هاشمي -أحد أبرز قيادات التيار اليميني المحافظ في إيران- وأحد أعضاء الهيئة الرئاسية للبرلمان، ورئيس لجنة الرقابة على الإذاعة والتليفزيون، ومن أشد المقربين من خامنئي.

قال هاشمي: "أعتقد أن الإصلاحيين يشكلون تيارًا واسعًا كما المحافظين. هناك مجموعة تقف بين الاثنين. هناك قسم من الإصلاحيين يعتقدون بفصل الدين عن الحكم، المهم هو ما هو مدى تأثير هذا الفصل أو ذاك؟ إن وصَل قسم من الإصلاحيين الذي يؤمن بفصل الدين عن المجتمع وعن السياسة، إن وصل هؤلاء إلى الحكم وإلى المجلس سوف يقومون بذلك، لكنني أعتقد بأن القسم الكبير من الإصلاحيين حين يصرون على مبادئ الإمام الخميني وعلى المعتقدات الدينية، فهم يعتقدون أن الدين بإمكانه أن يدير المجتمع، وأن يشرف على جميع المناسبات السياسية والاجتماعية والفردية، وكل ما يتعلق بالحياة المدنية".

وفي موضع آخر يقول هاشمي: "بالنسبة للقضايا الاقتصادية أستطيع أن أقول بأن وجهات النظر مشتركة بين التيارين اليساري واليميني، ومن موقعي كمسؤول للجنة التخطيط والبرمجة في مجلس الشورى الإسلامي.. فإن المحافظين والإصلاحيين متفقون في قضية إفساح المجال في الأمور الاقتصادية أمام الناس. وإنني أتصور بأنه ليس هناك خلاف في القضايا الاقتصادية، وأن وجهات النظر مشتركة بين التيارين. طبعًا هناك بعض المنافسات الحزبية، وربما يوجه كل من الأحزاب نقدًا إلى الآخر لكن وجهات النظر العامة تتسم بالتقارب".
لكن هناك تحليلات أخرى ترى بالتباين الواسع بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران، وهو ما يتبدى في الدعم الواسع الذي يحظى به الإصلاحيون من إيرانيي المهجر والهاربين من الحكم الديني في إيران، وكذلك من الفنانين القريبين من الدوائر الغربية.

ويضع الإصلاحيون قضايا الحريات دومًا في مكانة متقدمة على أجنداتهم الانتخابية وإن كانوا يعانون صعوبات في تنفيذها. وفي انتخابات 2009 وصلت الصدامات بين المتشددين والإصلاحيين حد اختطاف وقتل واعتقال مناصري السياسيين الإصلاحيين وعلى رأسهم مير حسين موسوي المنافس الأبرز للرئيس السابق أحمدي نجاد الذي خضع للإقامة الجبرية.

الموقف من الاتفاق النووي

ينقسم معسكري السياسة في إيران في هذه الانتخابات حول العلاقة مع الغرب في مرحلة ما بعد الأتفاق النووي الذي جرى توقيعه برعاية أمريكية، ويقضي بتخفيف العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي المفروض على إيران، مقابل تعهدها بإخضاع برنامجها النووي لمراقبة دولية لصيقة والتوقف عن كافة الأنشطة النووية العسكرية.

ويرى معارضو الاتفاق من المحافظين أنه يحرم إيران من برنامجها النووي السلمي، فيما يُمكِّن لإسرائيل استخدام القنبلة النووية، ويُفقد إيران زمام المبادرة في المفاوضات.

ويرى المتشددون أن الغرب نجح في فرض خيارات ضيقة على المفاوض الإيراني "بشكل أفقده حرية الحركة وهامش المناورة الذي كان من الممكن أن يؤدي إلي نتائج أكثر إيجابية". ويدفع خصوم الرئيس الإصلاحي حسن روحاني بأن الاتفاق لم يعد بفائدة اقتصادية أو سياسية حقيقية على إيران، مدعومين بتراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رعاية الاتفاق الذي فاوض عليه سلفه.

ويقول خصوم روحاني إن إجمالي ما سيعود علي إيران من عوائد مالية لا يتعدى 7 مليار دولار، في ظل الإبقاء علي مستويات تصدير النفط الحالية التي تمثل حوالي 60% مقارنة بعام 2011، وعدم الإفراج عن جزء كبير من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.

فيما يرى معسكر الرئيس روحاني أن الأتفاق أعطى إيران حق التصرف فيما يعادل 7 مليار دولار ، والإفراج عن أرصدة لمبيعات النفط الإيراني معلقة في الخارج، وتعليق الحظر علي تجارة الذهب والمعادن الثمينة والسيارات، علاوة علي الترخيص بإمداد إيران بقطع غيار الطائرات المدنية وترخيص التصليح والخدمات الملحقة، وهو ما يعد أهم مكسب حصل عليه الجانب الإيراني من هذا الاتفاق.

الاقتصاد كلمة السر

تعيق العقوبات الجزئية التي تفرضها الإدارة الأمريكية الجديدة إحداث إصلاحات اقتصادية كبيرة في طهران، حيث تخشى البنوك الدولية الكبرى تمويل الشركات الأوروبية والآسيوية المتحفزة لاقتحام الأسواق الإيرانية، وهو الأمر الذي يستخدمه المتشددون للتشكيك في إدارة روحاني وإمكانية تحقيقه اية إنجازات حقيقية حال انتخابه.

يقول المرشح الرئاسي "المنسحب" محمد باقر عن روحاني وحكومته : "إن الشجرة التي لم تؤت ثمارها في أربع سنوات لن تسفر عن أي شيء ايجابي في المستقبل".

ورغم هذه التصريحات، فالبيانات الاقتصادية تشهد باستقرار الأسواق الإيرانية وتحقق ثبات نسبي في أسعار السلع وفقا لتقرير نشرته الجزيرة؛ كما أن روحاني منذ توليه مهام منصبه استطاع خفض التضخم إلى 6.5 % من 40 % في عام 2013، كما يعتزم روحاني دعم الأقتصاد بأغلب عوائد البترول التي تضاعفت في الفترة الأخيرة. ولكن مثل هذه الأجراءات تتطلب بعض الوقت، ولهذا بقى روحاني في المركز الأول في استطلاعات الرأي قبل بدء التصويت.