من موقع Middle East Eye

في شمال سيناء.. يأتيك الموت من حيث لا تدري

لم يعد فى شمال سيناء مكان آمن، فكل الأماكن اصبحت مستباحة للرصاصة العشوائية والقذيفة المجهولة.

بعد انقضاء إجازة نصف العام الدراسي الماضي في منتصف شهر فبراير/شباط، وصلت معلمة اللغة العربية إلى مدرستها "السكة الحديد بنات" في مدينة الشيخ زويد، دخلت فصلها بالصف السادس الابتدائي، لم تجد إحدى تلميذاتها جالسة في مقعدها كالمعتاد، فسألت زميلاتها في الفصل "فين أمل يا بنات"، فأجابت الطالبات بلهجة سيناوية:"إطَخِّت وماتت يا أبلة".

فى شمال سيناء عليك أن تتحسس روحك كل لحظة فربما تصيبك رصاصة طائشة أو تسقط على رأسك قذيفة مجهولة فتنتهي حياتك في أبشع صورة؛ كجثة هامدة او أشلاء ممزقة.

تحصد القذائف المجهولة والرصاصات العشوائية والألغام الأرضية أرواح العشرات كل يوم منذ قرابة الأربع سنوات، وهي عمر الحرب في المحافظة، فتعددت أسباب الموت وبقيت الفاجعة واحدة، فالموت يأتيك من حيث لا تدري.

لم تكن الطفلة أمل طالبة مدرسة السكة الحديد في مدينة الشيخ زويد هي الحالة الأولى التي تُقتَل بطلقة عشوائية مجهولة المصدر ولم تكن الأخيرة، أكد الأهالي المقيمون في محيط المدرسة أنه لا توجد ارتكازات أمنية في المنطقة ولا توجد اشتباكات، فالمنطقة تعتبر هادئة نسبيًا عن مناطق أخرى، ولكن لا أحد يعلم من أين أتت الرصاصة.

داخل المدن الملتهبة لا تنقطع أصوات زخّات الرصاص في رفح والعريش والشيخ زويد، إما أن تكون رصاصات احترازية تطلقها قوات الأمن منطلقة من ارتكازاتها الأمنية، خلال عمليات تمشيط بين الحين والآخر، وإما تكون عبارة عن اشتباكات مسلحة بين قوات الأمن، سواء جيش أو شرطة، وبين أفراد مسلحين تابعين لتنظيم "ولاية سيناء".

يحاول السيناويون توثيق اللحظات العصيبة والمرعبة التي تقع بالقرب منهم بسبب الحرب ومن ثم يشاركونها عبر حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة منهم للفت النظر إلى معاناتهم اليومية والمخاطر التي تحيط بهم بسبب الحرب خاصة في ظل حالة التعتيم الإعلامي على الأحداث في شمال سيناء وإهمال كل ما يتعلق بمعاناة الأهالي في ظل الحرب على الإرهاب.

يُظهِر مقطع فيديو التقطه أحد الشباب فى مدينة الشيخ زويد اشتباكًا مسلحًا وقع بالقرب من منزله ليلًا في شهر يوليو/تموز العام الماضي، في عرضه للمقطع المصور طَالب الشاب من يشاهد هذا المقطع أن يطفىء الأنوار ويستمع لأصوات طلقات الرصاص الغزيرة والتي وصفها "بالمرعبة".


وعلى بعد 20 كيلو متر غربًا من الشيخ زويد، التقط أحد الشباب فى مدينة العريش مقطعًا مصورًا آخر فى الثاني من يوليو/تموز من العام الجاري، ولكنه مختلف بعض الشيء، إذ تختلط فيه أصوات زخات الرصاص إثر إشتباكات عنيفة بين قوات الأمن ومجموعات مسلحة، مع أصوات أطفال داخل "رياض أطفال" في محيط مسكنه فى حي الزهور غرب المدينة، فالرصاصة العشوائية لا تفرق بين رجل أو امرأة أو طفل.


رصاص على بوابات المدارس

احنا بنشكل الأمن في سيناء بالتواجد وليس بالقتال... دبابة واحدة ورشاش واحد قادر يعمل حاجات كتير، لكن دول في الأخر أهلك وناسك.

عبد الفتاح السيسي

قبل ثمانية أشهر من تصوير مقطع الفيديو السابق، وفي أواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2016، وفي ذات المنطقة بحي "الزهور"، كانت الطفلة "ندى أبو اقرع" صاحبة الـ11ربيعًا، قد أنهت يومها الدراسي في مدرستها الابتدائية في حي الزهور غرب مدينة العريش، بمجرد اجتيازها بوابة المدرسة أصيبت بطلق ناري قَسَم رأسها إلى نصفين.

من إحدى الشرفات القريبة من بوابة المدرسة وثّق شاب لحظات الحادثة، ظهرت فيه الأم الثكلى والأب المكلوم وهما في حالة من اللا وعي والصراخ على ابنتهما التي قُتلَت برصاص خرج من فوهة مجهولة.


حوار يجري بين الشاب مصور المقطع ووالدته، تقطع الأم صوت الصراخ والنحيب الخارج من حنجرة أم الطفلة القتيلة لتسأل "ماذا يحدث؟" ليجيبها ابنها - بلهجة سيناوية- : "بيشيلوا البنت اللي مخها اتفرتك"، ويصف الطفل حالة الطفلة ويقول: "اجت فيها رصاصه خلت مخها في حتة وجسمها في حتة"، لتتفوه بعدها الأم بعبارات: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. حبيبتى يا بنتي".

في تسريب أذاعته قناة الجزيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي، في أبريل/نيسان عام 2014، يقول السيسي: "حد ضرب نار طلع قدام النار مائة نار، مات اتنين تلاتة أبرياء، أنت في الأخر بتشكل عدو ضدك وضد بلدك لأن بقى فيه تار بينك وبينه"، ويضيف: "احنا -قاصدًا القوات المسلحة- بنشكل الأمن في سيناء بالتواجد وليس بالقتال... دبابة واحدة ورشاش واحد قادر يعمل حاجات كتير، لكن دول في الأخر أهلك وناسك".


ولكن رغم حديث السيسي الذي يبدو مُقَدِّرًا لوضع المدنيين في شمال سيناء، إلا أنه في مارس/آذار عام 2017، انتقد مركز كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط استراتيجية القوات المسلحة المصرية هناك، مؤكدًا أن الأعتماد المتزايد على الأسلحة الثقيلة وسلاح الجو يتسبب بارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وبتأجيج مشاعر العداء ضد الحكومة المصرية.

في ميدان الرفاعي، أحد أكبر ميادين مدينة العريش عاصمة شمال سيناء، وزع تنظيم "ولاية سيناء" منشورًا على الأهالي في ليلة الأحد 12 فبراير/شباط من العام الجاري، مطالبًا الجميع بالابتعاد عن المقرات الأمنية والثكنات العسكرية والكمائن الشرطية معللين ذلك بأنها أهداف مشرعة لأفراد التنظيم.

ومن جهتها أكدت مصادر محلية أن عددًا كبيرًا من المدنيين سقطوا ما بين قتيل ومصاب جراء إصابتهم نتيجة انفجارات عبوات ناسفة زرعها التنظيم لاستهداف الآليات الأمنية سواء في الطرق الدولية أو حتى داخل المدينة، لافتين أن من أكثر الحوادث التى هزت المجتمع السيناوي هي مقتل شاب وشقيقته وعمته وعامل نظافة وإصابة عدد كبير من المدنيين إثر انفجار عبوة ناسفة في مدرعة شرطة كانت مزروعة في كوم قمامة على جانب الطريق الساحلي، في أغسطس/آب 2016.

الهروب من الجحيم

في ليلة ربيعية هادئة نسبيًا من شهر أبريل/نيسان عام 2015، تخللتها فقط أصوات زخات الرصاص الاحترازي، قضت عائلة "الهبيدي" ليلتها داخل منزلها في قرية الظهير جنوب مدينة الشيخ زويد، ولكنهم لم يعلموا أنها كانت الليلة الأخيرة.

قبل حلول منتصف الليل بقليل سقطت قذيفة مجهولة على منزل "فالح الهبيدي" الذي كان يضم بين جنباته 17 من النساء والأطفال، قُتل منهم خمس سيدات وستة أطفال بينهم رضع، وأصيب ست من النساء والأطفال، وحسب روايات محلية آنذاك أن سيدة ممن قتلن كانت حاملًا في طفل، وفقدته من جراء القذيفة ليموت قبل أن يرى الحياة.

أجبر سقوط القذائف وتطاير طلقات الرصاص عشرات الأسر على النزوح من جنوب مدينتي الشيخ زويد ورفح باتجاه شمال مدنهم أو الاتجاه غربًا لصحارى العريش وبئر العبد، ومن بقى في تلك المناطق يعاني أشد المعاناة بسبب نقص الخدمات الرئيسية مثل الماء والكهرباء وإغلاق المدارس والطرق.

ويمكن حصر أهم المناطق التى تشهد إصابات أو قتلى جراء الرصاص المتطاير والقذائف المجهولة في رفح والشيخ زويد وهي"نجع شيبانة، البرث، بلعا، الطايرة، المهدية، المطلة، أبو طويلة، أبو العراج، الظهير، المقاطعة، أبو لفيتة" وغيرها من تجمعات وقرى المدينتين.

وحسب بيانات رسمية من لجنة حصر النازحين في محافظة شمال سيناء، بلغ عدد من فروا من قراهم في مدينتى رفح والشيخ زويد 21 ألف و861 شخصًا موزعين على 5324 أسرة.

حاولنا الحصول على وثيقة تم فيها حصر أعداد القتلى والمصابين المدنيين خلال الأعوام الماضية، لكن كل المحاولات فشلت لأسباب منها تخوف المسؤولين من إصدار تصريحات أو الإعلان عن أوراق لها علاقة بما يدور على أرض سيناء له صلة بالحرب الدائرة، والآخر بسبب صعوبة وجود عدد دقيق للضحايا، ما أكده نشطاء في شمال سيناء أن ما يتم نقله للمستشفيات ليست كل الجثث، فهناك أسر تقوم بدفن ضحاياها بدون تصريحات حتى تتفادى روتين المستشفى الحكومي، والذي من الممكن أن تبقى فيه الجثة لأكثر من أسبوع في المشرحة حتى يتم معاينتها والنظر فيها من قبل الطبيب الشرعى الذى يتم استقدامه بالطلب من خارج المحافظة.

مع بداية العام الجاري أصدر "مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب" تقريره السنوي عن ضحايا القتل في جمهورية مصر العربية، وحصدت شمال سيناء المرتبة الأولى بـ 1234 حالة قتل في عام 2016، وعن أساب القتل ذكر التقرير أن منها حالات قُتلت بطلقات رصاص وقذائف صاروخية.

اعتمد المركز في حصره لأعداد الضحايا على تتبع الأخبار التي نُشرَت على مواقع الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي مُلحِقًا كل حالة قتل برابط للخبر الذي نشر عنها.

أما منظمة سيناء لحقوق الإنسان، وهي منظمة دولية غير حكومية مهتمة بتوثيق حالة حقوق الإنسان في منطقة سيناء من خلال مجموعة من الباحثين، فتقاريرها الشهرية بداية من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2016، وحتى أبريل/نيسان 2017، تذكر قتل 177 شخصًا وإصابة 199 آخرين من بينهم نساء وأطفال وشيوخ، وتنوعت الأسباب ما بين طلقات رصاص وقذائف وعبوات ناسفة وألغام أرضية. ووصفت المنظمة شهر يناير/كانون الثاني من العام الجاري بأنه "دامٍ" إذ قُتِل فيه 44 مدنيًا وأصيب 39 آخرين، من بينهم 9 أطفال و10 نساء.

داخليًا في شمال سيناء تمكنّا من الحصول على وثيقة من مستشفى العريش العام تبرز مدى المعاناة التى يتعرض لها المدنيون في شمال سيناء بشكل شبه يومي، حيث استقبلت مستشفى العريش العام خلال يوم واحد فقط، في الثاني من يوليو/تموز عام 2015، 24 حالة مصابة بطلقات وشظايا مجهولة المصدر منها 4 جثث بينها طفلان.

بيان بأسماء المصابين بمستشفى العريش 2/7/2015

في يناير/كانون الثاني الماضي، وبعد أن أنهت عائلة "أبو زماط" التابعة لقبيلة السواركة أداءها لصلاة الجمعة، خرجت الأسرة من المسجد في قرية "العجراء" جنوب مدينة رفح المصرية، وتجمعت داخل إحدى البنايات القريبة التابعة للأسرة في انتظار وجبة الغداء.

لم تمر سوى لحظات حتى سقطت قذيفة من السماء على منزل الأسرة ما أسفر عن مقتل 8 أشخاص بينهم طفل ونُقل اثنان آخران إلى مستشفى العريش العام، حيث لفظا أنفاسهما الأخيرة فيها.

أكد شهود العيان الذين حضروا إلى مكان الحادث حين وقوعه، أن الوضع كان مأساويًا، مؤكدين أن أشلاء الجثث كانت متناثرة في كل مكان حتى أنهم جمعوا بعضها وبقى بعضها الآخر فى المكان بعدها بأيام، لافتين أن من بين القتلى نجل وحيد لسيدة توفى زوجها عنها منذ فترة، وآخر قُتل وترك خلفه طفل صغير وزوجة.

حيوانات في مرمى الرصاص

ليس البشر فقط هم من تستهدفهم الطلقات والقذائف المجهولة في شمال سيناء، تؤكد مصادر محلية أن عددًا كبيرًا من الأغنام والأبقار والحمير نفقت إثر تعرضها لطلقات نارية أثناء وجودها في الحظائر والأراضي الزراعية خاصة في مدينتي رفح والشيخ زويد.

كان المواطن "أشرف سليمان" يقضى أحد الأيام برفقة حصانه على شاطىء بحر مدينة العريش، ويعتبر تصوير الأفراد والأطفال على ظهر الحصان هو مصدر رزق سليمان الرئيسي.

يقول سليمان إنه أثناء ذهابه إلى منزله جنوب منطقة المساعيد غرب مدينة العريش، أصيب حصانه بطلق ناري في رأسه أسفر عن مقتله على الفور، يؤكد سليمان أن الحصان كان هو كل حياته لأنه مصدر رزق الأسرة الوحيد.

بعد الحادث بأيام صرفت محافظة شمال سيناء 3آلاف جنيه لـ"أشرف سليمان" لكي يتمكن من شراء حصان آخر.

الموت بشكل آدمي

بعد أعوام من الحرب بين القوات المسلحة والجماعات المشتددة والتى قضت على جميع مظاهر الحياة فى شمال سيناء، تضاءلت أمنيات الأهالي بحياة أفضل حتى أصبح الأمل المنشود هو "الموت" بشكل آدمي يليق بحرمة الجثة.

مع تكرار حوادث القتل في شمال سيناء برزت أزمة جديدة، وهى عدم وجود طبيب شرعي مقيم في المحافظة، ويشكو الأهالي من حجز الجثث في مشرحة المستشفى لأيام طويلة حتى يتمكن الطبيب الشرعي من القدوم لمستشفى العريش ومعاينة الجثة.

يؤكد مصدر مسؤول في مستشفى العريش العام أن الطب الشرعي ليس تابعًا لمديرية الصحة ولكنه تابع لوزارة العدل، لافتًا إلى أن مستشفى العريش تقوم بعمل تقرير لسبب الوفاة ومن ثم تكون الجثة تحت تصرف النيابة والتى تستقدم الطب الشرعى.

ويوضح المصدر أن عدم وجود طبيب شرعي مقيم تعتبر أزمة كبيرة لأن من الممكن أن يتأخر الطبيب الشرعى في القدوم للمحافظة بسب حظر التجوال أو إعلامه متاخرًا بالحادث بسبب فصل شبكات الاتصال.

لم يعد في شمال سيناء مكان آمن، فكل الأماكن اصبحت مستباحة للرصاصة العشوائية والقذيفة المجهولة.