الرئيس عبد الفتاح السيسي يُلقي كلمته في الأمم المتحدة- المصدر: موقع الأمم المتحدة

خطاب السيسي في الأمم المتحدة.. هجوم على "داعمي الإرهاب" وكلمات غائبة عن فلسطين

تضمن الخطاب هجوم غير مباشرة على الخصوم، وتحفظ على إعلان موقف حيال قضايا بعينها، وتجنّب استخدام مفردات راسخة في أدبيات قضايا أخرى.

الصراعات الإقليمية والحرب على الإرهاب، كانا من المحاور الأبرز في الخطاب الذي ألقاه الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورة انعقادها الثانية والسبعين، مساء أمس الثلاثاء.

وخلال 22 دقيقة هي مدة الخطاب، تحددت الأولويات المصرية أمام المجتمع الدولي، بكلمات عن قضايا عالقة وصراعات دائرة إقليميًا، مثل الحرب الأهلية السورية والصراع الليبي والقضية الفلسطينية، دون قضايا أخرى تُهم المجتمع الدولي مثل الحرب على اليمن وتردي الأوضاع الإنسانية فيه، أو التغيرات المُناخية، أو حتى حقوق الإنسان.

وفي القضايا التي ضمها الخطاب، كان الحديث بصورة شهدت هجوم غير مباشرة على الخصوم كما في حديثه عن داعمي الإرهاب، وتحفظ على إعلان موقف حيال قضايا بعينها كالصراع السوري، وتجنّب استخدام مفردات راسخة في أدبيات بعض القضايا مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

"البؤس" العربي الإفريقي

بدأ السيسي خطابه بالحديث عن الصراعات المسلحة ومواجهة خطر الإرهاب ونزع السلاح النووي. وخص بالذكر المنطقة العربية التي قال إنها "باتت اليوم بؤرة لبعض أشد الحروب الأهلية ضراوة في التاريخ الإنساني الحديث، وأصبحت الأكثر تعرضًا لخطر الإرهاب".

وتطرق الرئيس بصورة عابرة لما نجم عن ذلك من أزمة هجرة شرعية، ألقى باللوم فيها على "الاقتتال الأهلي، وبؤس الظروف الاقتصادية والاجتماعية". ولم ينس أن يذكر القارة الأفريقية باعتبارها "عُرضة لنفس الأخطار الأمنية التي تتعرض لها المنطقة العربية".

ومصر الوردية

من الحديث عن المخاطر التي تعج بها المنطقة العربية والقارة الأفريقية، كان المدخل للحديث عن مصر، والذي صدّر الرئيس صورة وردية عما تتخذه من إجراءات اقتصادية لتبدو كبلد "يقع على حافة أخطر بؤر الأزمات في العالم" بسبب موقعه بالمنطقتين العربية وأفريقيا، لكنه رغم هذا يتبنى "استراتيجية قوية طموحة، تقوم على إصلاحات اقتصادية جذرية وشجاعة" تضع نصب عينها هدف "تمكين الشباب".

وخلال حديثه عن الإرهاب والتطرف في المنطقة العربية، صدّر السيسي صورة أخرى لمصر كدولة أطلقت مبادرة "لتصويب الخطاب الديني"، بالتزامن مع "خوضها حربا ضروس لاستئصال الاهاب من أرضها بشكل نهائي وحاسم"، وذلك من أجل "مستقبل المجتمع الدولي بأسره".

غموض حيال سوريا

اتسم الحديث المصري في الأمم المتحدة عن القضية السورية، بالكلمات العامة التي لا ترسم للسياسة المصرية موقفًا واضحًا ومحددًا حيالها.

ففي وقت تجاهر فيه دول بضرورة رحيل الرئيس بشار الأسد كحل للأزمة السورية، وأخرى تتمسك بوجوده على رأس النظام، جاء الحديث المصري عامًا بعيدًا عن المعسكرات المتخاصمة.

وقال السيسي إن الحل في سوريا لابد وأن يكون "سياسيًا يتوافق عليه جميع السوريين، ويكون جوهره الحفاظ على وحدة الدولة السورية وصيانة مؤسساتها"، وإن كانت هذه الصيغة هي الأقرب لأحاديث داعمي النظام.

وحسم تجاه ليبيا

لم يستمر الغموض الذي اكتنف كلمات مصر عن سوريا حين انتقل الحديث إلى ليبيا، دولة الجوار التي قال عنها السيسي "أؤكد بمنتهى الوضوح أن مصر لن تسمح باستمرار محاولات العبث بوحدة وسلامة الدولة الليبية، أو المناورة بمقدرات الشعب الليبي الشقيق".

وهنا قطعت مصر على نفسها تعهدًا بـ"العمل المكثف مع الأمم المتحدة؛ لتحقيق التسوية السياسية المبنية على اتفاق الصخيرات".

وعلى العكس من سوريا، فإن العلاقات بين مصر وليبيا أوضح وأكثر متانة، بصورة منحت البلدين بالتبعية مساحات أوسع للتعاون، لا سيما في المجال العسكري.

وليبيا هي الدولة التي فتحت مجالها الجوي ﻷكثر من مرّة للمقاتلات المصرية لقصف مواقع تابعة لمليشيات مُسلّحة، وشهدت الشهور الماضية زيارات متبادلة بين قيادات البلدين، وعلى رأسهما رئيس أركان القوات المسلحة المصري محمود حجازي، وقائد القوات التابعة لمجلس النواب الليبي خليفة حفتر، للتنسيق في الشؤون الأمنية والعسكرية.كما شهدت الأيام الماضية إعلان اختيار القاهرة مقرًا ﻷداء مهمة إعادة تنظيم صفوف الجيش الليبي.


فلسطين بلا "احتلال"

لم ينس الرئيس المصري أن يتحدث عن القضية الفلسطينية، لكن بكلمات لم تحمل أي إدانة للطرف الآخر من الصراع، إسرائيل. بل على العكس حملت له الوعود والتعهدات، دون أن يرد في كلماته مفردات طالما ارتبطت بالقضية مثل "الاحتلال" و"الاستيطان".

وقال السيسي إن إنهاء الصراع يكون "من خلال تسوية عادلة تقوم على الأسس والمرجعيات الدولية، وتنشئ الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 67 وعاصمتها القدس الشرقية".

وبعد ساعات من لقاء السيسي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن ورئيس الوزراء الإسرايلي بنيامين نتنياهو، وجّه الرئيس المصري رسالة للشعب الفلسطيني تحضّه على "الاتحاد خلف الهدف وعدم الاختلاف وعدم إضاعة الفرصة، والاستعداد لقبول التعايش مع الإسرائيليين في أمان وسلام".

وخاطب الرئيس الإسرائيليين بلغة هادئة، إذ ذكّرهم بمعاهدة السلام بين مصر وتل أبيب، وحرصه على "أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي"، متعهدًا للرأي العام هناك بالمؤازرة التي بدت في قوله "اطمئن نحن معكم جميعًا".

الإرهاب ما زال هنا

لم يكن ليمر المحفل الدولي دون الحديث عن الإرهاب، الذي يحرص الرئيس المصري على التحذير منه واستعراض جهود البلاد لمكافحته، في أغلب خطاباته للعالم وزيارته الخارجية.

وشدد السيسي في كلمته على أنه لا يمكن تصور وجود مستقبل للنظام الإقليمي أو العالمي، بدون مواجهة "شاملة وحاسمة" مع الإرهاب تقضى عليه وتستأصل أسبابه وجذوره، وتواجه بلا مواربة كل من يدعمه أو يموله أو يوفر له منابر سياسية أو إعلامية أو ملاذات آمنة، على حد تعبيره.

والعالم يتسامح مع "داعميه"

شن الرئيس المصري هجومًا - بدون ذكر أسماء صريحة - على داعمي الإرهاب، وقال نصًّا "بصراحة شديدة، لا مجال لأى حديث جدي عن مصداقية نظام دولي يكيل بمكيالين ويحارب الإرهاب في الوقت الذى يتسامح فيه مع داعميه.. بل ويشركهم في نقاشات حول سبل مواجهة خطر هم صناعه في الأساس".

الحديث المصري غير المباشر عن داعمي الإرهاب، أتي بعد شهور مضت لم توجه فيها القاهرة ودول خليجية هي السعودية والإمارات والبحرين، اتهامات صريحة في هذا الشأن إلا لقطر، الدولة التي يحضر أميرها تميم بن حمد، اجتماعات الأمم المتحدة في دورتها الحالية.

اقرأ أيضًا: توتر أقدم من "تصريحات تميم".. الطريق العربي إلى مقاطعة قطر

مخاطر سد النهضة

باستثناء الإرهاب، لم يتناول خطاب الرئيس أيًا من شواغل المواطن المصري إلا عندما ذكر قضية سد النهضة الإثيوبي، في محاولة لتزكية القضية والموقف المصري منها أمام المجتمع الدولي.

وتحدث الرئيس عن السد في سياق "احترام مبادئ القانون الدولي، والتفاوض على أسس المبادئ القانونية والتاريخية والأخلاقية، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها"، كسبل لتسوية الخلافات.