بعد الانتخابات الألمانية.. الحزب الاشتراكي الديمقراطي في حالة سقوط حر

ترجمة لمقال فلوران جاتمان عن الألمانية

عن موقع دير شبيجل


حصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة مارتن شولتس على أسوأ نتيجة للحزب في انتخابات فدرالية، الأمر الذي لن يكون له تبعات على شولتس لبعض الوقت. إذ أن شولتس يريد البقاء رئيسًا للحزب الاشتراكي وهنا قد يكون إعلانه رفض التحالف مع الحزب المسيحي الديمقراطي معينًا له في ذلك. لكن هل كان شولتس جادًا في ذلك الإعلان؟

اعتاد الاشتراكيون الديمقراطيّون المآسي. وقليلة هي المرات التي استطاعوا أن يفرحوا فيها بنصر انتخابي في السنوات الماضية، سواء على الصعيد الفدرالي، أو في خضم الانتخابات المحلية. فكثيرًا ما اضطرت قيادة الحزب أن تتلو عبارات مليئة بالمرارة اعترافًا بالهزيمة، هكذا يجتهد السياسيون في صياغة هذه المصطلحات في تلك الأمسيات. لكن الهزيمة التي حلت بالحزب في مساء الأحد كانت ساحقة، لدرجة أن الصمت عم المكان عندما ظهرت نتيجة التوقعات الأولية على شاشات مقر الحزب بمبني فيلي برانت في الساعة السادسة.

فلم تُسمع حينها لا صيحات الأسى، بل حل صمت مُطبق صاحب عرض النسب الأوليّة للحزب الاشتراكي الديمقراطي على شاشتي القناتين العموميّتين الألمانيتين الأولى ARD والثانية ZDF.

بالتأكيد لم تكن هزيمة الحزب أمرًا مفاجئًا جدًا، فقد رَسمت استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجريت قُبيل الإنتخابات الفدرالية صورة شديدة البؤس لنتائج الحزب، لكن الصدمة كما يبدو قد تمكنّت من الرفاق لدرجة أنهم أمسوا عاجزين حتى عن الحزن.

حصل الحزب على قرابة 21%، وهي أسوأ نتيجة انتخابيّة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي أيضًا أكثر سوءًا من نتيجة الـ23% في انتخابات البوندستاج قبل ثماني سنوات. "هل أنت من هواة سياحة الكوارث؟" هذا ما تحدث به صحفي إلى زميله لحظة بث النتيجة الأولية للانتخابات. فقد ساد اعتقاد في الأيام الأخيرة بأنه سيكون من الصّعب على مارتن شولتس الاستمرار في منصبه حال حصول حزبه على نتيجة أدنى مما حصل عليه عام 2009.

لكن مارتن شولتس، مُرشح حزبه لمنصب المستشاريّة، والذي أراد إزاحة أنجيلا ميركل المستشارة الحالية من منصبها، لا يفكر حتّى بترك مكانه في الحزب. عند الساعة السادسة والنصف مساء صعد مارتن شولتس المنصة الصغيرة في بهو مقر الحزب المركزي رافعًا إبهامه إلى أعلى ملوّحا بيده إلى الجمهور الذي استقبله بحفاوة وبصيحات تشجيع من بعض الحاضرين. "لقد كان يومًا مريرًا وعصيبًا"، هكذا تحدّث شولتس، لكنّه أعطف وشكر كل الذين شاركوا في الحملة الانتخابية، ما حدا بالجمهور إلى التصفيق له مجددًا.

قال شولتس مخاطبًا الجمهور: "يبدو أننا لم ننجح بإقناع الناخبين"، ثم أردف أنه يجب على الحزب إعادة ترتيب صفوفه، وتحديدًا بوجوده هو: "أشعر أن هذه المهمة تقع على عاتقي أنا كرئيس للحزب".

لا أحد يواجه شولتس.. حتى الآن

يعلم شولتس جيدًا في هذه اللحظة أنه يستطيع المواصلة دون اعتراض من الآخرين. فقد اجتمع الرفقاء قادة الحزب في ساعة متأخرة بعد ظهر يوم الانتخاب في الطابق العلوي لمقر حزبهم وهم على دراية كاملة بنسب الأصوات المتوقعة للحزب، وأثناء اللقاء لم يجرؤ أحدٌ على معارضة رئيس الحزب شولتس.

أحد الأسباب تتمثل في حصول شولتس على قدر من الثقة المُسبقة داخل حزبه: إذ أنه تمكّن خلال أسابيع قليلة من تعيينه المفاجئ كرئيس للحزب ومرشح لمنصب المستشاريّة من جعل حزبه الاشتراكي يقف ندًا للإتحاد المسيحي في استطلاعات الرأي. وفجأة لم يعُد الانتصار على ميركل بالأمر المستحيل. وقع الحزب في غرام شولتس وحصل الأخير على نسبة 100% عند انتخابه رئيسًا للحزب. حينها سارع آلاف المواطنين بالانضمام لعضويّة الحزب فقط بسبب صعود شولتس. بعدها توالت الهزائم في الانتخابات المحلية بدءًا بانتخابات ولاية الزارلاند Saarland ثم شليسفيش-هولشتاين Schleswig-Holstein وأخيرًا أعقبتها خسارة حكومة ولاية شمال الراين وستفاليا Nordrhein-Westfalen وتوالى معها تهاوي نسب استطلاعات الرأي لشولتس وحزبه إلى تلك النسب التي كانت متحققة عند بدء مشواره الانتخابي

نجح شولتس في بث الحياة من جديد في الحزب الاشتراكي الديمقراطي وإرجاع الثقة في النفس للحزب، وهو شعور مستمر حتى بعد السقوط في الانتخابات، فقد كان التأييد لشولتس كبيرًا أثناء المعركة الانتخابية. شخص مثل شولتس لا يمكن ببساطة تنحيته من منصبه، على عكس إمكانية الانقلاب الذي نفذه فايلاند عام 2008 ضد رئيس الحزب آنذاك كورت بك، و هو ما يُستبعد حدوثه اليوم.

علاوة على ذلك أطلق شولتس في مبنى فيلي برانت عشيّة الانتخابات تصريحًا سيُعزز من بقائه في منصبه: "هذا المساء سيكون نهاية لعملنا المشترك مع حزبَي الاتحاد المسيحي (حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي). لقد نصحتُ قيادة حزبنا الاشتراكي بأن يتجه الحزب إلى المعارضة". في تلك اللحظة لم يتمالك أنصار الحزب المجتمعين أنفسهم من الصراخ والهتاف، فرحين بالتخلص من ذلك الائتلاف المكروه من طرفهم.

كل الأنظار متجهة صوب انتخابات ولاية ساسكونيا السفلى

يوجد هناك سبب إضافي لعدم التشكيك في أحقيّة شولتس بمنصبه وهو الانتخابات المبكرة في ولاية ساكسونيا السفلى والتي ستُجرى في غضون أسابيع ثلاثة. يحكم تلك الولاية حتى الآن شتيفان فايل، وهو رئيس وزراء اشتراكي يرغب في البقاء على سدّة الحكومة المحلية ويطمح لإهداء حزبه شعورًا مفقودًا بالنصر. من أجل هذا الهدف وجب – من منظور فايل وأعضاء حملته الانتخابية - تجنب كل ما يمكن أن يعكر الصفو في صفوف الحزب على المستوى الفدرالي.

لكن يُمكن النظر إلى الأمر من زاوية أخرى: هذا يعني أن مجريات الأمور داخل الحزب قد تسير في اتجاه مغاير بعد يوم الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول.

على سبيل المثال هل سيصمد الرفض لتكوين تحالف موسع، هذا الذي أكّد عليه شولتس مساء الأحد في ذلك اللقاء التلفزيوني المعروف باسم "لقاء الفيلة"؟ بعض الرفاق داخل قيادة الحزب لديهم شك في ذلك ويخمنون بوجود دوافع تكتيكية خلف ذلك الموقف. في الحقيقة سيكون من الصعب على الاتحاد المسيحي المُنهك من جرّاء نتيجة التصويت، وخاصة على فرعه المسيحي الاجتماعي، تشكيل التحالف المتنوع والموسع، الذي يطلق عليه في ألمانيا "تحالف جامايكا"، مع حزبي الخضر والحزب الديمقراطي الحر. إذًا فمن الممكن أن تتواجد أسباب تمس صلب الدولة قد تؤدي في نهاية المطاف بالحزب الاشتراكي لقبول التعاون مع الاتحاد المسيحي لكي يصبح تشكيل حكومة فدرالية ممكنًا. لهذا السبب حذّرت رئيسة فرع الحزب الاشتراكي بولاية بافاريا ناتاشا كونن من أن رفض شولتس تشكيل ائتلاف حكومي موسع يجب أن يكون رفضا قاطعًا دون "أبواب خلفية".

وماذا عن مستقبل شولتس نفسه؟ هذا الموضوع يُمكن نقاشه بُعيد انتخابات ساسكونيا السفلى. فقد أصبح من المؤكد عدم سعي رئيس الحزب شولتس لقيادة الكتلة الاشتراكية داخل البرلمان، إذ أن هذا الأخير سيرشح وزيرة العمل الحالية أندريا ناليس لهذا المنصب الذي سيُجرى التصويت عليه يوم الأربعاء القادم.

في نفس الوقت لا يوجد أحد يُزاحم على منصب قيادة الحزب الاشتراكي والذي ستُعقد انتخاباته الداخلية في شهر ديسمبر/كانون الأول القادم مثل أندريا ناليس. من المرشحين المحتملين لهذا المنصب رئيس حكومة ولاية هامبورج ونائب رئيس الحزب أولاف شولتس والذي ظل متحفظًا على الإفصاح عن نواياه مثلما درجت العادة لدى الرفاق كلما تعلّق الأمر بمن يقود ركبهم.

سنرى بالتأكيد إن كان الأمر سيبقى على ذات الحال بعد الخامس عشر من أكتوبر.