قدسية النص وقدسية الإنسان

سيبقى الصراع محتدمًا بين من يرفعون في وجه "الآخر" نصوصهم المقدسّة ويحاولون إلزامهم بها، وأولئك الذين يتمسكّون بقدسية إنسانيتهم وتفرّدهم، وامتلاكهم زمام أفكارهم ومعتقداتهم وأجسادهم.

في مساء الثاني والعشرين من سبتمبر/أيلول من عام 2017، ارتفع علم قوس قزح في سماء القاهرة.

حدثٌ حمل بين طياته الكثير من الدلالات، بعضها يخص مَنْ رفع العلم أثناء حفلٍ موسيقي لفريق "مشروع ليلى" الذي أعلن مغنّيه الرئيسي حامد سِنِّو قبل نحو سنة في لقاء متلفز عن ميوله المثلية، وبعضها الآخر يتعلق بالاستقبال الغاضب المتنمّر المتحفّز العدائي لواقعة رفع العلم.

الدلالات في الحالة الأولى تتعلق بكسر حواجز الخوف من كشف المثليين عن ميولهم، أو تجنّب غيريين إعلان موقفٍ تضامني واضحٍ مع حقوق المثليين في العيش بسلام، وهو أمرٌ لم يكُن واردًا منذ أعوامٍ قليلة مضت.

أما الدلالات الأخرى المتعلقة بالغضب والتحفز والتنمر والعداء، فإنها تأتي في سياق تعميم المسائل شديدة الخصوصية كمعتقد الإنسان أو ميوله الجنسية، بطريقة تكشف اختلالات جذرية في فهم حدود الحرية الشخصية وحدود سلطة النص المقدس وكيفية إعمال المنطق في كثيرٍ من الأمور.

وحدث أن استدعى المجتمع في محاولته نزع صفة الذاتية عن معتقدات الإنسان وميوله الأساسية، كل النصوص المقدسة الممكنة، وأضاف إليها كل تراث التقاليد والأعراف الاجتماعية المتجذرة، ومزجها مع حديث يبدو علميًا في ظاهره بينما جوهره لا يقل دجلًا عن دجل جهاز علاج الإيدز بالكفتة يعتبر المثلية الجنسية "مرضًا" يستوجب العلاج، وغلّفها بإطار سوسيولوجي يتحدث عن خصوصية المجتمعات والتي يحددها ميول أغلب ساكنيها.

ثنائية الدين والجنس

في مايو/أيار الماضي اندلعت في قرية "الكرم" التابعة لمحافظة المنيا في جنوب مصر أعمال عنف طائفي، إذ هاجم مسلمون غاضبون منازل مسيحيين في القرية فأحرقوا سبعًا منها وجرّدوا امرأة سبعينية من ملابسها وألقوا بها في الشارع، بعد أن تناثرت أحاديث عن ممارسة ابنها الجنس مع امرأة مسلمة متزوجة.

هنا المسألة تبدو أكثر تعقيدًا، فهذه القصة تتشابك فيها المحاذير الدينية مع المحاذير الجنسية، فردٌ من "الأقلية" أقام علاقة مع امرأة مسلمة، المسألة هنا خرجت من حدود الخاص إلى حدود العام مرتين.

في الأساس هذه قضية لا تخص إلا ثلاثة أشخاص، الزوج وزوجته والعشيق المفترض، ولا يبدو منطقيًا بأي حال أن تُحَل بأن يضرم مئات الغاضبين النار في سبعة منازل، ولكن ما حدث هنا أن الفعل تجرّد من ذاتيته، فالمرأة لم تعد مجرد زوجة خانت زوجها ولكنها أصبحت وصمة العار التي لحقت به وسط الأهل والأحباب والأقارب والجيران، وهناك عار لا بد من غسله، أما العشيق المفترض بدوره، فتحول من مجرد مراهق أو حبيب خاض علاقة مع امرأة متزوجة، إلى سكيّن انغرس في عرض وشرف زوجها، وبات لازمًا أن يؤدَب هو وأهله.

ومع كل التعقيدات الطائفية في مصر فإن الحادث اكتسب أبعادًا أعقد من أزمة مرّت بعلاقة زوج بزوجته عليهما التفكير والتمعّن في كيفية التعامل معها وحلّها إما بالتفاهم أو بالانفصال، إلى حرب طائفية شاملة حول الشرف والكرامة بصبغة طائفية، وبات على المسلمين أن يتوحدوا لنصرة الدين في مواجهة المسيحيين الذين دنس أحد أبنائهم شرف وعرض رجل مسلم.

ها نحن نعود مجددًا إلى النقطة الأولى، فالقضايا ذات الصبغة الشخصية -مشاكل عائلية وعلاقات جنسية- تتحول إلى شأن عام يشارك رجال القرية كلهم في اتخاذ القرار اللازم بشأنه ومن ثم تنفيذه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الأشخاص هنا ليسوا مجرد أشخاص يتحملون نتائج أفعالهم فحسب، ولكنهم يمثلون قيمًا مطلقة وطوائف دينية، فيصبح على المسيحيين في القرية أن يدفعوا ثمن الخيانة وكأنهم جميعًا تناوبوا على المرأة المسلمة.

قتل المساحات الشخصية

تغيب إنسانية المرء لصالح مجموعة من القيم، فنحن لم نعد بصدد الحديث عن إنسان يكوّن وعيه ويصيغ اختياراته، ولكنه صار مُلزمًا، من صغره، أن يكون ممثلًا لقيمٍ معينة لا يحيد عنه.

في رمضان الماضي عُرِض مسلسل "هذا المساء". تتشابك الأحداث في المسلسل ضمن خطوط أساسية، كان أحدها علاقة صداقة جمعت في حي شعبي بين "سوني" و"سمير" و"تريكة"، الذين كانوا يملكون محلًا لتصليح الهواتف المحمولة، ودأبوا على التجسس على أصحابها، بينما منح "سوني" لنفسه الحق في استغلال أسرار هؤلاء الناس ضدهم وابتزازهم.

كان "سوني" يصدّق نفسه تمامًا وهو يمارس جرائم الابتزاز مع النساء اللائي يخُنَّ أزواجهنِّ، ويستحل ذلك باعتبارهن "نسوان شمال"، تمامًا كالمجتمع وهو يصدر أحكامه وينفذها على من يحيدون عن جادة صوابه، ولكن ذلك لم يكن أهم ما في الموضوع.

بتوالي المشاهد بين الأصدقاء الثلاثة، فإننا نلحظ أن حدود المساحات الشخصية بينهم غائبة، ويمارس الواحد منهم مع الآخر أدوارًا أبوية ويتخذ بالنيابة عن صديقيه القرارات التي يراها صائبة وأصلح لهما، وذلك كله، يأتي مستندًا إلى عادات وتقاليد الحارة المصرية حيث "الشهامة" و"الرجولة" والالتزامات التي تفرضها، بحسب هذه الأعراف، روابط هذه الصداقة.

هذه الأبواب المفتوحة دائمًا بين الجيران يمكن النظر إليها من زاوية الحب والوفاء والترابط وطالما قُدمت لنا دراميًا باعتبارها "أخلاق الحارة المصرية" الحميدة، ولكن من زاوية أخرى فإن هذه النوعية من العلاقات تدمّر إحساس المرء بخصوصيته وبالخطوط الفاصلة التي يجب ألا يتعداها أحد، وتقتل كل قيم المساحات الشخصية وتلغي قدرة الإنسان على التمييز ما هو خاص به وما هو عام يصح أن يدلي الآخرون فيه بدلوهم.

مسلسل هذا المساء لم يكن إلا تجسيد وانعكاس لواقعٍ، إنه نفس الواقع الذي حوّل أزمة بين رجل وزوجته إلى معركة حامية الوطيس تدخل فيها كل المعارف استنادًا إلى روابط الصداقة والأخوة، لأن الحدود الفاصلة بين الشخصي والعام غائبة، ولأن التصرفات لم تعد تخص من قاموا بها بل تجاوزتهم إلى ما هو أبعد.

وبتوالي الأجيال وترسّخ هذا النمط من علاقات الصداقة المشوهة والمستندة إلى تقاليد وعادات بالية، ذابت قدرة قطاع كبير من المصريين على التمييز بين ما هو خاص وشخصي لا ينبغي أن يخضع للمساءلة وبين ما هو عام يخص علاقة الإنسان بمن حوله، وبات الحفاظ على شكل وانطباعات معينة في عيون وأذهان الأهل والجيران أمر لا مفر منه، ويأتي، غالبًا، على حساب اختيار كل إنسان لنمط الحياة الذي يناسبه والتسليم بحق الآخرين كذلك في ممارسة هذا الاختيار.

هنا تغيب إنسانية المرء لصالح مجموعة من القيم، فنحن لم نعد بصدد الحديث عن إنسان يكوّن وعيه ويصيغ اختياراته ويحيا بالصورة التي تناسبه ويختارها لنفسه ويرتاح إليها، ولكنه صار مُلزمًا، من صغره، أن يكون ممثلًا لقيمٍ معينة لا يحيد عنها، فهي الصواب وعداها خطأ، لم يعُد إنسانًا ولم يخض ما ينبغي من تجارب ولم يجرّب متعة التعلّم من الخطأ ولم يصغ لنفسه شخصيته المتفرّدة وفقد قدرته على التصالح مع تناقضاته، أصبح مجرد بوقٍ يردد بعض الشعارات ويظهر للآخرين أنه يلتزم بها.

أصابتنا لعنة التنميط.

حدود الخاص والعام

هذه مسألة شائعة في مصر، إذ تتحول سلطة الإنسان على جسده من حق فردي أصيل إلى ممارسة تخضع لشروط وضوابط محددة يضعها المجتمع استنادًا إلى معاييره المستمدّة من النصوص المقدسة أحيانًا والأعراف المتوارثة أحايين أخرى.

من البديهيات المستقرة أن للإنسان حرية مطلقة في اعتناق ما شاء من أفكار دينية أو سياسية أو غير ذلك، وله كذلك حرية مطلقة في التعبير عن هذه القناعات ما لم تتضمن هذه الأفكار تحريضًا على كراهية أشخاص آخرين بسبب انتماءاتهم الدينية أو الفكرية أو الإثنية.

ومستقر أيضًا أن للإنسان حريّة مطلقة في تحديد هويته الجنسية، وميوله وتفضيلاته في هذا الصدد، وأن هذه الهوية وهذه الميول لا ينبغي أن تخضع لأي رقابة أو مراجعة طالما كان الفرد بالغًا ناضجًا كامل الأهلية، وله الحق أيضًا في إعلان هذه الهوية وكشف هذه الميول دون أن يرتب هذا الأمر أي ملاحقات قانونية أو أن يؤدي إلى نبذ مجتمعي ووصم أو تمييز في المعاملة.

ولكن في مصر فإن الأمر يختلف كثيرًا، فاعتناق أي دين عدا الأديان الإبراهيمية الثلاث والمجاهرة بهذه القناعات قد تنتهي بصاحبها إلى السجن، وستضعه بالضرورة في دائرة النبذ المجتمعي الذي قد يتطور إلى اعتداءات بدنية، بل إن اعتناق أي دين عدا الإسلام في نسخته السًّنّية قد تؤدي بأصحابها إلى بعض المتاعب التي تبدأ بالتمييز في الوظائف والفرص وتنتهي أحيانًا بالقتل، بعد أن تمر بمراحل الاعتداءات البدنية الجماعية وحرق المنازل والاعتداء على دور العبادة والتهجير القسري.

أما ممارسة الإنسان سلطته على جسده بالكيفية التي يرتضيها لنفسه فإنها قد ترتّب أيضًا بعض الأمور السيئة، والأمر هنا لا يتعلق فقط بكشف ميول جنسية أو الإعلان عن ممارسات لا يرتضيها المجتمع، فعلى نطاق أقل وطأة من ممارسة الجنس، يرتّب ارتداء النساء ملابس معيّنة وضعهنّ تحت طائلة أمرين متناقضين، الأول هو الوصم الأخلاقي الاستعلائي وتصنيفهن كمنحرفات، والذي يؤدي بهن إلى الأمر الآخر وهو الاستباحة التي تبدأ بالمضايقات اللفظية وتنتهي بالاغتصاب.

وهذه مسألة شائعة في مصر، إذ تتحول سلطة الإنسان على جسده من حق فردي أصيل إلى ممارسة تخضع لشروط وضوابط محددة يضعها المجتمع استنادًا إلى معاييره المستمدّة من النصوص المقدسة أحيانًا والأعراف المتوارثة أحايين أخرى، ويشرف المجتمع نفسه، ممثلًا في الأهل والأقارب والجيران وزملاء العمل وأصدقاء الطفولة وغيرهم، على تطبيقها والتزام المرء بها وإيقاع العقاب بمن يحيد عن الطريق المرسوم له.

ويستخدم المجتمع في هذا الشأن أدوات وأساليب عدّة لمعاقبة من يحيد عن الخط المرسوم، كالتضييق والحصار والنبذ والوصم والتحريض على الاعتداء وممارسة العنف، وهي أساليب أكثر بطشًا في كثيرٍ من الأحيان من الملاحقات القانونية، حيث تُكيّف الممارسات المثلية باعتبارها "حضًا على الفسق والفجور"، لأن قانون العقوبات المصري لا يُجرِّم صراحة المثلية الجنسية، ولكنّه يجرّم "الحض على الفجور"، ليستقر في عقيدة القضاء المصري أن الممارسات المثلية تندرج في إطار هذا "الحض".

على الجانب الآخر، وكما أن المجتمع يعمم مسائل شديدة الخصوصية، فإنه في المقابل يخصص أمورًا عامة، فنجد على سبيل المثال، مواطن يثور ويعبّر عن امتعاضه الشخصي والذاتي لتواجد آخرين مخالفين له في المجال العام الذي هو بالأساس حق لجميع المواطنين، ليفرّخ لنا هذا التشوّه المجتمعي حالات مواطن أثار تواجد مثليين في حفلٍ موسيقيين غضبه فقرر ملاحقتهم ومضايقتهم وإرهابهم وإخراجهم من المجال العام، مثلما ثار مواطن آخر وغضب لأن مسيحيين في الحي الذي يقطن به يقيمون صلاتهم في منزل أحدهم دون أن يحمل ترخيصًا لهذا الأمر.

أصبحت الميول الشخصية شأنًا عامًا، وبات المجال العام خاضعًا للأهواء الشخصية لبعض الغاضبين.

عالم اليونفيورم

في أغلب الدول العربية، والاشتراكيات السابقة، والديكتاتوريات العسكرية، يصطف التلاميذ قبل بدء الحصص المدرسية في فناء المدرسة، يرتدون زيًا موحدًا، يُحيّون بحماس مفترض العلم ويهتفون باسم الوطن، تحرق الشمس جباههم البضّة وتختلط حبات العرق بآثار النوم المترسبة في الأعين بينهما تصدح الحناجر "يحيا الوطن".

يا لهم من أطفال رائعين، ممتلئين بالوطنية، إنهم تجسيد حي للنظام، يقفون صفوفًا مرتّبة ويرتدون ملابس واحدة، لا تكاد تميّز أحدهم عن الآخر، كلهم جنود يحصلّون العلم من أجل رفعة الوطن، لا مكان هنا لمن يريد تحقيق مجده الشخصي أو خلق تجربته المميزة، هؤلاء ليسوا آحادًا من الناس، بل جنود متراصين في خدمة الوطن، الإنسان دائمًا يقف لخدمة هدف أسمى من كونه إنسانًا.

قتل رغبات الطفل في التعبير عن نفسه من خلال منحه الفرصة أن يرتدي الألوان التي يفضّلها والملابس التي يحبها بين أصدقائه ومُدرّسيه، وغيرها من النظم الصارمة شبه العسكرية التي تنتهجها المدارس خاصة الحكومية مع الطلاب، تجفف آخر منابع التفرّد والتميّز لدى الإنسان وتعزز دوره الاجتماعي كمجرد حاملٍ لمجموعة من القيم عليه تمثيلها بإخلاص.

في آخر الأمر وبنظرة أكثر شمولًا، فإن المجتمعات التي دأبت على تنميط أبنائها، ووضعهم في صفوف متراصة، بملابس موحدة، يتناولون نفس الوجبة كل يوم، وتنتهك حياتهم الخاصة بشكلٍ ممنهج من الأهل والأصدقاء والجيران، ويتعلمون بصرامة الفرق بين الصواب والخطأ ويُحرمون من التجربة والتعلّم وتحمّل المسؤولية، تعيد إنتاج جنودًا غاضبين متنمرين يساهمون بقوة في تنميط الناس وتأميم المجال العام وإدراج الرغبات الشخصية والتفضيلات الإنسانية الخاصة في خانة الشأن العام.

الفرد المقدّس والنص المقدّس

يبدو عصيًا على الفهم أن تطالب الأغلبية في مناسبات عدة من جميع من يخالفوها حول العالم باحترام نصّها المقدس، بينما هي تحاول فرضه وفرض أحكامه جبرًا على غير المؤمنين به.

تتجاوز المشكلة في جوهرها حق المثليين أو التمييز ضد المسيحيين إلى صراع حقيقي حول المجال العام.

يستند المجتمع في حالات التنمر والتحفز والغضب والعداء الموجهين ضد كل من يخرج عن الخط المرسوم ويختار ميولًا أو توجهات أو معتقدات مخالفة، إلى نصوص مقدسة يشهرها في وجه الجميع، ويعتبر أن حقه في تطبيقها على الآخرين مقدّم على حقوقهم في اعتناق ما يشاؤون من أفكار أو يمارسون ما يختارون من سلوكيات.

يدفع البعض بأن حرية الآخرين تقف عند انتهاك حرمات الله والجهر بالكبائر فهذه أمور تتجاوز نطاق حرية الأفراد، فهو مُلزم وفقًا لنصّه المقدس أن يُجبر الجميع على احترام أحكام نصّه الديني ولو لم يكونوا مؤمنين بهذا النص.

هذه المساعي إلى تأميم المجال العام، ووضع قواعد صارمة تحكم التواجد فيه وتلزم من يريد التماس الأمن أن يطرح جانب أي تفضيلات أو ميول أو معتقدات لا تناسب مزاج الأغلبية المستمد غالبًا من النص المقدس، تكشف أولًا تناقضًا منطقيًا لدى الأغلبية وتضع المجتمع ثانيًا أمام "صدام قداسات" حتمي.

فمن ناحية، يبدو عصيًا على الفهم أن تطالب الأغلبية في مناسبات عدة من جميع من يخالفوها حول العالم باحترام نصّها المقدس، وعدم الإساءة إليه أو السخرية منه أو التقليل من شأنه أو تناوله بالسوء، بينما هي تحاول فرضه وفرض أحكامه جبرًا على غير المؤمنين به.

ومن ناحية أخرى، فإن "صدام القداسات" آتٍ لا محالة بسبب التباين في التعاطي مع المجال العام بين من يعتقدون أن المجال العام ملك للأغلبية يفرضون فيه على الكل قناعاتهم ومقدساتهم، وبين النظرة الأخرى التي تمنح الكل حقوقًا متساوية، فمن شاء الالتزام بأحكام مقدساته فيما يخصه، ويخص معتقداته وجسده ونمط حياته وسلوكياته فليكن، ولكنه لا يملك الحق في إلزام الآخرين بهذه الأحكام.

سيبقى الصراع محتدمًا بين من يرفعون في وجه "الآخر" نصوصهم المقدسّة ويحاولون إلزامهم بها، وأولئك الذين يتمسكّون بقدسية إنسانيتهم وتفرّدهم، وامتلاكهم زمام أفكارهم ومعتقداتهم وأجسادهم، وهم على يقين أنه في أي زمنٍ مضى لم يحدث أن انتصرت قدسية النص على قدسية الإنسان.