حادث النيل هيلتون.. جرائم ما قبل الثورة

الفيلم هو بلا شك علامة مميزة للسينما العربية لهذا العام، فرض نفسه على الساحة العالمية و تناولته الصحف العالمية بالمدح والتقدير. شهادة وثقت للقاهرة أيام قبل اندلاع ثورتها.

كثر الحديث عن الفيلم السويدي الناطق بالعربية "حادث النيل هيلتون" خاصة بعد رفعه من جدول عروض بانوراما الفيلم الأوروبي التي تجري هذا الشهر، مما أوحى بأن الرقابة المصرية رفضت عرضه وإن لم يذكر تأكيد رسمي عن ذلك. ولكن بعد أيام انتشرت نسخة مقرصنة للفيلم على صفحات الإنترنت، وتم تداولها بشكل واسع بين أوساط المهتمين بالسينما في مصر والعالم العربي، في دليل جديد على عدم جدوى الممارسات الرقابية في هذا العصر.

كنت من المحظوظين الذين شاهدوا الفيلم في إحدى سينمات نيويورك المهتمة بالأفلام غير الأمريكية في أغسطس/آب من العام الماضي. إنها متعة خاصة حين أشاهد فيلمًا عربيًا في صالة عرض أمريكية، لا أحتاج لقراءة الترجمة مثل المشاهدين من حولي، كما أتمتع بميزة فهم (الإفيهات) اللتي تفقد معناها إن تُرجمَت. امتلأت القاعة بالجمهور، أغلبهم من شرائح عُمرية كبيرة، أظلمت القاعة وتأهبت للرحلة الي مدينتي الأم، القاهرة.


يبدأ الفيلم بتعريف للشخصية الرئيسية، نور الدين، المقدم بقسم شرطة قصر النيل. نور الدين لا يشبه أي ضابط شرطة مصري نمطي ممن شاهدناهم على الشاشات. نور الدين هادئ، قليل الكلام ولا يُكثر التعبير بوجهه، غامض ومن البداية تشعر أن وراءه تاريخ مثير مجهول. أثر هذا الغموض على موقفي من البطل، فنحن لا نعرف هل هو طيب أم شرير أم الاثنين معًا، وكان هذا الانطباع مفيدًا في رأيي لتستقبل أحداث الفيلم الأخرى بدون انحيازات مسبقة.

ينشغل نور الدين بالتحقيق في جريمت قتل جرت في إحدى غرف فندق "النيل هيلتون" في يناير/كانون الثاني 2011، قبل الثورة بأسبوعين أو ثلاثة. جريمة القتل شبيهة الى حد كبير بحادث مقتل الفنّانة سوزان تميم بأمر رجل الأعمال المُقرب من السُلطة آنذاك هشام طلعت مصطفى.

تأخذنا خيوط حادثة القتل لأفكار و موضوعات أخرى هي أصلًا لُب الفيلم، وكان المخرج موفقًا جدًا في اختيارها وربطها وعرضها في إطار حادثة القتل. تعري الخيوط الكثير مما هو مدفون من فساد الطبقة العليا وتواطؤ السلطة واشتراكهم في ظلم وقهر الطبقات الفقيرة في محيط عام يسوده التشاؤم واليأس. ولا يحتاج المشاهد الكثير من الفطنة ليتوقع قيام ثورة تطالب بالعدالة والكرامة.

مخرج الفيلم طارق صالح، هولندي من أصول مصرية، اشتهر في البداية كفنّان جرافيتي في التسعينيات بالسويد، عمل أيضا كمذيع تلفزيوني و منتج و فنّان تحريك، حيث أنتج فيلم تحريك أمريكي من إنتاج تريبيكا برودكشن عام 2009 بعنوان Metropia. ويُعد "حادث النيل هيلتون" العمل السادس في مشواره.

حصد الفيلم جائزة لجنة التحكيم الكُبرى (سينما العالم) بمهرجان صندانس الأمريكي المرموق في يناير 2017. وافتُتح الفيلم عالميًا بعدها بنحو ستة أشهر بفرنسا. كما لاقى الفيلم نجاحًا جماهيريًا جيدًا بالولايات المتحدة حيث عُرض ببعض دور العرض المهتمّة بالأفلام العالمية في عديد من الولايات.

تم إدراج الفيلم ضمن جدول عروض بانوراما الفيلم الاوروبي في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ولكن سرعان ما أعلن منظمو البانوراما اضطرارهم لسحب الفيلم لأسباب خارجة عن إرادتهم. سابقة تذكرنا بمصير الفيلم البديع "آخر أيام المدينة" لتامر السعيد.

لم أتمكن من تصنيف الفيلم، هل هو مصري أم سويدي. كل ما على الشاشة ينطق بالعربية؛ الكثير من أسماء التيترات ليست عربية، المخرج أيَصا سويدي ذو اسم عربي، والفنيات بشكل عام (التصوير، الإضاءة، الألوان، الديكورات) متقدمة جدًا عن الأفلام المصرية. الفيلم أيضًا من الأفلام النادرة الناطقة باللهجة المصرية التي يسب الأبطال فيها سبابًا مصريًا نابيًا خالصًا (يشمل الأعضاء التناسلية و ما إلى ذلك)، بالإضافة إلى مشهد تظهر فيه ممثلة عارية الصدر تمامًا، و هذا ليس بالمألوف في الأعمال السينمائية المصرية إنتاج السنوات الأخيرة.

شعرت و أنا أُشاهد الفيلم بنزعة (أجنبية/ إستشراقية) كفيلم أجنبي تم تصويره في مصر ولكن سرعان ما تأخذني الحوارات و الأجواء مجددًا لأجدني أمام فيلم مصري جدًا. تلك الحالة المتذبذبة أثرت على تجربة تلقيّ للفيلم إذ صنعت لديّ حاجزا ما، تجد مشاهد للقاهرة تم تصويرها في المغرب، مشاهد أُخرى تم تنفيذها بإتقان شديد فبدت وكأنها فعلًا وسط البلد.

الفيلم هو بلا شك علامة مميزة للسينما العربية لهذا العام، فرض نفسه على الساحة العالمية و تناولته الصحف العالمية بالمدح والتقدير. شهادة وثقت للقاهرة أيام قبل اندلاع ثورتها وكما هو متوقع قابلته السلطات المصرية بالمنع والتضييق.