"من البروتين للكيرلي".. رحلة تقبل الذات

اختلاف معايير الجمال صاحبه اختلاف أيضًا في الذوق العام، ولكنه هذه المرة اختلاف في صالح المرأة.

استيقظت نرمين، البالغة من العمر 28 عامًا والتي تعمل بأحد البنوك، في السادسة صباحًا استعدادًا لبدء روتينها اليومي قبل ذهابها للعمل، الذي يبدأ في تمام التاسعة، وتستغرق ما يقرب من ساعة ونصف في الطريق وصولًا إليه. أما الوقت المتبقي فتقوم خلاله بتصفيف شعرها، ووضع الماكياج، حتى أصبح الأمر بمثابة روتين يومي. إلا أنها قررت اليوم كسر هذا الروتين عملًا بنصيحة صديقتها في العمل، التي أكدت لها أن الشعر المجعد أصبح ضمن صيحات الموضة الجديدة، فوقفت أمام المرآة، وقررت عدم استعمال المكواة الكهربائية في فرد شعرها، وهو الأمر الذي كانت تقوم به كل صباح، وخرجت بشعرها المجعد "الكيرلي" للعمل.

محمد زين، مصفف شعر، قال إن النساء، في السنوات الماضية، كن يترددن على صالونات تصفيف الشعر لفرد الشعر، حتي ظهر "البروتين والكيراتين"، وهي مواد توضع على الشعر، وتعمل على فرده لفترة طويلة، إلا أنه مؤخرًا بدأ يتراجع هذا الأمر، وأصبحت السيدات تبتعد عن فرد الشعر، وتخرج بشعرها الطبيعي المجعد، بل وصل الأمر لقيام صاحبات الشعر الأملس بتجعيده في صالونات تصفيف الشعر، حتي أصبح الشعر الكيرلي في المقدمة.

كانت هبة علي، الطالبة جامعية تقوم بفرد شعرها باستخدام مادة "البروتين" بصفة مستمرة، منذ أكثر من عامين، الأمر الذي كان يكلفها مبالغ طائلة، إلا أنها بدأت تجني أثاره السيئة الآن، فبدأ شعرها في التساقط والتلف المستمر، فقررت البعد عن فرده بالبروتين، والاهتمام به بالطرق الطبيعية، واستخدام الزيوت للعناية به، وتقبل شكله الكيرلي بدلًا من فرده بمواد ضارة من ناحية، وباهظة الثمن من ناحية أخرى.

معايير أخرى للجمال

وضع الكثير من مساحيق التجميل كان نظامًا تتبعه كثير من السيدات، لإبراز جمالهن، إلا أن هذا الأمر اختلف الآن، وأصبح الجمال في البساطة، كما توضح نورا شرف (23 عامًا)، التي قالت إنها أصبحت لا تضع الكثير من مساحيق التجميل، وتكتفي بوضع "الكحل والماسكرا" فقط، بعكس ماكانت تفعله في الماضي. وذلك هو حال كثيرات غيرها، حتي أصبح هذا الأمر بمثابة النظام المتبع بينهن، خاصة بفترة النهار أثناء الخروج للعمل أو الجامعة أو النادي مثلًا.

من المتعارف عليه حضور الأفراح والمناسبات بملابس "السواريه" للسيدات، والتي يصحبها دائما أحذية ذات كعب عالي، ولكن مؤخرًا اختارت فتيات كثيرات، وخاصة من صغيرات السن، ارتداء "كوتشي" علي الملابس السواريه، حتي أصبح الأمر بمثابة "تقليعة"، تحولت لخط جديد من خطوط الموضة، تبنته فتيات عدة في أفراحهن، واستغنوا عن الأحذية ذات الكعب العالي.

معايير الجمال كانت وما زالت في تغير مستمر، وقد طالت مؤخرًا، الوزن المثالي، فعند تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، تجد صفحات تحمل صور سيدات "كيرفي" (صاحبات الجسم الممتلئ)، كما يطلق عليهن، حتى أصبح هذا الشكل من الجسد هو المميز والمعبر عن الجمال، بعيدًا عن المقاييس التي كانت تتبعها النساء، في الماضي، للحصول على جسد رفيع، واتباع أنظمة مختلفة من "الدايت" لإنقاص الوزن، بل وأصبحت هناك صفحات لتقديم الملابس المناسبة لصاحبات الجسد الكيرفي للظهور بالإطلالة التي يحببنها.

قرار نرمين، وغيرها من الفتيات، لم يكن فقط اتباعًا ﻵخر صيحات الموضة، ولكنه كان بمثابة تقبلًا للنفس والشكل، وهو الأمر الذي انتشر بين الكثير من السيدات، باختلاف أعمارهن، وهو ما يقودنا لاختلاف معايير الجمال في الشكل والملبس وأيضا التفضيلات الجسدية. فاختلاف معايير الجمال صاحبه اختلاف أيضًا في الذوق العام، ولكنه هذه المرة اختلاف في صالح المرأة؛ فبعد أن كانت محصورة في شكل وقالب معين للسيدة الجميلة، صاحبة الشعر الأملس، والقوام الرفيع، بملابس رسمية، أصبحت تميل لطبيعتها، دون جهد منها للحصول على شكل مثالي، فأصبحت غير مطالبة بزيارة صالونات تصفيف الشعر بشكل مستمر، أو التردد على عيادات التجميل بشكل دوري.

"مبقتش محتاجة أعمل مجهود علشان أبان حلوة في عيون الناس .. أنا كدا وعجباني"، تقول أمنية أشرف (24 عامًا) والتي تعمل بمجال العلاقات العامة في إحدى شركات السياحة، والتي أوضحت خلال حديثها أن الأمر تعدى اتباع صيحات الموضة، أو اختلاف معايير الجمال، وصولًا لفكرة تقبل الإنسان لذاته ولجسده بشكله الحالي، واتباع نظام صحي متمثل في الابتعاد عن استخدام الحرارة العالية في فرد الشعر مثلًا، أو ارتداء ملابس أو أحذية غير مريحة للظهور بشكل أفضل.

وتابعت أشرف قائلة: "مش علشان أنا بنت يبقي لازم أفضل أحرق في شعري وأكويه، وألبس كعب عالي يقطم ضهري، وأبوظ وشي بمكياج طول الوقت ... أنا كدا حلوة، ومش هبذل مجهود علشان أبقي أحلى بالعافية".

مصدر الصورة: Skorch Magazine

إنه الاقتصاد

هناك دور للأسباب الاقتصادية، فأسعار معظم منتجات العناية بالبشرة والشعر أو مساحيق التجميل في ازدياد مستمر، كما قالت نرمين، والتي أوضحت أن ارتفاع الأسعار كان سببًا قويًا لعزوف قطاع كبير من الفتيات والسيدات عن استخدام تلك المواد، والعودة للطرق الطبيعية، بحسب وصفها، خاصة وأن المنتجات الجيدة باهظة الثمن، أما المنتجات رخيصة الثمن فلا تحظي بجودة عالية، بل تتسبب في مشاكل صحية للبشرة والشعر.

لعبت مواقع التواصل الاجتماعي هي اﻷخرى دورًا، فبعد انتشار العديد من الصفحات التي تدعو للبعد عن استخدام مواد ضارة للشعر أو البشرة والاعتماد على الطرق الطبيعية، تزايد عدد الفتيات والسيدات المقبلات عليها بكثرة. وأبرز تلك الصفحات مجموعة "curly girls egypt" (مجموعة مغلقة)، والتي أشرفت عليها مجموعة من الفتيات، شرحن بطريقة مبسطة كيفية الاهتمام بالشعر الكيرلي بصفة خاصة، والاهتمام بالشعر بصفة عامة، بعيدًا عن فرده أو استخدام مواد ضارة، وقمن بوضع قائمة بالمنتجات الممكن استخدامها، والتي لا تتضمن في تركيباتها موادًا ضارة، كالسلفات الموجودة بأغلب الشامبوهات وكريمات الشعر. كما قمن أيضا بتوضيح سعر المنتجات، والاعتماد على المنتجات ذات الأسعار البسيطة لكي تكون في متناول الجميع.

للرجال رأي

يرى الرجال مفهوم الجمال بشكل نسبي، وما زال قطاع كبير منهم يرون المرأة الجميلة بالمفاهيم المتعارف عليها؛ كصاحبة القوام الممشوق والشعر الأملس والبشرة البيضاء، كما قال محمد أشرف (26 عامًا)، مشيرًا إلى أن المرأة لا بد وأن تهتم بمظهرها، طيلة الوقت، وتحافظ على جسدها، وتصفف شعرها بشكل مستمر، حتي يراها جميلة، أما صاحبات الشعر الكيرلي، فيراهم بحسب وصفه "منكوشات".

أما علي طه (22 عامًا) طالب جامعي، فله رأي آخر، فهو يرى أن المرأة بصورتها الطبيعية أجمل بكثير، فهو محب لصاحبات الشعر المجعد بشكله الطبيعي، موضحًا أن المرأة عليها تقبل نفسها وشكلها حتى يراها الآخرون جميلة. أما إذا فقدت الثقة بنفسها، فسوف يظهر هذا الأمر عليها، حتى وإن ذهبت يوميًا لأكبر صالونات التجميل، فالجمال يبدأ من الداخل.