المخرج الأمريكي كوينتن تارانتينو يتمرد على الجميع عبر الكاميرا

"الحاقدون الثمانية".. تارانتينو يقول "طظ" في الأوسكار

يبين تارانتينو في هذا الفيلم حقيقة أخرى لأمريكا، حيث يسود العنف والعنصرية وعدم التسامح تاريخها في القرن التاسع عشر.

في فيلمه الجديد "الحاقدون الثمانية The Hateful Eight" يستمر المخرج والمؤلف كوينتن تارانتينو في كسر القواعد السينمائية ليخرج بذلك لسانه للجميع وأولهم أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة التي تمنح جوائز الأوسكار ويجعلنا جميعا نجلس قليلا (في هذا الفيلم نجلس طويلا، لأن مدته تقترب من الثلاث ساعات) لنشاهد ونفكر: لماذا لا يكسر صناع السينما الآخرين قواعدها مثلما يكسرها هذا المخرج الذي لا يريد أن يخرج من مرحلة الشباب والتهور رغم بلوغه 52 عاما؟


وفي النقاط التالية نبين كيف كسر تارانتينو القواعد مرة أخرى في فيلمه الجديد:

أولا: في هذا الفيلم يعود تارانتينو بنا إلى حبكات ألفريد هتشكوك البسيطة وهو أمر تخطته السينما منذ عقود، وتميل الآن إلى تعقيد الحبكات خاصة في الأفلام ما بعد الحداثية التي عرضت بنهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين مثل أفلام The Usual Suspects لبراين سينجر وSe7en لديفيد فينشر وMemento لكريستوفر نولان. وبذلك فتارانتينو يقدم فيلما ذا حبكة هيتشكوكية/ حداثية ولكن بمضمون ما بعد حداثي. لا يهتم بالقضايا الحداثية التي كان يناقشها هيتشكوك في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ثانيا: الفيلم أيضا خليط من الأنواع؛ فهو فيلم إثارة وجريمة وغرب أمريكي ينهل من أفلام جون فورد Stagecoach وسيرجي ليون The Good, the Bad and the Ugly ولكنه يجمع بين الجدية والسخرية التي يتسم بها المخرجان، وعلى الرغم من أنه فيلم ينتمي إلى الغرب الأمريكي إلا أننا لا نشهد أي معارك حقيقية في الفيلم. وكيف يمكننا أن نشهد أي معارك ونحن محبوسون مع أبطال الفيلم داخل استراحة على الطريق معزولة عن العالم بسبب عاصفة ثلجية جمدت حتى تمثال المسيح المصلوب المنتصب في اللا مكان. والأغرب هو أن أول رصاصة تخرج من مسدس أحد الأبطال لتودي بأحدهم قتيلا تأتي بعد أكثر من 100 دقيقة من بداية الفيلم والأكثر غرابة أن من يطلقها ليس برجل يحمل مسدسين على جنبيه أي ليس بكاوبوي (راعي بقر) بل – إذ صح هذا الوصف - كاوجيرل (راعيةبقر)!

ثالثا: فاجأ تارانتينو الجميع بلا استثناء، وربما آثار سخطهم، حينما استخدم عدسة 70 ملليمتر (Ultra Panavision 70) في فيلم تدور 95% من أحداثه بداخل استراحة على الطريق - وكأنه فيلم تليفزيوني - وهو ما جعل استخدام العدسة لا ينطبق بتاتا على الاستخدام الأمثل والمعتاد لها. فهذه العدسة يتم استخدامها في الأفلام الملحمية مثلBen-Hur لويليام وايلر وThe Greatest Story Ever Told لجورج ستيفنز وThe Fall of the Roman Empire لآنطوني مان وأفلام الغرب الأمريكي مثل How the West Was Won لجون فورد وThe Hallelujah Trail لجون ستورجس حتى تبين كل التفاصيل وتبين رقعة أكبر من الطبيعة الخلابة بغرب الولايات المتحدة، أو المجاميع الكبيرة في الأفلام التي تتناول الحقبة الرومانية وأمريكا القرن الثامن عشر وهو ما خلا منه الفيلم. بل أن هذه العدسة كانت تستخدم في هذه الأفلام لتظهر للعالم مدى قوة الولايات المتحدة وما وصلت إليه من تكنولوجيا، ولكن تارانتينو في هذا الفيلم يبين حقيقة أخرى لأمريكا، حيث يسود العنف والعنصرية وعدم التسامح تاريخها في القرن التاسع عشر.

رابعا: اختار تارانتينو أيضا في هذا الفيلم – بخلاف أغلب أفلام الغرب الأمريكي – أن تدور أحداث الفيلم أثناء فصل الشتاء حيث الجليد يصل إلى الركبة وهو أمر نادر لم نشهده في تاريخ السينما سوى في حفنة من الأفلام مثل فيلم McCabe & Mrs. Miller لروبرت ألتمان.


خامسا: وأيضا وبخلاف أغلب أفلام الغرب الأمريكي نجد امرأة شريرة (ديزي دومرجو في دور متميز لجينيفر جيسون لي)، وهي شخصية رئيسية في الفيلم وتدور حولها كل أحداث الفيلم وهو غريب على أفلام الكاوبوي التي تعتمد على الرجل (خيرا أو شريرا) بينما تأتي النساء دائما في أدوار ثانوية ترفه عن البطل وتقف في ظله بخلاف أفلام جد قليلة للغاية مثل Forty Guns بطولة بربارا ستانويك وإخراج صامويل فولر و Johnny Guitar بطولة جوان كروفورد وإخراج نيكولاس راي وكلاهما من أهم المخرجين الذين تأثر بهما تارانتينو خاصة في أفلامهما التي أسست لنوع الفيلم نوار.

سادسا: أما كسر تارانتينو لقواعد السينما التقليدية بشكل عام فيتمثل في تقديم شخصيات الفيلم الثماني كشخصيات بغيضة لا يمكننا أن نتعاطف تماما مع أي واحدة منها، وهو ما يتجلى أيما تجلي في عنوان الفيلم.

سابعا: ولكن هل يتوقف تارانتينو عند كسر نوع محدد من الأفلام أو قواعد السينما؟ لا.. إنه يستمر في هدم كل شيء حتى التاريخ نفسه ليفككه ويعيد تركيبه من جديد حسب رؤيته هو، بل وأحيانا ما يزيفه ليحكي بذلك تاريخا متخيلا يأخذ بصمة تارانتينو وكأن التاريخ عمل فني يقوم الفنان هنا بمعارضته فنيا.

ثامنا: وعلى الرغم من أن المخرج يستعين في فيلمه الجديد بمؤلف موسيقى لأول مرة لتأليف الموسيقى التصويرية لفيلمه، وليس مجرد واحد من المؤلفين الموسيقيين، فلقد استعان بواحد من أكثر المؤلفين الموسيقيين تأثيرا فيه وهو الإيطالي إنيو موريكوني، إلا أنه طلب منه تأليف موسيقى أقرب إلى الرومانسية الحالمة منها إلى موسيقى أفلام الغرب - التي برع موريكوني فيها - لينصت المشاهد إلى موسيقى هادئة بينما يقتل أبطال الفيلم بعضهم بعضا بالرصاص في فيلم من أكثر أفلام تارانتيتو دموية.


أخيرا، يستمر تارانتينو في طريقه غير عابئ بأقرانه من صناع الأفلام أو نقادها أو حتى مشاهديها. يستمر في تجريبه، والأحرى لعبه، ليسلي ويرفه عن نفسه حتى قبل أن يسلي ويرفه عنا. وربما يكون أقرب مخرج لتارانتينو في هذا الأمر هو المخرج الإيطالي الشهير فيديريكو فيليني الذي أحدث نوعا فيلميا جديدا سمى باسمه حيث لا تنطبق عليه سمات أي نوع فيلمي من الأنواع المعروفة. وبالتأكيد يعرف تارانتينو نفسه مدى قربه وتأثره بفيليني، فالمخرج الذي قدم سبعة أفلام من قبل (باعتبار جزئي "اقتل بيل Kill Bill" فيلما واحدا) يعنون – بحس ساخر - فيلمه الثامن باسم "الحاقدون الثمانية" وهي لمحة يقلد فيها فيلليني الذي عنون فيلمه الثامن باسم "½8".