دولان يستعير وجه أمه

نحب أمهاتنا ولا ندرك عُمق هذا الحب، إلا عند الانفصال الأبدي.

ذهب الطبيب النمساوي سيجموند فرويد في إحدى فرضياته إلى أن رغبة الأم في إنجاب ذكر، منبعها بالأساس الرغبة في تعويضها عن عدم امتلاكها لقضيب ذكري، ويقول أيضًا إن الطفل في سن الرابعة يصل إلى الطور الأوديبي (نسبة لعقدة أوديب) بأن يقع في حب أمه.

في حين أن عالم النفس الأمريكي جون واطسون يقول إن الحب الأمومي خطِر جدًا، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية وعقبات وخيمة في مستقبل الابن.

يقول زافييه دولان، المخرج الكندي، عن أمه "نحن غير متوافقين على الإطلاق، على النقيض في كل شيء، لكن أمي حولي، في كل ما أكتب هي مصدر إلهام دائم غير منقطع بالنسبة لي، أحبها بكل كياني"، في كل أفلام دولان دائمًا يطالع البطل وجه أمه، وعلى اختلافهما الدائم، فهما يحبان بعضهما حبًا مَرَضيًا، أما صورة الأب فهي غائبة على الدوام.

أنا قتلت أمي

يبدأ فيلم "قتلت أمي"، إنتاج عام 2009، وأول أفلام دولان، بعبارة "نحب أمهاتنا ولا ندرك عُمق هذا الحب، إلا عند الانفصال الأبدي".

الفيلم شبه سيرة ذاتية. كتب دولان السيناريو في عمر السادسة عشرة، ونفذه في عمر الثامنة عشر. بدعم مادي من أصدقائه، بعدها سيتحول دولان من شاب عادي ينشر صور أصدقائه على مدونته إلى أحد أشهر المخرجين في العالم.

يُفتتح الفيلم بمشهد مُقرَّب "close up" على وجه الأم، يظهر الابن دولان ممتعضًا للغاية من صوتها وهي تلوك الطعام، لنتعرف على علاقة شديدة التعقيد بين ابن وأمه، لا تتضمن نقطة انسجام، علاقة مرسومة بحرفيّة بالغة من قِبل دولان، قوامها التشاحن، والصراخ والحب الديناميكي المتحرّك.

أوبير، أو دولان، علاقته بأمه شانتال أو (آن دروفال) شائكة مضطربة وملتبسة، كشاب مراهق له ميول مثلية، أناني، يعيش مع أم عزباء والتي كان عليها ترويض ابنها المراهق الوحيد الناقم دائم التذمر.

يتعاركان على كل شيء، صدامات يومية لا تنتهي، بينهما حب عميق لكنه حب بنبرة عدائية. فهو يقارن بينها وبين أم صديقه التقدمية، التي تعي أن ابنها مثلي الجنس، ولا تجد أي حرج في ذلك.

لا تصل العلاقة بينهما إلى نقطة وسط، لا تصل إلى أي نقطة، يخبر دولان أمه عندما تجبره على الذهاب لمدرسة داخلية، بمساعدة أبيه الذي يظهر بشكل عابر، ماذا ستفعلين إذا مت اليوم، تقول سأموت غدًا.


مامي

بعد خمس سنوات، نفّذ دولان في سن السادسة والعشرين فيلم "مامي"، وحصل به على جائزة لجنة التحكيم بمهرجان كان بالمشاركة مع المخرج الفرنسي جان لوك جودار.

من منظور آن دورفال، نفس المرأة التي قتلها في فيلمه الأول، صنع فيلم "مامي"، وبدا متعاطفًا مع الأم العزباء.

الابن (أنطوني أوليفر بيلون)، مصاب بمرض الـ ADHD أو متلازمة فرط النشاط وضعف التركيز، يفترض دولان في الفيلم أن كندا التخيلية تسمح للآباء أن يودعوا أبنائهم، الذين يواجهون صعوبة في التعلم أو العيش مع أقرانهم، في دار رعاية أشبه بالسجن في الحقيقة. يعود الابن مؤقتًا ليعيش مع أمه لتسببه في كارثة في دار الرعاية. تكوّن الأم وابنها علاقة صداقة مع إحدى جاراتهما (سوزان كليمون) لتساعدها الأخيرة في التعامل مع الشاب العدائي، غير الاجتماعي الخارج عن السيطرة.


لورانس علي أي حال

لا يرى دولان أن المخرج المثلي لا بد أن تكون كل أفلامه عن المثليين.

الابن في أفلام دولان دائمًا يتشكك في حب أمه له، في فيلم "لورانس على أي حال"، يشعر الابن لورانس بضرورة التحول لأنثى، ويسأل أمه "هل ستستمرين في حبك لي إذا ما صرت متحولًا؟"

في فيلم لورانس، كانت صورة الأم (ناتالي باييه) متوارية تحت ظل الزوجة (سوزان كليمون)، التي كان عليها التعايش مع رجل (ميلفيل بوباد) يعيش في ثياب امرأة، ودعمه في حربه ضد العالم، حتى فقدت نفسها في غمار حبها للورانس الذي يبحث عن هويته.

على الجانب الآخر يري دولان أنه ينبغي على جيله تجاوز مشكلات "زواج المثليين"، الفيلم أيضًا ليس عن التحول الجنسي، إنما هو قصة حب، فيلم عن الاختلاف علي حد قول دولان، أيضًا لا يرى دولان أن المخرج المثلي لا بد أن تكون كل أفلامه عن المثليين.


إنها فقط نهاية العالم

في فيلم"إنها فقط نهاية العالم" آخر أفلامه، وأكثرها هيستيرية، أراد الابن (جاسبارد أوليل) العودة إلى بيت أمه، ليخبرها أن حياته أوشكت على الانتهاء، واعتبرها رحلته الأخيرة، لأنه مصاب بمرض مميت، ولا نعرف لماذا ترك البيت من الأساس، يُفتتح الفيلم بأغنية دالة "Home where it hurts".

الأم (ناتالي باييه) في إنها فقط نهاية العالم، كالعادة مزعجة، دائمة الصراخ، ما إن تبدأ بالكلام حتي نستكشف عمق الفجوة بينها وبين أبنائها، ليست المسألة تباعد مكاني وإنما سوء تفاهم دائم.

علاقة الابن العائد من غياب بأمه علاقة مقتضبة، يجيبها دائمًا بابتسامة صغيرة، بكلمتين أو ثلاث مثل بطاقات البريد، كالعادة وككل أمهات دولان هي لا تفهمه إطلاقًا ولكنها تخبره أن لا شيء سوف ينتزع حبه من صدرها.


دولان الطفل المزعج

لو لم أحترف صناعة السينما لصرت رجلًا غاضبًا جدًا.

زافييه دولان

الصورة عند دولان دائمًا مزعجة، في فيلم "مامي" صوّر دولان الفيلم كاملًا بصورة غائمة كفلاتر إنستجرام، في "إنها فقط نهاية العالم"، اعتمد بصورة كبيرة على الصور المقربة أو الـ close up shoots بصورة موترة للغاية. أفلام دولان صاخبة وطفولية ممتلئة بالهستيريا مثل لوحات"باسكيه" وشخصياته متحررة الجنس لاهثة للحرية، دائمي الصراخ كأنهم في طريقهم للجنون.

دولان الملقّب بطفل "كان"، ولد لأب من أصول مصرية، يدعى تادرس دولان، وأم فرنسية كندية، بدأ عمله بالتمثيل من سن الرابعة، من خلال خالته التي تعمل بالإنتاج، واستمر عمله بالتمثيل حتى سن الثامنة.

يقول عن نفسه إنه بدأ ممثلًا، وسينتهي ممثلًا، لن يستمر في إخراج أفلام طوال حياته، فالتمثيل بالنسبة له شغف لا ينضب، لكنه يستنسخ أبطال منه، ليجسدوا شخصيات أفلامه، على حد قوله لكي لا ينعته أحد بالنرجسي، وهو الوصف الملاصق له منذ ظهر؛ لذا تبدو أفلامه في المجمل شديدة الذاتية، يقول أيضًا "لو لم أحترف صناعة السينما لصرت رجلًا غاضبًا جدًا أشبه بأنطوني المصاب بفرط النشاط وضعف التركيز".

دولان الذي تتمحور أفلامه حول العائلة يرفض هوليود، لأنه يفضل العيّش بجانب عائلته في كندا.

يرى النقاد أن دولان سوف يوضع بجانب "دوجلاس سيرك"، و"تود هينز"، و"فرانسوا أوزون"، وبالأخص "بيدرو ألمودوبار" كمخرج لأفلام تتمحور حول المرأة.