وثائق صلاح عيسى.. جرائم أمريكا وإسماعيل رابسو

من خلال المواد الموثقة عن عام 1970 في رواية صلاح عيسى، نري صورة مقربة ومليئة بالتفاصيل عن تلك الفترة تبدو أكثر قسوة وإحباطًا مما قد نعتقده عنها.

في روايته الوحيدة، "مجموعة شهادات ووثائق لخدمة تاريخ زماننا"، للكاتب والمؤرخ الراحل، صلاح عيسي، يظل التأريخ حاضرًا في الرواية؛ فهي تمزج بين الروائي والوثائقي. كانت الفكرة في البداية هي عرض قصاصات من الصحف والمحاضر والنصوص المختلفة، لتتكلم بنفسها، ولكنه أضاف لها فصولًا روائية لتمزج الرواية بين النوعين.

في هذا المقال نستعرض الوثائق الواردة في الرواية، وهي قصاصات من الجرائد الصادرة في عام 1970، وكذلك تجميع لكتابات من داخل دورات المياه العمومية في نفس العام. وهي الوثائق التي يمكننا من خلالها أن نرى مصر والعالم في عام 1970 بصورة أكثر صدقًا وقربًا مما تعرضه لنا كتابات التاريخ الرسمي والأفلام السينمائية، التي كثيرًا ما تصنع تاريخًا متخيلًا يظن من يقرأه أنه كان الواقع.

دواعش الجيش الأمريكي

يبدو العالم في عام 1970 مليئًا بالقسوة، كانت أمريكا تحتل فيتنام، وربما فاقت جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب التي يمارسها الجنود الأمريكيون في فظاعتها جرائم تنظيم الدولة الإسلامية، والتي يدعي البعض أنها غير مسبوقة في بشاعتها. كان القتل المعتاد للفيتناميين سياسة متعمدة في الجيش الأمريكي، الذي كافأ من يقتل أكبر عدد منهم بمنحه إجازة في هونج كونج أو أستراليا، وكان الجنود يتنافسون في ذلك إلى حد إخراج الجثث من القبور، ﻹضافتها إلى عدد من قتلوهم. كذلك يعترف أحد ضباط المخابرات الأمريكية بقيام طياري الهليكوبتر بإلقاء الأسرى الفيتناميين أحياءً من الطائرات، وأن رجال المخابرات كانوا يدخلون الأسياخ الحديدية في آذان الفيتناميين، أثناء التحقيق معهم، مما يؤدي إلى وفاتهم. هذا إضافة إلى المذابح الجماعية التي ارتكبها الجيش اﻷمريكي، ومنها مذبحة في قرية تدعى "ماي لاي"، وصل عدد ضحاياها الي 700 شخص من أهالي القرية، بما فيهم نساء وأطفال.

لم تقتصر العنصرية على تلك الجرائم، خارج اﻷراضي اﻷمريكية، بل امتدت داخلها، حيث ترفض إدارة مدافن تذكارية، دفن جندي أسود لقي مصرعه في الحرب، وذلك لأن المقابر مخصصة للبيض فقط.

عمال تراحيل وطرزان ورابسو

يعرض الكثيرون لهذه الفترة من تاريخ مصر، عامي 1969 و1970، باعتبار أن إنجازات جمال عبد الناصر في العدالة الاجتماعية قد استمرت فيها، بينما كان الشعب المصري يستعد لحرب أكتوبر، ويتم تصوير أن الشعب المصري كان يدًا واحدة متكاتفة من أجل المعركة.

تبدو الصورة من خلال قصاصات جرائد صلاح عيسي مختلفة بعض الشيء، فنقرأ عن حادثة لعمال التراحيل المتكدسين في سيارة نقل تنقلب بهم ليموت 9 ويصاب عشرين من بينهم قمر شعبان، التي مات شقيقها وأصيبت هي وشقيقها الآخر، حيث يعملون جميعًا في مقابل يومية 14 قرشًا.

حادثة أخري تعبر عن غياب العدالة الاجتماعية نوردها كما ينقلها عيسى في روايته: "في القاهرة قصت زوجة مهندس شعر الشغالة، وصنعت لنفسها منه باروكة. أمر إسماعيل حمدي وكيل النيابة بتسليم الشغالة لأهلها". (الأخبار-9 يونيو/حزيران 1970)

كذلك تدل بعض الأخبار على حالة من اليأس والقهر، ربما بسبب هزيمة يونيو، أو قمع نظام عبد الناصر، أدت ضغوطها إلى حالات من الجنون. مثل الشاب الذي ألقي نفسه من نافذة الدور الرابع بفندق شبرد عاريًا، وهو يصيح: "الله أكبر! أنا طرزان". أو الشاب الذي أخذ يصيح داخل أتوبيس 82 "أنا اسمي المسحوق رابسو" في محاكاة لإعلان تلفزيوني شهير في ذلك الوقت. وعندما طلب منه الركاب التوقف أخرج الشاب مطواة حادة لتهديدهم. وبعد توجه الأتوبيس للقسم وتحويله للنيابة، قال في التحقيق إنه من قادة الحركة النقابية ومظاهرات العمال في 1946، وأصر أن اسمه المسحوق إسماعيل رابسو، وتبين أن اسمه الحقيقي إسماعيل حسانين البهنسي، وعمره 38 سنة، وأنه سبق اعتقاله لقيامه بنشاط ضد أمن الدولة.

أيضًا تختلف الصورة الوردية التي يرسمها البعض عن "أمومة زمان" و"أمهات الزمن الجميل" عن الخبر الذي نشرته جريدة الجمهورية في 23 يوليو 1970، عن طفل، عمره 3 سنوات، ابتلع سبع حبات من عقار الهلوسة، أثناء نوم والدته، ليوجه لها البوليس تهمة تعريض حياة الطفل للخطر وحيازة المخدرات.

مد ديني وكبت جنسي

هناك مراد عامل النسيج، الذي يطالب من يقرأ بمنع زوجته أو أخته أو بنته من ارتداء الميني جيب والميكروجيب، حتي يستطيع الرجال الحرب بدلًا من (ضرب العشرات).

تنتشر النظريات التي ترجح انتشار "المد الديني" في مصر إما بسبب سياسات أنور السادات، وتحالفه مع الجماعات الإسلامية، أو لجلب المصريين تلك الأفكار مع عودتهم من بلاد الخليج في السبعينيات. ولكننا نلاحظ وجود بدايات لهذا المد في صحف عام 1970، قبل وفاة عبد الناصر، وهو ما يرجح بداية هذه الظاهرة على إثر هزيمة 1967. كما نرى في إجابة لجنة الفتوى بالأزهر، في جريدة الجمهورية، على قارئ متدين، كان يخرج مع فتاة صديقة لأسرته، وقام بإهدائها بعض الكتب الدينية، ومحاولة تعويدها على الآداب الإسلامية، ولكنه أحس بالذنب، على الرغم من أنه لم يحدث بينهما شيء. وأجابته لجنة الفتوي بحرمة الخلوة بين الرجل والمرأة، وبضرورة مقاطعة الفتاة.

على الجانب الآخر تبعث الفتاة المسيحية، إيزيس من شبرا، برسالة لمجلة آخر ساعة، في 25 يونيو 1968، لتحكي مشكلتها بعد أن رأت ملاكًا في المنام يقبلها، وهو ما اعتبرته رسالة لها، حتي تترك الدنيا وتدخل الدير، ولكن أسرتها ترفض تلك الفكرة وترغب في تزويجها، لذلك تطلب من المجلة أن توجه رسالة لوالدتها حتى تترفق بها وتتفهم رغبتها.

تحتوي الرواية كذلك على مجموعة من الكتابات الموجودة داخل دورات المياه العمومية، والتي تمثل تعبيرًا عن المكبوت داخل المجتمع، فبين من يوصي بأبو دومة صاحب جلسات المزاج والفرفشة بجوار كلوت بك، ومن يبحث عن شقة تكون بها دورة مياه خاصة وليست مشتركة، ومن يطلب عدم كتابة الكلام البذيء، ليرد عليه آخر بوصفه بابن الزانية. وهناك مراد عامل النسيج، الذي يطالب من يقرأ بمنع زوجته أو أخته أو بنته من ارتداء الميني جيب والميكروجيب، حتي يستطيع الرجال الحرب بدلًا من (ضرب العشرات)، ومن يحذر هواة الحشيش والنساء الجميلات من أن يكونوا جواسيس.

من خلال المواد الموثقة عن عام 1970 في رواية صلاح عيسى، نري صورة مقربة ومليئة بالتفاصيل عن تلك الفترة تبدو أكثر قسوة وإحباطًا مما قد نعتقده عنها، عندما نري صورًا من تلك لفتيات في الجامعة يرتدين الميني جيب، أو للأفلام الكوميدية التي انتشرت في تلك الفترة كطريقة للهروب من الواقع. ونعتبرها اليوم تعبيرًا عن (روقان) تلك الأيام، فالتاريخ مثل الشيطان، يكمن في التفاصيل.