ويكيبيديا
جيم كاري. صورة برخصة المشاع الإبداعي

جيم كاري.. قرد يحاول أن يفهم العالم

منشور الأربعاء 17 يناير 2018

كان والده كوميديانًا قرر العمل في وظيفة مستقرة، فاشتغل محاسبًا في إحدى الشركات التي سرحته فيما بعد، لتعيش الأسرة في ظروف مأساوية اضطروا خلالها إلى لعمل ليلًا في تنظيف أحد المصانع.

في ذلك الوقت كان جيمس يوجين كاري يعيش فترة طفولة غير سارة، مع انتقال والده من وظيفة لأخرى وما يتبع ذلك من تنقل. وكانت وسيلة الترفيه الوحيدة للهروب من الواقع المزري الذي تعيشه الأسرة هي العروض التي يقدمها جيم لعائلته، عروض كوميدية، كان طفلًا يفعل أي شيء ليجعل عائلته تضحك وتنسى الحالة غير المستقرة التي تعيشها.

بحسب ما ذكره مارتن كنلمان في كتابه Jim Carrey: The Joker is Wild فإن والده رأى نبوغه في الكوميديا فاشتغل معه على تطوير نكاته وعروضه، بالنسبة للوالد كان جيم بمثابة فرصة ثانية ليحقق من خلال الطفل الصغير ما لم يستطع تحقيقه هو.

صعد جيم على خشبة المسرح لأول مرة وهو في سن الخامسة عشر، كانت تجاربه ومحاولاته فاشلة في نوادي الكوميديا المحلية في مدينة تورونتو الكندية، لكن تلك المحاولات صقلت قدراته على المحاكاة، محاكاة المشاهير ووضعهم في مواقف مختلفة، ليبدأ اسم جيم في الصعود في نوادي الكوميديا المحلية التي رفعت من أجره الذي كان يساعد به أسرته.

كانت حياته صعبة وكانت الكوميديا بالنسبة له أكبر بكثير من إلقاء النكات والعروض، كانت آداة للتخفيف عن أسرته، وأمه المريضة والمكتئبة، كان دور القرد الذي يلعبه للترفيه عن الناس هو فعل روحاني يخفف عن الناس ألامهم ومعاناتهم، هذا ما يعرفه جيم وصرح به في إحدى المؤتمرات وهذا ما يجعله يشعر بأنه محظوظ لأنه يقوم بشيء له قيمة.

بالنسبة لمعظم الناس، جيم كاري مجرد كوميديان عبقري، لكنه من زاوية أخرى بطل، عليك فقط أن تفكر في موهبته وكيف تفجرت لتدرك أن كل هذا بدأ لمساعدة عائلته ماديًا ومعنويًا، كان حبه لعائلته هو القوة التي تدفعه لتطوير مهاراته ليجبرهم على الضحك ونسيان المعاناة التي يعيشون فيها، أو لزيادة أجره من العروض لمساعدتهم ماليًا.

لكن بجانب هذا الكوميديان، القرد الذي حاول مساعدة الأخرين بالطريقة التي يعرفها، خلف هذا الوجه الذي يستطيع اجبارك على الضحك بحركة بسيطة منه، هناك وجه مختلف تمامًا يعيش في الظل، شخص أخر بداخله لا يظهر إلا عندما يكون جيم وحيدًا داخل غرفته، وهو أمر اعترف به جيم نفسه في مقطع الفيديو السابق، شخص لا حدود له، يريد فهم العالم وغاية الوجود، هذا الشخص الذي قال عنه جيم في آخر حواراته أنه لم يعد موجودًا بل لم يكن له وجود من قبل.

ذا ترومان شو.. جيم كاري والوهم العظيم

تبدو العلاقة بين جيم كاري وبين شخصية ترومان بيربانك الذي قام بها جيم في فيلم The Truman Show أكبر من علاقة ممثل بشخصية يؤديها، كان ترومان يعيش في عالم مصطنع، لا شيء فيه حقيقي، تتساقط تفاصيله كورق الخريف، يتتبعها ترومان حتى يكتشف الحقيقة، فيهرب ويصطدم بجدار الوهم، الجدار الذي يفصل بين العالم الحقيقي وذلك الزائف الذي عاش فيه طيلة حياته.

بالنسبة لجيم كانت نفسه هي المدينة المصطنعة التي اكتشف زيفها، فهو لا وجود له الأن، في الفيلم الوثائقي Jim & Andy: The Great Beyond قال جيم أنه في لحظة ما يجب أن تعيش الـ "ترومان" الخاص بك، فهي بالنسبة له نبوءة توكد نفسها باستمرار بحسب ما قاله.

اصطدم جيم بالجدار، كما اصطدم به ترومان بيربانك، اكتشف أن هذا ليس حقيقيًا، وأراد معرفة ماذا هناك في الجانب الأخر. في الواقع وعند النظر إلى مسيرته الفنية، نجد أن الكوميديان العظيم حاول أكثر من مرة الخروج من ثوب القرد، في بداياته أدخر الأموال ليلتحق بدورس للتمثيل، وبعدما أصبح أغلى ممثل في هوليوود، حينما أصبح أجره 20 مليون دولار أمريكي في الفيلم الواحد، حاول جيم الخروج من غرفة الكوميديا وإثبات نفسه كممثل قادر على أداء الأدوار الدرامية.

كان ذلك في وقت كان فيه جيم رمزًا للضحك في أمريكا الشمالية، كانت الشخصيات التي يقدمها يتم تحويلها لأعمال كارتونية يتم استخدام وجهه فيها لضمان الربح. 

في ذلك الوقت أراد جيم الخروج من ثوب القرد، لإثبات نفسه كممثل، كان يرضى بأجر أقل في الأدوار الدرامية، كان أجره في فيلم Liar Liar الذي أنتج عام 1997 حوالي 20 مليون دولار أمريكي مقابل 10 ملايين دولار فقط في فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind الدرامي والذي أنتج عام 2004.

بالنسبة لشركات الانتاج كان جيم الكوميدي يضمن لهم أموالًا وربحًا أكثر من جيم الذي يريد التمثيل والدراما، كانوا ينصحونه بأن يكون "الرجل الأخر!" بحسب تعبيره، لأنه "لا يعرف ماذا يوجد على الجانب الأخر" كما بالفيلم كلما حاول ترومان اكتشاف العالم كانوا يحذرونه، أو ببساطة يغرقونه ليبدأ من نقطة الصفر.

عاش جيم حياة مثيرة ومأساوية على الرغم من كل شيء، كطفل وضعته الحياة في موقف اضطره للاعتناء بأسرته، وكنجم حاول إثبات نفسه كممثل، وأخيرًا كشخص بالغ يحمل أفكارًا مختلفة عما هو سائد في المجتمع، لكنه سيبقى أيقونة ورمزًا للضحك حتى وإن كان لا يؤمن بالأيقونات والرموز ولا يعترف بها ويراها سخافة.