في صناديق الانتخاب.. "بصيرة" الشعوب تلاحق "عمى" السلطة

بعد النتيجة الثانية، وعلى نفس الخط التاريخي لغياب عقل السلطة الدكتاتورية عن اتخاذ أية قرارات مدفوعة بالمنطق لا "القوة الغاشمة"؛ يقرر الأربعة أصحاب السلطة اتخاذ إجراءات عنيفة ضد العاصمة.

ماذا لو امتنع المواطنون عن الانتخاب مثلما تنبأ ساراماجو في رواية البصيرة*؟

"إنه طقس سيء لا يناسب يوم التصويت"، منذ الأمس والسماء تمطر بلا توقف. مرت أكثر من ساعة دون أن يأتي أحد. هذا الغياب عن التصويت الذي تنبأت به الأحزاب قبل إجراء الانتخابات أربك رئيس اللجنة رقم 14، فاضطر إلى الاتصال بالوزارة لمعرفة حال الحركة الانتخابية في البلاد، ويرى إن كان "نقصان الدافع القومي" حالة عامة، أم أنهم جالسون في اللجنة الوحيدة التي لا يعيرها الناخبون اهتمامًا.

أثناء ذلك يفتح ممثل حزب الوسط في اللجنة نقاشًا حول توقعه بامتناع الشعب عن الانتخابات، ويؤمّن على ذلك ممثل حزب اليمين في نفس اللجنة، غير أنه يُبدي إيمانًا بأن الروح المخلصة لمواطنيه جديرة بالثقة، ثم يلتفت الاثنان بنظرة نصفها مرتاب ونصفها ساخر، مِلؤهُما الفضول لمعرفة أي رأي سيدلي به ممثل حزب اليسار.

لم يخبر سارماجو القراء عن رأي ممثل حزب اليسار في تلك المهزلة، لكن بناءً على خبرة ربما عاشها الراوي، فربما كان ليقول عبارة مثل: "إن المصوتين بحزبي ليسوا من الناس الذين يبقون في بيوتهم بسبب أربع قطرات ماء". هذا القول النابع مما يطلق الراوي عليه "التفاؤل التاريخي"، يحتوي في باطنه على سذاجة نتجت عن انفصال الأحزاب عن الواقع.

أثناء تلك المهزلة الانتخابية، وفي ظل هذا النظام الديكتاتوري، يغوص الإعلام في بركة الفضول.

تأتي كاميرات الصحافة من العدم للجان مع كل حضورٍ لمسؤول، ثم تذهب للعدم بعد انصرافه. تلك المواقف العادية التي لا نأخذها في اعتبارنا من كثرة تكرارها، تدعو للدهشة عندما نتأملها من زاوية أخرى.

إن ما يفعله محررو الراديو والصحف والتليفزيون، بينما يملأهم الحماس المهني والشغف الإعلامي، هو مجرد وضع المسجلات والميكروفونات أمام وجوه الأشخاص، في انتظار إشباع فضولهم الشره كمحررين، متصورين أنهم بذلك يقومون بواجبهم على أكمل وجه.

بعد مرور وقت طويل، يظهر أول ناخب. رجل عجوز لكنه لا يزال عفيًا، يعلن بظهوره عودة الحياة الطبيعية للجان بحضور الناخبين. يلقي بصوته في الصندوق بلا حماس وبعده يتوافد قليل من المواطنين، واحد تلو الأخر.. ثم عائلات العاملين باللجنة الانتخابية، زوجة السكرتير، وحماة رئيس اللجنة رقم 14 التي هشمت الوقار الواجب توافره في لجنة انتخابية، وأخبرت زوج ابنتها المكتئب بسبب عدم مجيء زوجته -حتى الآن- أن ابنتها ستأتي في وقت متأخر لأنها تفكر في الذهاب للسينما، قالت ذلك على الملأ دون مراعاة قسوة ذلك عليه.

"الذين يأمرون لا يتجاوزون فقط ما نسميه نحن مُحالاً، بل أنهم يستفيدون منه أيضًا لعرقلة الوعي وإبادة العقل".

خوسيه ساراماجو - البصيرة

تمر الساعات بطيئة دون وجود جماهيري يذكر، وفي تمام الرابعة عصرًا، وبعد أن أيس المراقبون من ظهور المواطنين، تبدأ الطوابير في الظهور المحتشد أمام اللجان. يصل الناخبون جميعًا في الوقت نفسه، يسيرون إلى الصناديق في صمت ورتابة، يلقون بأوراقهم ويخرجون بذات الصمت والرتابة. وعند إحصاء الأصوات، يتبين أن ثلاثة أرباع المصوتين وضعوا في الصناديق أوراقهم بيضاء دون اختيار.

هذا الوعي الجمعي- غير المتفق عليه، يصيب الحكومة بالخوف، فتقرر إجراء عملية الاقتراع مرة أخرى الأسبوع التالي، لكن النتيجة الأولى تتصاعد نسبتها لتصل إلى 83% من الناخبين، ألقوا بأوراقهم بيضاء في جوف الصناديق.

كيف تتصرف الحكومة في تلك الحالة؟

في الثلث الثاني من الرواية انصب تركيز الكاتب على سلوك الحكومة النابع من شخصية كل فرد ممثل بها، فالحكومة ما هي إلا رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الداخلية ووزير الدفاع. وهم مؤسسات -في الرواية- تعرِّف السياسية بكونها صراع من يملك الصلاحيات المطلقة، من أجل استمرار حيازة تلك الصلاحيات. لذلك فوزارات مثل الثقافة والعدل، هي مجرد حُلل أنيقة تُحافظ على "المظهر الشيك" للحكومة.

كان وزير الدفاع قليل الاقتناع بإعلان حالة الطوارئ، فما كان يطمح إليه حقًا هو حالة حصار، حصار يشبه جدارًا متحركًا، قادر على كبح الفتنة وهزيمتها.

اعترف رئيس الوزراء أن خطورة الموقف قد وصلت مداها، وأن الوطن صار فريسة لاعتداء آثم يستهدف أسسه الثابتة لديمقراطيته القائمة، وسمح لنفسه بذلك أن يختلف مع وزير الدفاع. "فأنا أعتقد، ورئيس الدولة يتفق معي، في وجهة نظري، أننا لو وضعنا في الاعتبار مخاطر المؤامرة الحالية، سنتمكن من مواجهة وسائلها وأهدافها في اللحظة المناسبة، لذا فمن الأفضل أن نبدأ بتزويد أنفسنا بوسائل سرية، أقل تباهيًا وأكثر فاعلية، تكمن في إرسال الجيش ليحتل الشارع ويغلق المطار ويضع الحواجز عن مخارج المدينة".

-وما هي هذه الوسائل؟. سأل وزير الدفاع بدون أن يبذل أدني مجهود لمداراة معاضته.

-هي وسائل أنت على دراية بها، ولأذكرك أن للقوات المسلحة أجهزة تجسس خاصة بها.

-جهاز تجسسنا يسمى جهاز التجسس المضاد.

-أيا كان الاسم، لا فرق.

-أفهم إلى أين تريد أن تصل.

-كنت أعلم أنك ستفهمني. قالها رئيس الوزراء في نفس الوقت الذي كان يوجه فيه إيماءة لوزير الداخلية الذي صارت الكلمة معه.

بدون الدخول في تفاصيل بعينها في العملية. فإن تلك التفاصيل التي تشكل سريتها عماد الخطة التي أعدتها وزارتا الداخلية والدفاع ضد المواطنين، سيقوم بها عملاء مدربون، سيطلعون "الدولة" على أسباب ما حدث، ويمدونها بالمعلومات الكافية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، حتى تتمكن من استئصال الشر من جذوره.

بعد نتيجة الاقتراع الثاني، وعلى نفس الخط التاريخي لغياب عقل السلطة الدكتاتورية عن اتخاذ أي قرارات مدفوعة بالمنطق، لا "القوة الغاشمة"؛ يقرر الأربعة أصحاب السلطة اتخاذ إجراءات عنيفة ضد العاصمة، تمثلت في فرض الحصار الأمني عليها من قِبَل الجيش والشرطة، مع نقل السياسة إلى عاصمة جديدة.

"سيخرج، بالطبع، سعادة رئيس الدولة وأفراد الحكومة بكامل هيئتها حتى وكلاء الوزارات، برفقة مستشاريهم الأقربين، سيخرج أيضًا نواب الأمة، حتى لا يتوقف الإنتاج التشريعي. ستخرج كذلك قوات الجيش والشرطة بما فيهم المرور، بينما سيبقى المجلس المحلي مُجَمدًا برئيسه، كذلك جهاز المطافي".

يخرج رئيس الحكومة ليلقى بيانه.. "أتحدث إليكم بقلبي في يدي، بعد أن كسرني الألم الناتج عن البعد غير المفهوم، كأب هجره أولاده الذين يحبهم حبًا جمًا فيصير الأب والأولاد تائهين، حيارى، أمام وقوع أحداث غريبة أدت لتدمير الانسجام العائلي السامي. إن حكومة الأمة، بنوابها المنتخبين، انسحبت إلى مدينة أخرى، ستكون من الآن عاصمة للبلاد، بفرض حالة الحصار الصارمة".

تنفذ الحكومة خطتها بمشهد درامي تنسحب فيه ليلاً من المدينة استغلالاً للظلام، بعدما أطفأت شركة الكهرباء أنوار المصابيح العمومية، غير أن الشعب المسالم يدرك تلك الحيلة، فيساعد في خلق حالة من الخوف تصيب الحكومة أثناء الانسحاب التي أرادت به كسر الشعب، يفتح المواطنون شبابيك المنازل وينيرون الطريق للحكومة من أجل الانسحاب. يطرد الشعب الحكومة طردًا غير مباشر.

خيبة الأمل

لم يؤت عقاب السلطة للشعب ثماره، فرغم سعي السلطة للتحكم في المواطنين عن طريق الخدمات، بتحويل السلوكيات البشرية الأساسية إلى احتياجات تقدمها مؤسسات صنعتها الدولة؛ فإن الشعب استطاع أن يستعيد سيطرته على حياته وتسييرها عبر دفع هذا الاتجاه نحو الوجهة المعاكسة. فعندما اختفت شركات النظافة قام المواطنون بتنظيف شوارعهم وبيوتهم. ونظموا أنفسهم بحيث يساعدون بعضهم البعض في الحصول على الخدمات والاحتياجات الأساسية، فكان الحصار وغياب الحكومة عن تقديم خدماتها الجليلة بهدف إخضاع الشعب لها، عقابًا غير ذي قيمة.

"كسرت خيبة الأمل مجاديف الحكومة، وخاصة الوزراء الذين، بطبيعة وظيفتهم، كانوا أكثر ارتباطًا بالمراحل المختلفة للعملية السياسية القمعية ضد الفتنة، نقصد بالتحديد وزيري الدفاع والداخلية اللذين شاهدا، بطريقة أو بأخرى، إنطفاء وميض الخدمات الجليلة التي قام بها كل منهما على حدة خلال فترة الأزمة".

ربما هذا هو المعنى الحقيقي للعمى الذي يصيب السلطة دائمًا عند معالجة أية قضية، والتي أشار لها سارامجو في رواية البصيرة عندما قرر أن أحداثها وقعت بعد أربعة سنوات من روايته الشهيرة "العمى". في تلك اللحظة تأخذ الرواية مسلكًا أخر، عندما تبدأ سياسة التخويف والإرهاب.

العمي الذي أصاب المدينة منذ 4 سنوات يصيب الحكومة في معالجتها للأحداث، لدرجة أن وزير الداخلية يأمر بتفجير إحدى محطات المترو في المدينة بعلم من رئيس الوزراء، فيقتل 34 مواطنًا.

أما وسائل الإعلام فأجمعت على نسب هذا الاعتداء لمجموعة إرهابية، باستثناء جريدتين صغيرتين لم تقبلا تلك الرواية، وطالبتا بعمق التحريات.

"لقد فكرنا في قنبلة أقل قوة، لا تسبب سوى درجة أعلى بقليل من الرعب، لسوء الحظ حدث خطأ في نقل الأمر. كنا نعلم أن الحادث سينجم عنه ضحايا، لكننا لم نعلم أنهم سيصلون إلى 34".

العقل الأمني للبطاريق الخائفة

في الثلث الأخير من الرواية، ينتقل الصراع بين الحكومة والشعب، إلى صراع بين الأفراد، يصبح أكثر إنسانية مع توالي الفصول. فمأمور الشرطة والمخبرين الذين يتلقون الأوامر، هم في الحقيقة وبالنظر إلى داخلهم، بشر مثلنا، قد يفكرون ذات مرة، وقد يستمرون مغشية أبصارهم.

يكلف وزير الداخلية 3 من رجاله بالتحقيق في قضية الأصوات البيضاء، عن طريق مراقبة عدد من الأشخاص المحددين. يذهب رجال الأمن الثلاثة إلى العاصمة متخفين، يقضون أيامًا في مراقبة الأشخاص الذين يبدون لهم أناس طبيعيين ليس لهم أدنى علاقة بالقضية، ورغم ذلك يستمر شعورهم بأن هناك مؤامرة تحاك ضد الدولة مسيطرًا عليهم، دون أن يجدوا أية أدلة تدعم ذلك، فيصابون بالتيه.

يحلم سارماجو مثلما نحلم نحن، بأن يتكفل الوعي الجمعي للشعوب الذي قد يصيب تارة ويخفق أخريات بصنع تغيير حقيقي. بأن يفتح أعين أصحاب السلطة، المغلقة عن كل شيء إلا القمع والنهب والسيطرة، على واقع آخر يكون للناس فيه الكلمة العليا، ولبصيرتهم الحكم في مصائر الأوطان.

*رواية البصيرة للروائي البرتغالي جوزيه ساراماجو: ترجمها للعربية أحمد عبد اللطيف ونشرت ضمن سلسلة الجوائز في الهيئة المصرية العامة للكتاب