الجبهات المفتوحة: هل ينتصر ترامب على الإعلام؟

قال الرئيس التنفيذي لمؤسسة سي بي إس الإعلامية، ليسلي مونفيس، إن ترامب قد لا يكون مناسبًا لأمريكا، لكنه مناسب جدًا جدًا لمؤسسته.

في 2 يناير/كانون الثاني الماضي غرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته المفضلة تويتر معلنًا عن منح جائزة مخصصة لوسائل الإعلام الأكثر "فسادًا وانحرافًا للعام المنصرم".

لم تكن المرة الأولى التي يتهم فيها ترامب المؤسسات الإعلامية بالفساد وانعدام النزاهة في التغطية السياسية لنشاطاته، فقد غرد قبلها بنحو شهر، معلنا عن أسماء تلك المؤسسات صراحة. كما أعلن في المرتين عن انحيازه للقناة الإعلامية الإخبارية فوكس، حتى أنه نصح متابعيه بمشاهدة برنامج بعينه، بهدف تجنب الأخبار المغلوطة.

وفقا لقناعات ترامب، فإن بعض المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة "لا تحب وطنها ولا ترغب في إعادة أمجاده، وتريد النيل من تاريخه وتراثه". لكن ترامب يراهن على "ذكاء" الشعب الأمريكي في الكشف عن السبب الحقيقي للانقسام في صفوفه، ألا وهو نشر الأخبار الملفقة.

فإذا كان ترامب يدرك تماما أن الإعلام يدير حربًا ضروسة ضده، فكيف نجح في الانتخابات الرئاسية، وهل كانت المؤسسات الإعلامية في نفس الوقت تخصص جهودها لإنجاح المنافسة الأقوى هيلاري كلينتون؟

حرب رئاسية على الإعلام

لا يدخر الرئيس ترامب فرصة ليعبّر عن "اشمئزازه" المستمر من إعلام بلاده، فهم دائمًا مرضى وينشرون الأخبار الكاذبة ويتعمدون لي الحقيقة وينقصهم النزاهة.

وفي اجتماعه مع قادة أجهزة الاستخبارات الأمريكية، أعلن أنه يخوض حربًا على الإعلام الأمريكي "الأكثر كذبًا على وجه الأرض" وفقا لتعبيره، في محاولة للفت أنظار هؤلاء القادة إلى وجود "عدو داخلي". ما قاد الصحفية الأمريكية المتخصصة في الإعلام بجريدة واشنطن بوست، مارجريت سوليفان، لوصف ترامب بأنه "الرئيس الأمريكي الأكثر هجوما ضد الإعلام في تاريخ البلاد".

في منتدى أفكار واشنطن لعام 2017، أكد محرر صحيفة واشنطن بوست، مارتن بارون، أن الصحفيين ليسوا في حرب، بل يؤدون عملهم لا أكثر، وأن استخدام ترامب لمصطلح "حرب" ما هو إلا توظيف للأمر وكأنه صفقة عمل كعادة الرئيس. كما أشار إلى اختلاف طبيعة عمل كل من الرئاسة والصحافة، فالأولى تعمل في الخفاء، والأخرى تريد الكشف عما حدث في الخفاء، وبالتالي الصحافة ليست معركة، بل هي نقل لنشاطات الرئيس.

يحكي بارون التشابه بين علاقة ترامب والإعلام، والعلاقة بين إدارة الرئيس الأمريكي السابق نيكسون والصحافة أثناء التحقيق في فضيحة ووترجيت، فقد تعمدت إدارة نيكسون تشويه الصحافة. لكن الاختلاف في التعامل مع الإدارتين يكمن في أن مجرد توجيه الأسئلة والبحث والتقصي تُرجم إلى خيانة الوطن، وليس خيانة الرئيس فحسب.

وحينما سُئل عما إذا كان شعار الصحيفة الجديد "الديموقراطية تموت في الظلام" يُعد جزءا من "المقاومة" ضد ترامب، أجاب أنه مجرد توصيف لمهمتها في إلقاء الضوء على الأركان المظلمة حتى تتحمل الحكومة مسؤليتها.

وعلى الجانب الآخر، دشن الإعلامي شان باتريك هانيتي، الذي ينصح ترامب بمشاهدة برنامجه التلفزيوني، تحقيقًا استقصائيًا عن انجازات الرئيس التي لا يعلنها الإعلام الفاسد، واتهمه بالتسييس من قِبل كلينتون.

انحيازات.. ولكن!

إذا كان المُحرِر المخضرم بارون في حديثه قد شدد على عدم المبالغة وتضخيم صورة الإعلام سواء كونها مؤشرات على خيانة الوطن أو جزءًا من مقاومة ترامب، وإذا كان ترامب نفسه ينصح بمشاهدة برنامجه بهدف الحصول على معلومات صحيحة، فالموقف إذن قد يُعتبر انحيازًا بحسب قول نائب رئيس قسم الأخبار في جوجل، ريتشارد جنجراس، إن الشعب الأمريكي لا يستقي أخباره من الإعلام، بل هو مصدر تأكيد لتحيزاته فقط.

لكن بعض الدراسات والمقارانات أكدت تحيُّز المؤسسات الإعلامية الرئيسية ضد ترامب. وفقا لدراسة صدرت في ديسمبر عام 2017، أجراها مركز بحوث الإعلام، فقد نقلت القنوات ABC و NBC و CBS، في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، فإن 1123 خبرًا وتقريرًا سلبيًا نُقلوا عن ترامب من إجمالي 1228، أي أن 105 أخبارٍ فقط لم تكن "عدائية" سواء في أسلوب إلقائه أو في محتواه.

وحسب بيانات مركز شورينستين لبحوث الإعلام والسياسة والسياسات العامة في جامعة هارفارد، فإن التغطية الإعلامية لترامب في أول 100 يوم وهو على رأس الإدارة الأمريكية، كانت سلبية في كل قضية تناولتها تلك المؤسسات.

وحتى قبل المعركة الانتخابية، كان نقل الأخبار عن ترامب غير دقيق بهدف إظهاره في صورة العنصري. فعلى سبيل المثال نقلت المذيعة بروك بالدوين بقناة CNN تصريحًا بأنه قال "كل المكسيكيين مغتصِبين، وكل المهاجرين قتلة". لكن ما قاله الرئيس في الواقع كان "لا يأتي أفضل المكسيكيين إلى هنا، يأتي فقط من هم مُثقلين بالكثير من المشاكل، وينقلونها إلى وطننا. يجلبون معهم المخدرات والجريمة، فهم مغتصبون. وأعتقد أن بعضهم جيدون". إذا كان تصريح ترامب يشوبه العنصرية، فلم يكن نقله على وسائل الإعلام أيضًا يخلو من تشويه وتعميم.

ترامب وهيلاري وبينهما الإعلام

اتهام ترامب وسائل الإعلام بالخيانة وانعدام النزاهة قد يشير إلى أن الإعلام كان يمجد هيلاري. لكن في كتابها الأخير "الذي حدث" ، اشتكت هيلاري من نشر الأخبار الكاذبة والتغطية السلبية لها، بل أن المؤسسات الإعلامية ساعدت ترامب على النجاح في الانتخابات الرئاسية.

بحسب دراسة أجراها مركز شورينستين لبحوث الإعلام والسياسة والسياسات العامة في جامعة هارفارد، لاحظت كلينتون أن التغطية الواسعة للمرشح ترامب كانت عاملًا فعالًا في صعود نجمه في استطلاعات الرأي. كما لامت هيلاري وسائل الإعلام بعدم تغطيتها الدقيقة لفضيحة اختراق أجهزة مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وفي كتابها، حددت أسماء الإعلاميين التي تعتقد بأنهم لم يتسموا بالنزاهة الكافية في تغطية أخبارها. وفي لقاء إذاعي مع "جود سيف أمريكا" أكدت على التغطية "المتضررة" للحزب الديموقراطي.

ومن ناحية أخرى، رصد موقع مشروع الرئاسة الأمريكية 2016 تفضيل 57 مؤسسة إعلامية لكلينتون ومؤسستين فقط لترامب من إجمالي 100 أكثر جريدة انتشارا على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن إذا كانت هيلاري لا تضع كفة الإعلام الأمريكي في صالحها، وترامب يعتبره عدوا في الداخل، فمن المؤكد أن ترامب أدار الحرب بينه وبين الإعلام كي ترجح كفته لصالحه.

استراتيجية ترامب في الحرب على الإعلام

بعد دقائق من إعلان فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية، كتب مخرج الأفلام والناشط السياسي الأمريكي، مايكل مور "لست مندهشًا من فوز ترامب، ولم يكن ترامب نكتة يومًا ما، والتعامل معه على هذا الأساس كان يقويه، فالإعلام أوجده وخلقه".

بالرغم من أحاديثه وتغريداته عبر تويتر التي تُصنف عنصرية وكريهة ضد السود والمسلمين والمهاجرين المكسيكيين والنساء والسياسيين والمشاهير، فقد كان يصنع الأخبار للإعلام، وكل ذلك حسب أجندة مرسومة ومحددة. فلم يترك الإعلام كبيرة أو صغيرة إلا وسجلها، ما عزز صورة ترامب.

كان "المنطق الإعلامي" حاضرًا لتغطية النشاطات التي تجذب المشاهدين بهدف زيادة الإعلانات، وبالتالي زيادة الأرباح. صرح الرئيس التنفيذي لمؤسسة سي بي إس الإعلامية، ليسلي مونفيس، أن ترامب قد لا يكون مناسبًا لأمريكا، لكنه مناسب جدًا جدًا لمؤسسته.

أربك ترامب نظام الإعلام الأمريكي، فزيادة على جذبه للإعلام بأخباره، فلم تعرف المؤسسات الإعلامية كيف تتعامل مع مرشح رئاسي يتخطاهم مغردًا عبر تويتر استراتيجيته مباشرة عبر الإنترنت. فقد عجز الإعلام التقليدي عن مواكبة أخبار ترامب غير المتوقعة.

اتهام ترامب وكلينتون للإعلام يشير إلى أن هناك أزمة ثقة بين الشعب الأمريكي والإعلام، لكنه من المؤكد أن ترامب استغل تلك الأزمة ليتلاعب بعقول الأمريكيين لصالحه عن طريق الإعلام.