رجال مصر يفخرون بنسائها| أن تكون "تحية كاريوكا"!

سر روعة "تحية" لا يكمن في الكمال، بل في النقصان. في الثقة العفوية في الشيء ونقيضه، في جموح الغريزة الممتزج بسمو روح شقية لا تنظر خلفها أبدًا. هذا ربما ما يفسر الغفران المتكرر الذي حظيت به هذه المرأة الاستثنائية. غفرت المنظومة السائدة لتحية لأنها متفردة.. نموذج الهامش الأيقوني الذي نعجب به ولا نكرره.

في 1990 كتب المثقف الفلسطيني/الأمريكي البارز "إدوارد سعيد" مقالًا في مجلة "لندن ريفيو أوف بوكس" بعنوان "تحية إلى تحية"، في مديح أيقونة الرقص الشرقي "تحية كاريوكا". بعد ذلك بتسع سنوات كتب "سعيد" مقالًا آخر في جريدة "الحياة" اللندنية في مناسبة وفاة "تحية" عن عمر ناهز 79 عامًا. اهتمام سعيد الزائد بهذه المرأة المبهرة فتح الباب لسيل من الكتابات النقدية – من منطلقات ثقافية ما بعد حداثية وما بعد كولونيالية – حول من اعتبرها "رمزًا ثقافيًا، ليس فقط في مصر... بل في كل العالم العربي".

اعترف أني منبهر كـ"سعيد"، وعشرات غيره من المثقفين والكتاب، بـ"تحية كاريوكا"، هذه المرأة التي لم تكتسب رمزيتها من نعومة أنثوية، بل من جموح ذو جاذبية لا فكاك منها. لكن بعيدًا بعض الشيء عن الانبهار، يراودني كثيرًا السؤال عن السبب وراء أيقونية هذه المرأة التي يستدعي ذكرها توليفة من الأحاسيس المكثفة.

في اليوم العالمي للمرأة.. رجال مصر يفخرون بنسائها

بزغ نجم "تحية" أول ما بزغ في "الكباريه". فبعد هروبها من منزل الأسرة بالإسماعيلية، وهي بعد صبية في الرابعة عشر، رست مراكبها في منتصف ثلاثينات القرن العشرين في القاهرة في أكبر مدرسة لفن الكباريه في الشرق: "كازينو بديعة".

آنذاك كان الكباريه، كفن وكمكان، ما زال وليدًا صغيرًا. فبعد أن كانت فنون الفرجة، على اختلاف أنواعها وطبقات مستهلكيها، تُمارس في الشوارع أو في قصور الأغنياء وذهبيات المغنيات، وُلد الكباريه على كورنيش إمبابة وفي عماد الدين والأزبكية، بالذات في فترة ما بين الحربين العالميتين، ليصبح، هو والمسرح الغنائي والسينما، الروافد الثلاثة الأهم لفنون الفرجة في مصر الحديثة.

تحية في بداياتها السينمائية 

كان ظهور الكباريه والمسرح والسينما علامة على دخول الفن المصري عصر الحداثة. تشترك هذه المجالات الثلاث في كونها أماكن "عرض عام" يؤمها مرتادون من الطبقة الوسطى والعليا المدينية الحديثة، يقدم عروضه فيها فنان تحرر من جمهوره الأرستقراطي القديم، أو من تجواله اللانهائي في الشوارع، ليقابل متلقي فنه في مكان عرض يدخله من يستطيع دفع ثمن التذكرة.

في البدء كانت نبيهة

ذلك كان السياق الذي شهدت فيه فنون الفرجة المصرية تحديثًا سريع وغير مسبوق، ومن ضمنها فن الرقص. هنا تحولت الغوازي إلى راقصات، وبدأت تجريبية جديدة أعادت النظر في "رقص البطون" بمزجه مع فنون رقص غربية وأمريكية لاتينية، ليليق بالعرض في كازينوهات البرجوازية المصرية البازغة.

لا أعرف بالضبط ما شكل رقص الغوازي، وإن كنت أظن أن الإيروتيكية الظاهرة كانت أحد سماته الرئيسية. "تحية كاريوكا"، على خلاف سامية جمال التي تأثرت بفنون الرقص الغربية، طوّرت الرقص الشرقي التقليدي بطريقة لم يكن أحد يتخيل أنها ممكنة. فربما يكون أول ما يتبادر إلى الذهن هو أن سبيل تطوير الرقص التقليدي هو تطعيمه بحركات الباليه الغربي، التي تنبني، كما يقول "إدوارد سعيد" عن حق، على فلسفة الانخلاع من المكان والطيران كالفراشة، وهذا ما فعلته "سامية جمال"، وكذلك "محمود رضا" بعد ذلك بربع قرن في خصوص الرقص الشعبي. لكن "تحية" سلكت مسلكًا آخر. إذ أصرت على الاحتفاظ بالمبدأ الحاكم للرقص الشرقي: الثبات في المكان والاعتماد بشكل رئيسي على التواءات الجسد المنغرس في الأرض. عبقرية "تحية" كراقصة كانت الانتقال برقص البطون إلى عصر الحداثة انطلاقًا من مبدأه هو وأساليبه هو. هذا، في نظري، سحر يخطف الروح ويبهر الأعين. كيف حافظت هذه المرأة المعجزة على إيروتيكية اهتزاز الجسد وسمت بها روحيًا إلى هذا الحد؟ سؤال يستحق من باحثي الرقص، واحد من أقدم فنون البشر، التقصي والإجابة.

تحية كاريوكا- كيف حافظت هذه المرأة المعجزة على إيروتيكية الجسد وسمت بها روحيًا إلى هذا الحد

لكن عبقرية "تحية كاريوكا" لا تقتصر على مسارها الفريد في تحديث الرقص الشرقي في إطار فنون الكباريه، بل تتعداها إلى عبقرية ثقافية أوسع. في مطلع السبعينات كتب صلاح جاهين، وأخرج حسن الإمام، الفيلم العلامة "خللي بالك من زوزو" الذي يحكي قصة زوزو (سعاد حسني) بنت كار العوالم، التي تتمزق بين انتمائها إلى كار العوالم الآفل والمنبوذ، ومحاولاتها الانتماء إلى عالم بنات المدينة المتعلمات في أيام السبعينات. ورغم ميلودرامية الفيلم، الذي لعبت "تحية كاريوكا" فيه دور العالمة أم زوزو، فإنه طرح سؤالًا كانت "تحية" قد أجابت عليه بطريقتها الخاصة قبل أربعين عامًا.

سميعة البرلسي.. علمتني أن المساواة هي الطبيعة

"تحية"، الفتاة غير المتعلمة، الفقيرة، الهاربة من بيت الأسرة في أقاليم مصر، التي تتحول في القاهرة إلى نجمة من نجوم الكباريه، وراقصة شرقية، بكل ما يحمله هذا الفن من إرث، كانت نموذجًا للمرأة المتحدية. فبينما كانت البرجوازية المصرية، بقيمها ومنظورها للحياة، تصعد وتسود، وبينما كانت المرأة تخرج إلى الفضاء العام، برزت "تحية" كأيقونة لكسر القيم السائدة، ليس كقائدة لحركة نسوية، ولا ككاتبة متحررة، ولكن بشخصها هي بالذات. تجربة حياة "تحية" هي الأيقونة، وهي تجربة تحمل مزيجًا مدهشًا من التجاوز والانصياع، من التمرد والخضوع، من الجموح والحسابات. "تحية" هي زوزو المتصالحة مع نفسها، التي تتحدى خضوعها المزدوج، كامرأة وراقصة، بالجموح المثير للإعجاب أينما حلت.

هبة خليفة الفنانة الطيبة

تعددت علاقات تحية مع الرجال، حتى وصلت، في رقم معلن، إلى 14. لكن كلها زيجات رسمية شرعية. فكأنما تحية حققت جموحها، أي الحرية العاطفية والجنسية، بالخضوع للمنظومة السائدة، أي الزواج الشرعي. كذلك انخرطت "تحية" في العمل السياسي الوطني والشيوعي، وعارضت السلطة بقوة، وسجنت غير مرة، لكنها حافظت على علاقة غامضة بمن هم في مقاعد الحكم سمحت لها بالاستمرار كنجمة تعترف بها السلطة في كل عهودها وتكرمها. رفعت "تحية" صوتها كثيرًا، غضبت، واختلفت، وصارعت، وتحدت، لكنها احتفظت بحب الأغلبية واحترام الكل.

سر روعة "تحية" لا يكمن في الكمال، بل في النقصان. في الثقة العفوية في الشيء ونقيضه، في جموح الغريزة الممتزج بسمو روح شقية لا تنظر خلفها أبدًا. هذا ربما ما يفسر الغفران المتكرر الذي حظيت به هذه المرأة الاستثنائية. غفرت المنظومة السائدة لتحية لأنها متفردة، ليس فقط بمعنى عدم القابلية للتكرار، لكن كذلك بمعنى فردية النموذج، حيث يراها الكل "تحية" التي نسمح لها بأي شيء دون خشية امتداد عدوى التمرد. فهي وإن كانت نموذج، إلا أنها نموذج الهامش الأيقوني الذي نعجب به ولا نكرره.

وحتى عندما أصبحت تحية في سنواتها الأخيرة من أتباع الشعراوي، ووضعت الحجاب، وأعلنت انتمائها الإسلامي، كانت متفردة. وضعت تحية الحجاب، لكنها لم تخلع جموحها. ظلت كما هي نموذجًا للمرأة التي تصدم المجتمع الذكوري بقوتها، لكنها كذلك تفرض عليه الإعجاب بها، كامرأة أحبت العالم كزوربا وملأته تحديا وبهجة و... رقصًا!

تحية كاريوكا (1919-1999)

أنت أيضًا مدعو للكتابة عن صاحبة انجاز مهني أو حقوقي أو إنساني. انشئ حسابًا على المنصة وسجل فخرك بامرأة ملهمة.