يوميات صحفية برلمانية | قطار التأمين الصحي يصل إلى محطته الأخيرة بقنابل موقوتة

منشور الأحد 17 ديسمبر 2017

بالتصفيق والوقوف تحية لفلسطين أنهى مجلس النواب المظاهرة الكلامية التي بدأ بها اليوم الأحد جلسته العامة الأولى، التي تلت قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل.

ولكن لم يكن هذا كل ما في المجلس اليوم، فالبرلمان الذي أجل استكمال مناقشة قانون حقوق ذوي الإعاقة، قرر النظر في مشروع قانون التأمين الصحي الشامل الذي انتهت لجنة الشؤون الصحية من مناقشته الأسبوع قبل الماضي، ووافق النواب بالفعل على 39 مادة من مشروع القانون دون تعديلات تذكر في الجلسة الأولى لمناقشته.

ومن المقرر أن يصل القانون محطته الأخيرة غدًا الإثنين باستكمال مناقشات المواد والانتهاء من الموافقة عليه في مجموعه، أو الموافقة النهائية عليه، في حال توافر النصاب القانوني المطلوب للقوانين المكملة للدستور.

المعارضة تمتنع

وافق النواب من حيث المبدأ على مشروع القانون، فيما رفض أعضاء تكتل 25/30 منح هذا القانون الموافقة المبدئية مؤكدين اعتراضهم على عدد من البنود الجوهرية التي تجعل هذا القانون "قنبلة موقوتة" على حد تعبير النائب هيثم الحريري.

زعيم الأغلبية محمد السويدي أعلن بالطبع موافقته على مشروع القانون وشاركه في ذلك علاء عابد رئيس الكتلة البرلمانية للمصريين الأحرار، والأمر ذاته تكرر مع ممثلي الكتل المختلفة تحت القبة اليوم، عدا نواب تكتل 25/30 الذين رفضوا لأول مرة الموافقة على مشروع قانون من حيث المبدأ.

رئيس مجلس النواب علي عبد العال قال في كلمته "إن هذا المشروع استحقاق دستوري"، واعتبر أن أي مشروع قانون من بين الالتزامات الدستورية لابد أن يتم الموافقة عليه من حيث المبدأ.

وأعلن النائب هيثم الحريري، عضو تكتل (25/30) وجود عشر ملاحظات لدى التكتل على مشروع القانون، ورفض الموافقة عليه من حيث المبدأ.

وقال إن القانون حلم لكل المصريين وحلم كل نائب تقديم مشروع قانون للتأمين الصحي، واستطرد "اسمح لي بضرب جرس إنذار، هذا القانون لن يحقق الحلم ولكن به قنابل موقوتة، لن أمنح هذا القانون الموافقة من حيث المبدأ كجرس إنذار".

وانتقد الحريري "التغول الشديد للقطاع الخاص في هذا القانون وتأثيره في أعمال كل اللجان والهيئات". وتضمنت ملاحظات التكتل "عدم وجود دراسة إكتوارية حقيقية ومُحَدَّث مواردها قبل مناقشات المجلس بالرغم من وجود تعديلات كبيرة على النسب التي كانت معروضة سابقًا أو بعد مناقشات لجنة الشؤون الصحية".

وأسند القانون للجنة ربع أعضائها من ممثلي المستشفيات الخاصة مهمة تسعير الخدمات الطبية التي تعتزم الحكومة التعاقد على شرائها، كما لا يضع القانون تعريفًا محددًا لمحدود الدخل بل ترك الأمر بيد لجنة من موظفي وزارتي التضامن الاجتماعي والمالية. 

واعترض على عدم وضوح دور الدولة في المستشفيات والوحدات الصحية المملوكة للدولة في حال خروجها من النظام بعد تطبيقه، بخلاف غموض تعريف غير القادرين، والأعباء المالية المبالغ فيها للاشتراكات على المواطنين، والتي قد تصل من 5% لـ 11% من دخل المواطن مع وجود تمييز واضح بين المواطنين في آلية تحديد الأجر المحتسب عليه نسبة الإشتراك.

وانتقد التكتل خلو التقرير بشأن مشروع القانون من تحديد مدة زمنية لتطبيق النظام وجدول زمني لتطبيق القانون والذي أشارت الحكومة إلى مدة 15 سنة، واعتبر التكتل أن أي زيادة عن مدة 7 سنوات "تسويف وإهدار للنظام وأمل و حق المصريين في تلقي العلاج و الرعاية الصحية".

أما الطريف فكان خلال كلمة النائب إيهاب غطاطي، عضو ائتلاف الأغلبية، الذي طالب الوزير بتقديم خطة تنفيذه على مدار عشرين سنة، وأشار إلى تأخر سيارات الإسعاف على المرضى، وهو ما رفضه عبد العال قائلًا "مصر دخلت في عداد الدول المتقدمة في سرعة وصول الإسعاف للمريض".

من هم غير القادرين؟

تعريف غير القادرين هو أحد المعضلات الأساسية في مشروع قانون التأمين الصحي الذي من المفترض أن الهدف الاساسي منه مساعدة الفئات غير القادرة وتقديم رعاية صحية جيدة.

ولم يغير البرلمان خلال مناقشات اليوم البند المتعلق بغير القادرين وترك التعريف وتحديد المستحقين، الذين تتحمل الدولة تكلفة علاجهم للجنة مشكلة من قبل وزراتي التضامن الاجتماعي، والمالية، والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وبرر نائب وزير المالية لشؤون الخزانة العامة، محمد معيط، في كلمته عدم النص على تعريف محدد قائلًا "ممكن يكون شخص دخله 10 آلاف جنيه وغير قادر على حسب كل أسرة وعددها وظروفها"، مشددا على أن التعريف متغير دائما من وقت لآخر ومن حالة لأخرى.

وطالب النائب طلعت خليل، بوضع نص واضح وصريح لغير القادرين، وقال "لا يعقل أن 30 مليون مواطن يحدد مصيرهم من خلال لجنة من موظفين وزارة التضامن والمالية ويشرف عليهم الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء".

واقترح أن يكون "غير القادرين هم الأسر التي تلتزم الدولة بسداد أعباء اشتراكاتهم وفقًا للاعتمادات المقررة لهم بالموازنة العامة للدولة، ويتم تحديد غير القادرين بمعرفة لجنة مشكلة من وزارتي التضامن والمالية والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وفقًا للمعايير والتصنيفات التي تحددها اللائحة التنفيذية، لكن لا نترك اللجنة طليقة الأيدي"، كما طالب خليل بتعديل التعريف دوريًا كلما اقتضت الحاجة لذلك.

النائب علاء عابد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار اشترك مع عدد من النواب في وجود مخاوف من عدم وضوح التعريف وطالب بإعادة دراسة المادة وصياغتها مرة أخرى من قبل لجنة الشؤون الصحية.

وقال "موضوع غير القادرين معيار مطاط وأرى أن هذه المادة لم تأخذ حقها في الدراسة"، وتساءل "هل غير القادر نحسبه على حسابات الحكومة أم الواقعية؟ وزير المالية يريد تدبير الأمور بتوازن معين لكن الشعب له اتجاه آخر".

لكن رئيس البرلمان كان له رأي في المناقشات وأميَل لترك الأمر دون تعريف وقال "طبقا لتقارير التنمية وما عشته في دولة أوروبية ودراسة قمت بها في هذه  الدولة الأوروبية، غير القادر توقف الفقه كله عن وضع تعريف له، ولذلك تٌركت لإدارة معينة للتأمين الصحي والاجتماعي تجري دراسات مستمرة لتطبيق معايير استحقاق تطبيق الخدمة الصحية".

وأضاف "وضع أي تعريفات أو ضوابط محددة ستشكل قيدًا لأن التعريف متغير دائما، ما أقوله عن تجربة عشتها من ناحية علمية وواقعية وضع تعريف لغير القادر في قانون عبارة عن تكبيل اللجنة".

 فعقب عليه النائب جمال الشريف قائلًا "أنت وضعت الحل، قرار اللجنة باعتبار الأسرة قادرة أم لا قابل للطعن"- يقصد الطعن القضائي-، مشيرًا إلى أن عدم وضع تعريف لن يُمَكِّن المحكمة من التأكد من صحة القرار من عدمه، واقترح وضع معايير في اللائحة التنفيذية.

أما وزير المالية، عمرو الجارحي حاول توجيه رسالة لتطمين النواب وقال "تحمل الدولة لغير القادرين أمر في غاية الأهمية، جهاز التعبئة والإحصاء يقوم بدراسات مستمرة ويقدمها لرئيس الوزراء، واللجنة ستشكل على أعلى مستوى وستعمل طبقا للدراسات والمعايير الدولية".

وقدم النائب هيثم الحريري ورقة طلب بإرفاقها بمضبطة الجلسة تتضمن اقتراحات بمعايير.

 

ورغم هذا الجدل والخلاف انتهى الأمر بالإبقاء على النص كما جاء في مشروع القانون على أن يحدد غير القادرين الذين تتكفل بهم الدولة لجنة مُشَكَّلة من وزارتي التضامن الاجتماعي، والمالية، والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لوضع معايير الاستهداف المتبعة في هذا الشأن واسترشادًا بالحد الأدنى للأجور المعلن عنه بالحكومة على المستوى القومي ومعدلات التضخم، ويتم تعديلها دوريًا على فترات لا تزيد على ثلاثة أعوام.

تسعير الخدمة

كانت هذه النقطة من ضمن النقاط الخلافية في المناقشات، ومع أهميتها وتأثيرها على مسار المنظومة؛ لم ينته الأمر بأية تعديلات.

بدأ النقاش باعتراض النائب هيثم الحريري على عضوية القطاع الخاص بنسبة كبيرة في اللجنة التي تضع تسعير للخدمات الصحية المقدمة، وقال إن "هذا يؤدي لرفع المساهمات والاشتراكات، آخذ خدمة بأفضل سعر وليس أغلى سعر، القطاع الخاص سيعطي خدمة جيدة بأغلى سعر".

لكن وزير الصحة، أحمد عماد الدين حاول المناورة في هذه النقطة وقال "وجود القطاع الخاص لأني أضبط به السعر، القطاع الخاص يبدأ الربح من 30% أنا استرشد بالقطاع الخاص ولكن هو لا يحدد السعر، أنا لازم أحجمه ولكن هو لا يحدد السعر".

ولكن النائب مجدي مرشد القيادي في ائتلاف دعم مصر واجه وزير الصحة قائلًا "النص واضح أن اللجنة تختص بستعير الخدمات الطبية التي تقدمها هيئة الرعاية، اللغة واضحة وصريحة، اللجنة تسعر وتختص بالتسعير بلغة عربية واضحة المعالم"، وانتقد أيضا غياب ممثل عن هيئة التأمين الصحي في لجنة التسعير.

ورد نائب وزير المالية لشؤون الخزانة العامة محمد معيط قائلًا "عندنا خبرة 53 سنة انفردنا خلالها بوضع السعر والمواطن عارف الخدمة شكلها إيه"، واعتبر أن النص يهدف إلى ضمان جودة وسعر عادل، وقال "كل الأطراف المسؤولة عن تقديم الخدمة تكون موجودة على الترابيزة ويتم النقاش في السعر العادل".

وتنص المادة التاسعة من مشروع القانون على أن "تشكل بالهيئة لجنة دائمة تختص بتسعير قائمة الخدمات الطبية التي يتم التعاقد على شرائها، ويصدر بتشكيلها قرار من مجلس إدارة الهيئة، على ألا يقل عدد أعضائها عن تسعة ولا يزيد على خمسة عشر عضوًا، على أن يكون ربع أعضائها على الأقل من الخبراء المستقلين عن الهيئة والمتخصصين في تسعير الخدمات الطبية، وربع عدد الأعضاء من ممثلي مقدمي الخدمة في القطاع الخاص كحد أقصى، وتبين اللائحة التنفيذية إجراءات وضوابط عمل اللجنة".

كلام كثير عن القدس

أبيات شعرية، وكلمات عاطفية وهتافات كانت أغلب كلمات النواب الذين تحدثوا في بداية الجلسة العامة مؤكدين عروبة القدس ورفض القرار الأمريكي.

ورغم وجود كلمات قوية تتضمن مطالب واقتراحات واضحة كرد فعل على القرار الأمريكي، وعدم الاكتفاء بالشجب والإدانة، إلا أن هذه الكلمات لم تتحول في نهاية الأمر إلى قرارات أو توصيات تذكر، ويبدو أنها ستظل محفوظة في مضبطة الجلسة ولن تتحول إلى إجراءات.

كان رئيس مجلس النواب، علي عبد العال بدأ الجلسة العامة ببيان يرفض فيه  قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتبار القدس عاصمة إسرائيلية، مع نقل سفارة بلاده لدى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وافتتح الجلسة العامة قائلا : "القدس لنا.. القدس لنا".

كلمات عبد العال قابلها هتافات من النواب مرددين "الله أكبر، القدس عربية، القدس عربية". 

تتضمنت رئيس البرلمان دفاعًا عن الموقف المصري الرسمي وقال "بادرت القياداة السياسية بالاتصال بكافة القادة من عرب وأجانب من أجل صياغة قرار دولي تحبط فيه الحجج الأمريكية بخصوص الاعتراف بالقدس"، مشيرًا إلى أن مصر طلبت عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة بعقد جلسة طارئة وعقدت الجلسة واتخذ قرار بعدم الاعتراف بقرار الإدارة الأمريكية بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

اقترح زعيم الاغلبية، محمد السويدي، أن تتولى لجنتي العلاقات الخارجية الشؤون العربية متابعة القرارات والاتصال الدائم بالأمم المتحدة وإرسال رسالة للكونجرس برفض القرار تمامًا.

أما عضو تكتل 25/30 النائب ضياء داود بعد كلمة عاطفية عن فلسطين والقدس طالب أن يتبنى مجلس النواب المصري الرسالة، ويبدأ خطوات استرداد "الحق العربي"، وقال الاستعمار لا يعرف إلا لغة المصالح، داعيًا إلى مقاطعة البضائع والمنتجات الأمريكية، ووقف التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أما رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار ، النائب علاء عابد قال "علينا العمل من أجل اتخاذ قرارات اقتصادية ودبلوماسية حتى لا نلجأ مرة أخرى للشجب والتنديد، ولنقول للإدارة الأمريكية مرة أخرى: أمجاد يا عرب أمجاد".

فيما طالب النائب عبد الحميد كمال بإعداد مشروع قانون يقضي بمقاطعة البضائع الأمريكية وإحالته إلى لجنة الشؤون الدستورية، والتواصل مع برلمانات العالم للدول التي وقفت بجانبنا، وإصدار لجنة الثقافة والإعلام بالمجلس كتاب أسود عن الموقف الأمريكي الذي يكيل بمكيالين، والعمل على مساندة الشعب المصري، بوقف التطبيع إسرائيل التي تساعد إثيوبيا وتهدد أمن البلاد القومي.

السيد فليفل، رئيس لجنة الشؤون الأفريقية أكد ضرورة التفكير في نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، ومنع الولايات المتحدة من الانفراد بقضية فلسطين، أو تسحب مصر اعترافها وكل الدول المؤمنة بالسلام في العالم "بهذا الكيان الصهيوني".