أحمد حلمي.. الخاسر الوحيد من "تراب الماس"

هل كان حلمي موفقًا عندما قرر التفريط في دور مثل "طه حسين الزهار"، في فيلم سيكون مقدرًا له النجاح إذا وُضِعَ اسم "أحمد حلمي" عليه، من أجل دور آخر لم تتبين ملامحه بعد؟

ظل مشروع تحويل رواية تراب الماس الصادرة عام 2010 لكاتبها أحمد مراد إلى فيلم سينمائي حبيس الأدراج لمدة خمس سنوات كاملة، وظل خيال متابعي الكاتب الشاب ينسج صورة للفيلم الذي سيقوم ببطولته أحمد حلمي ويرافقه في دور الأب محمود عبد العزيز حسبما كان مقررًا حينها، حتى مات محمود عبد العزيز عام 2016 وظل أحمد حلمي يحبس المشروع.

قضايا ونزاعات ثم حكم محكمة استعاد على إثره أحمد مراد حقوق روايته عام 2016 من أحمد حلمي، الذي كان اشتراها عام 2010. فاز مراد بالقضية التي رفعها على حلمي عام 2015، بعد أن مرت خمس سنوات دون أن تتحول الرواية إلى فيلم حسبما قال مؤلف الرواية نفسه، وأخيرًا تحول المشروع إلى فيلم سينمائي ينافس باقي أفلام عيد الأضحى لهذا العام، من إخراج الشريك الأساسي لمراد في مشواره السينمائي، المخرج مروان حامد، لكن من بطولة الفنان آسر ياسين.

أرجع كثيرون توقف المشروع لدى حلمي بسبب إصابته بمرض خطير عام 2014، لكن يبدو أن هذا المرض لم يكن شفيعًا لحلمي لدى مراد، خاصة أن الأول قدم فيلم لف ودوران عام 2016 بما يوحي أنه استعاد عافيته ولم يعد هناك سبب لتوقف تراب الماس وقتها، وبسرعة شرع مراد في تنفيذ مشروعه الجديد بعيدًا عن أحمد حلمي، فبالرغم من تمسك الأخير بالفيلم إلا أن مراد ومروان حامد بيّتا النية على تنفيذ الفيلم ببطل جديد دون تأخير.

ولكن، بمحاولة تخطي حقوق كل من حلمي ومراد، من الخاسر في فيلم تراب الماس؟ هل هو أحمد حلمي الذي فقد دورًا دراميًا "من الجلدة للجلدة" كان سيمثل قفزة أخرى في نوعية أدواره بعد القفزة الأولى في فيلم "آسف على الإزعاج"؟ أم أن الخاسر هو أحمد مراد وصناع فيلم تراب الماس الذين فقدوا أحد أهم نجوم الشباك في العقدين الأخيرين؟

حلمي وآسر..والشخصية المُركبّة

آخر ما سمعناه عن أحمد حلمي تحضيره لفيلم جديد، اسمه المبدئي خيال مآتة، مع المخرج خالد مرعي، وهو مخرج فيلمه الأخير لف ودوران الذي حقق 43 مليون جنيه في شباك التذاكر، ودخل ضمن قائمة الأفلام الأعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية، وهو شريك نجاح حلمي أيضًا في آسف على الإزعاج وعسل أسود.

اللافت هنا هو مؤلف العمل الجديد، عبد الرحيم كمال، الذي تميز في الدراما التليفزيونية بمشاركة النجم يحيى الفخراني في مسلسلات الرحايا وونوس وشيخ العرب همام، إلى جانب مسلسلات أخرى جيدة مثل يونس ولد فضة.

ويتميز كمال بعمق قد يصل إلى حد الفلسفة في معظم أعماله، خاصة فيلمه الأخير الكنز الذي يشارك في بطولته العديد من النجوم ومن المنتظر طرح الجزء الثاني منه قريبًا، وهو الفيلم الذي كان واضحًا من جزءه الأول صعوبة كتابته لتعرضه لأكثر من مرحلة تاريخية وتناوله لفكرة الحب والسلطة عبر الأزمنة.

إذن فأحمد حلمي يفكر جيدًا بالفعل، يحاول العثور على نص متقن، ولا يميل لتكرار تجربة لف ودوران مرة أخرى في فيلمه المقبل، فبالرغم من سهولة محتوى لف ودوران وإيراداته الضخمة، إلا أنه لم يترك بصمة واضحة، وجاءت إيراداته معبرة عن اسم "أحمد حلمي" فقط كنجم شباك، ومن الذكاء أن يلتفت حلمي لذلك ويعرف أن اسمه لن يحمله بمفرده طويلًا.

وبالنظر إلى حصيلة أفلام أحمد حلمي بعد ثورة يناير، وقلة الانتاج السينمائي بشكل عام، نجد أن آخر فيلم قد يحصل على التقدير بالفعل، هو فيلم "إكس لارج" عام 2011، أما ما تلته من تجارب، فلم تكن على المستوى المنتظر من حلمي، فأعمال مثل على جثتي وصنع في مصر إضافة إلى لف ودوران بإيرادته الضخمة، لم تلقَ نجاح أفلام حلمي السابقة مثل آسف على الإزعاج وألف مبروك وعسل أسود أو حتى أفلامه الكوميدية الخالصة التي سبقتها.

هنا يطرح السؤال نفسه، هل كان حلمي موفقًا عندما قرر التفريط في دور مثل "طه حسين الزهار"، في فيلم سيكون مقدرًا له النجاح إذا وُضِعَ اسم "أحمد حلمي" عليه، من أجل دور آخر لم تتبين ملامحه بعد؟ ولماذا تؤجل مشروعًا كل هذه السنين دون تقديمه في هذا الوقت المناسب وقد بدأ الانتاج السينمائي في التعافي، ولو بقدر بسيط، مع موجة من السخاء الإنتاجي على أفلام تقابلها إيرادات مهولة.

ظهر آسر ياسين في تراب الماس بأفضل حالاته، ساعده على ذلك التصميم الجيد للشخصية المركبة، التي تتحول حياتها بين يوم وليلة، وتتلقى صدمة كبيرة لم تكن تتوقعها

وعلى الجانب الأخر، فإن "طه حسين الزهار" الذي قدمه في النهاية آسر ياسين، يعتبر نقلة للفنان الذي ظل ينتقل من مرحلة لأخرى منتظرًا اللحظة المناسبة ليجمع بين النجاح النقدي والجماهيري، فهو البطل السابق لأفلام مخرجين كبار مثل داوود عبد السيد في رسائل البحر، ومحمد ياسين في الوعد، وهو المشارك في بطولات أفلام جيدة مثل أسوار القمر وزي النهارده والجزيرة.

بين محاولاته في البطولة المنفردة والجماعية كان آسر ياسين يفتقد شيئًا ما يقف حائلًا بينه وبين تحقيق العلامة الكاملة، هذا فيلم جيد لكنه ليس جماهيريًا، هذا فيلم جماهيري لكن الدور ليس دور البطولة، وهذا مسلسل هو بطله لكن دور الشرير أفضل وله بريق أكثر لمعانًا، وهكذا، حتى جاء تراب الماس ليضع بين يدي آسر ياسين فرصة العمل مع مخرج قدير كمروان حامد، له سوابق جماهيرية ناجحة أبرزها الفيل الأزرق، وفي نفس الوقت يقدم صورة سينمائية ممتازة تستحق الإشادة دومًا من الجمهور والنقاد، فما كان من آسر ياسين إلا أن التقط الفرصة.

ظهر آسر ياسين في تراب الماس بأفضل حالاته، ساعده على ذلك التصميم الجيد للشخصية المركبة، التي تتحول حياتها بين يوم وليلة، وتتلقى صدمة كبيرة لم تكن تتوقعها، ثم تتوالى الصدمات واحدة وراء الأخرى، إلى جانب تاريخ الشخصية الذي يحمل عقدة من الأم ومن الحبيبة السابقة، هذه التفاصيل الكثيرة بين ماضي الشخصية وحاضرها، منحتها قوة، وسمحت لمصمم الملابس أن يختار لها الزي المناسب، ولمتخصص المكياج أن يرسم ملامحها في جميع مراحل الفيلم المرهقة، ولمروان حامد التركيز على تعبيراتها وحركاتها من القدم إلى الرأس، هذه كله إلى جانب لزمات الشخصية الحركية والتي تطورت خلال أحداث الفيلم.

وعلى الرغم من مخاوف محبي رواية تراب الماس من تحول دور طه حسين الزهار من أحمد حلمي إلى آسر ياسين، إلا أن الأخير تعامل مع الفيلم باجتهاد واضح، لا ينكره حتى من لم يعجبه الدور أو الأداء أو الفيلم بشكل عام، اجتهاد واضح في كل تفاصيل الشخصية وردود فعلها ومشاهدها المحورية، هذه الاجتهاد يكفي آسر ياسين ليفوز في التحدي الذي دخله، بينما يستمر الجمهور في تخيل حلمي في نفس الدور، وهو تخيل قد يضر بحلمي بعد نجاح آسر.

التفريط في عمل واعد

ومن ناحية أخرى، وبالحديث عن فيلم تراب الماس بشكل عام، أهدر أحمد حلمي فرصة التواجد في فيلم لديه فرصة كبيرة في أن يحقق نجاحًا جماهيريًا ونقديًا، فالفيلم عن رواية لكاتب يحظى بشعبية كبيرة لدى غالبية الشباب رغم الانتقادات التي يتلقاها هو الأخر، هذه الشعبية في النهاية تُترجَم لمبيعات خرافية لكتبه على عكس الشائع في المحيط الأدبي المصري المنفر للقراءة.

هنا يعود مراد لتقديم فيلم عن رواية له، بعد النجاح الكبير لفيلم الفيل الأزرق، ثم الاخفاق في الأصليين الذي كتبه مباشرة للسينما دون الاستناد إلى نص روائي، ووقع الاختيار على تراب الماس لما يمثله الكتاب من مرحلة مهمة في حياة الكاتب نفسه، ما بين البدايات والشهرة الكبيرة، مرحلة وسط قدم فيها رواية أوفت جانبًا كبيرًا من التشويق للشباب والأدب للكبار.

القصة تحمل الكثير من المفاجآت، التشويق، الدراما، والأفكار الجديدة والمثيرة للجدل، حتى في طرح جزء من تاريخ مصر طرحًا جديدًا لا نراه في الخطاب الرسمي والإعلامي والسينمائي المصري، في الحقيقة لا نرى أي خطاب في الأفلام المصرية، فقط ترهات متتالية

ربما تعجل مراد في استرداد حقوق تراب الماس من أحمد حلمي بسبب إخفاق فيلمه الأصليين، ورغبته في العودة إلى نص كتبه من قبل ونجح بالفعل دون الدخول في مغامرة جديدة غير محمودة العواقب، قد تبعده عن الأضواء لسنين، وبالتالي نجاحه في تراب الماس شبه مضمون بخلطة مثيرة قد تعجب الجمهور بعيدًا عن "عمق" فيلم الأصليين، الذي لاقى انتقادات جماهيرية ونقدية كبيرة على مستوى الكتابة رغم الإشادة بصورة المخرج مروان حامد.

القصة تحمل الكثير من المفاجآت، التشويق، الدراما، والأفكار الجديدة والمثيرة للجدل، حتى في طرح جزء من تاريخ مصر طرحًا جديدًا لا نراه في الخطاب الرسمي والإعلامي والسينمائي المصري، في الحقيقة لا نرى أي خطاب في الأفلام المصرية، فقط ترهات متتالية غرضها قضاء المتعة الوقتية للجمهور في السينما فقط، وهو هدف شرعي في عرف صناعة السينما والترفيه، لكن لا يجب أن يكون غرض كل الصناعة.. إذن حلمي فوت فرصة تقديم قصة مختلفة مع كاتب شهير.

وبالطبع فقد فوت حلمي فرصة العمل مع مروان حامد، هذا المخرج الذي يحمل في جعبته أربعة أفلام كبيرة، خامسها تراب الماس، رسخ فيها طريقة وأسلوب خاص به وارتبط باسمه، على الرغم من كونه ابن الكاتب الكبير وحيد حامد، ونفى ما قد يترتب على هذا الارتباط من أحاديث عن الوساطة في الفن، والتي يتناقلها الجميع عن الفنانين وأبنائهم، لاسيما أن أول تجربة لمروان حامد كمخرج كانت فيلم "لي لي" وهو من إنتاج أبيه، الذي مهد له الطريق قبل أن ينطلق بفيلم "عمارة يعقوبيان".

من المؤكد أن حلمي فوت فرصة هنا، كون مروان حامد متشوق لتناسي إخفاق الأصليين بفيلم جديد يحقق نجاحًا، فعلى الرغم من تلقي أحمد مراد جميع الانتقادات الخاصة بالأصليين، إلا أن مروان في النهاية هو المخرج، وهو صاحب العمل والمسؤول الأول والأخير عنه، وهو ما ظهر جليًا في سرعة إصداره فيلمًا جديدًا بعد عام واحد فقط من عمله الأخير، على الرغم من الفترة الزمنية التي تتراوح ما بين أربعة وخمسة سنوات بين أفلامه، وتحضيره المكثف والصبور لها.

رهان على ذكاء أحمد حلمي

أحمد حلمي إذن هو الخاسر الوحيد من التفريط في فيلم تراب الماس، لا الممثل البديل، ولا الكاتب الذي دخل في نزاع معه، ولا المخرج الذي يسعى لتقديم الجديد حتى إن لم يستعن بنجم شباك، وحتى وإن لم يحظى الفيلم برواج جماهيري كبير، فغاية صناعه هو العبور بهم مرة أخرى إلى منطقة آمنة ومقبولة جماهيريًا ونقديًا، والاستمرار في تقديم نوعية مماثلة نأمل جميعًا أن تتطور أكثر فأكثر لإثراء السينما المصرية، القادرة على استيعاب الفن الجيد رغم كل ما يحيط بها، ورغم ما شهدته من كبوات وركود وانتظام وانتعاش طوال تاريخها، إن دلت فإنما تدل على قدرتها على العودة من جديد.

وأيضًا، نحن نراهن على ذكاء أحمد حلمي، وعلى استيعابه لما يقدمه، فنجاته من مرحلة سقوط نجوم سبقوه وتغيير جلده من قبل يشير إلى كونه فنان جيد، جيد بالفعل، قد يفاجئنا بفيلم جديد ينسينا تفريطه في تراب الماس.