تلاميذ في منطقة بولاق الدكرور- تصوير: حي مالك

صندوق وقف التعليم..هل يمكن لمصر السير على خطى هارفارد؟

هناك تصور لدى المسؤولين أن الشعب مدكّن فلوس، بدليل كلام وزير التعليم نفسه عن تذاكر حفلة عمرو دياب.

- عبد الحفيظ طايل.

شكك خبراء تعليم واقتصاد في إمكانية التطبيق العملي لفكرة صندوق الوقف الذي أعلنت الحكومة أنها ستؤسسه من أجل تطوير التعليم، على اﻷقل في الوقت الحالي، وذلك لوجود اختلافات كبيرة بين ما تريد الحكومة المصرية تطبيقه؛ وما يُطبق بالفعل في الخارج .

وأعلنت وزيرة التخطيط هالة السعيد، قبل أسبوع، أن الحكومة تسعى لتأسيس صندوق وقف بغرض الإنفاق على التعليم، برأسمال 200 مليون جنيه، بمساهمة بنك الاستثمار القومي، وزارة الأوقاف، وبنوك أخرى، تحت مسمى "صندوق وقف التعليم".

ولاقى إعلان "التخطيط" صدى إيجابيًا من وزارة التعليم، إذ أعلن الدكتور طارق شوقي أن الهدف من صندوق الوقف هو "ضمان استمرارية مجانية التعليم"، وحث على المشاركة المجتمعية الشاملة فيه، "باعتباره " مشروع دولة، ويحتاج لفترة طويلة"، وضرب عليه مثلاً بجامعة هارفارد، والجامعة الأمريكية التي "تعتمد بشكل كبير على التبرعات".

ليست هارفارد

جامعة هارفارد من أقدم وأكبر الجامعات الأمريكية، ولديها وقف بالفعل، بل وتتلقى التبرعات، حسبما يُشير موقعها الرسمي.

ووفقًا للمركز القومي اﻷمريكي لإحصائيات التعليم (مركز حكومي)، فإن الأوقاف المخصصة للكليات والجامعات الأمريكية في نهاية السنة المالية 2015، بلغت قيمتها 547 مليار دولار.

الوقف في الخارج قطاع خاص، وله قانون يُنظم عمله، ومدير استثمار يعمل على تنمية موارده، وهذا النوع من الصناديق غير موجود في مصر وليس له قانون.

- سلمى حسين.

لكن هناك بعض الجوانب التي تجعل من هارفارد ووقفها وتبرعاتها حالة بعيدة في القياس والمقارنة عما تريده الحكومة المصرية.

وفقًا للباحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية سلمى حسين، فإن هارفاد خاصة وليست حكومية، فضلًا عن أنها جامعة وليست مدرسة للتعليم الأساسي، مشيرة إلى أن المدارس في الخارج "حكومية مجانية".

وأضافت للمنصّة "بل إن الحكومة اﻷمريكية تدعم اﻷسر الراغبة في تعليم أبنائها بمدارس خاصة، عن طريق منحهم بطاقة (كوبون) بقيمة مصروفات تعليم أبنائهم حكوميًا، ليضيفوا هم عليها الفارق بينها وبين الخاصة".

شددت الباحثة والصحفية المختصة في الاقتصاد، على أنه لا يجوز أبدًا المقارنة بين تعليم أساسي حكومي وبين تعليم خاص جامعي. واتفق معها عبد الحفيظ طايل مدير المركز المصري للحق في التعليم، الذي شدد على أن هارفارد أو الجامعة الأمريكية بالقاهرة ليستا للتعليم أساسي "وهو مسؤولية الدولة وفي رقبتها".

وأضاف طايل للمنصة "لكن الحكومة هنا تعمل بمنطق لوم الضحية، فالحكومة جيدة وتبذل ما في وسعها بينما المشكلة في الناس؛ ولهذا يجب أن يدفعوا، خاصة وأن هناك تصور لدى المسؤولين أن الشعب مدكّن (يدخر) فلوس، بدليل كلام وزير التعليم نفسه عن تذاكر حفلة عمرو دياب".

نقطة أخرى تختلف فيها أوقاف الغرب عن فكرة وقف التعليم المصري، وهي أن الوقف يكون بمبادرة من رجال أعمال "بدافع المسؤولية المجتمعية، وكذلك لخصم ما سيساهم به من الضرائب المقررة عليه" وليس بطلب من الدولة، وفقًا لطايل، الذي يقول إن ما يجري هنا هو العكس "فالدولة ما تزال تتعامل مع الشعب بمنطق مشروع القرش الذي أُطلق في ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك على الرغم من اختلاف الظروف الاقتصادية".

بمطالعة واحد من كشوف الحسابات الختامية الخاصة بمؤسسة بيل وميلندا جيتس، والمتاحة على الإنترنت، فإن المؤسسة مُعفاة من الضرائب مقابل ما تؤديه من أعمال خيرية. لكن مؤسسة الزوجين جيتس، التي تأسست عام 2000، خاصة. وهذه هي نقطة اختلاف عما تريد الحكومة تأسيسه هنا.

الدولة ما تزال تتعامل مع الشعب بمنطق مشروع القرش الذي أطلق في ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك على الرغم من اختلاف الظروف الاقتصادية.

- عبد الحفيظ طايل

وتشير الباحثة سلمى حسين إلى أن الوقف في الخارج "قطاع خاص، وله قانون يُنظم عمله، ومدير استثمار يعمل على تنمية موارده"، وأضافت "هذا النوع من الصناديق غير موجود في مصر وليس له قانون لتنظيمه، أما ما تديره وزارة اﻷوقاف فجميعه أوقاف قديمة، وقانونًا لا يحق للوزارة تأسيس وقف جديد". ما يعني أنه لا يوجد قانون ينظم إنشاء وقفيات جديدة أو يحدد من يشرف عليها وإلى أي يد ستؤول حصيلة أموالها.

كشف حساب

وأوضحت الباحثة بالمبادرة المصرية أن الوقت "ما يزال مبكرًا لتنفيذ فكرة الصندق- لو تم تنفيذه- ﻷنه يحتاج إلى قانون خاص به"، بالإضافة إلى "صعوبات التنفيذ والمتعلقة بحجم المال الذي يحتاجه الصندوق، وبأن التبرع اختياري".

وفيما يتعلق بالتبرع، قال المستشار السابق بالهيئة العامة للاستثمار نبيل الجداوي، إن هناك عدد من اﻷسئلة التنظيمية يجب الإجابة عليها قبل الحديث عن تبرعات أو اكتتابات، وهي "من أين ستأتي أموال الوقف الرئيسية؟ ما مصدرها؟ ﻷن الوقف هو عبارة عن مشروع يُخصص عائده لخدمة شيء ما".

ويضيف الجداوي للمنصّة "وبعد تحديد مصدر اﻷموال، تأتي الخطوة التالية والخاصة بما ستُستثمر فيه، ومن سيديره (الصندوق)، ومن ثم نتحدث عن العائد الذي سنخصصه للتعليم".

تجربة أخرى للأوقاف التعليمية في الخارج، تتمثل فيما تقدمه الرابطة الوطنية للمدارس المستقلة (NAIS)، وهي جمعية غير ربحية تقدم خدمات لأكثر من 1800 مدرسة ورابطة للمدارس في الولايات المتحدة اﻷمريكية وخارجها، بما في ذلك أكثر من 1500 مدرسة خاصة مستقلة من الروضة إلى الصف الثاني عشر. تضع الرابطة عددًا من المعايير والمبادئ الواجب توافرها في الوقف، تتعلق بسياسة الإنفاق وجمع اﻷموال والهبات.

حجم اﻷموال المطلوبة للوصول للاستحقاق الدستوري الخاص بالتعليم المدرسي في الموازنة العامة يفوق 160 مليارًا، فمن لديه الاستعداد والرغبة بالتبرع بمبلغ كهذا.

- سلمى حسين.

ويقدم الموقع الرسمي لجامعة هارفارد بيانات صحفية ومعلومات عن وقفها وأدائه عامًا بعد عام، كما تفعل اﻷمر نفسه مؤسسة بيل وميلندا جيتس، التي يديرها مجلس أمناء يقدم كشف حساب سنوي متاح على الإنترنت. وفي المملكة المتحدة تحدد الحكومة عبر موقع رسمي القواعد الحاكمة للأوقاف والتعامل معها.

وقال طايل عن التبرع، إن للمصريين تجربة سابقة في الاكتتاب وشهادات الاستثمار حين أطلقت مع مشروع قناة السويس "لم تؤت ثمارها لهم حتى الآن"، مضيفًا "وهل يعرف المصريون كيف تدار أموال اﻷوقاف حتى نضيف لها وقف آخر جديد؟"

إفصاح جيتس

وتتبع المؤسسات الوقفية الخاصة في الغرب سياسات إفصاح، تتيح معلومات تفصيلية عن إدارتها والقائمين عليها، بل وعن موقفها المالي بصورة سنوية منتظمة، والقواعد المحاسبية التي تتبعها التزامًا بالقواعد الحكومية المعمول بها هناك.

واحدة من هذه المؤسسات، هي الأمريكية الخاصة غير الربحية ، مؤسسة بيل وميليندا جيتس، والتي يتيح موقعها الرسمي معلومات تفصيلية عن الوقف الخاص بها، وموقفه المالي، والقواعد المحاسبية التي يتبعّها.

وبحسب وثيقة منشورة عبر الموقع، فإن المؤسسة الخيرية بالإضافة لصندوقها الائتماني، يعاملان كمؤسستين خاصتين معفيتين من الضرائب.

يدير الصندوق الائتماني لمؤسسة بيل وميليندا جيتس الأصول الاستثمارية التي تبرع بها الزوجان جيتس، ومعهما وارن بافيت، ثم تُنقل عائدات الاستثمارات إلى المؤسسة، التي توزّع الأموال في شكل منح ونفقات خيرية مباشرة، وغيرها من أوجه الإنفاق.

وتقدم المؤسسة قوائم مالية مدققة وإقرارات ضريبية بصورة سنوية، تحتوي على معلومات عن الأنشطة الخيرية والمالية لها، إذ تُعِدْ البيانات المالية الخاصة بكل كيان تابع لها وفقًا لقواعد المحاسبة العامة المتبعة في الولايات المتحدة اﻷمريكية GAAP، وتتضمن كذلك تدقيق من قبل مراجعي حسابات مستقلين. كما تقوم المؤسسة كذلك بملء نموذج تضعه دائرة الإيرادات الداخلية (حكومية)، كي تستخدمه اﻷخيرة في حساب متطلبات الدفع السنوي لها، ولمراقبة الأنشطة الرئيسية وتقييم الرسوم الضريبية.

وتوضح الوثيقة التي نشرتها المؤسسة، أنها ولكي تحصل على إعفاءات ضريبية معينة، يجب أن تقوم المؤسسات بإنفاق مبالغ محددة، استنادًا على حجم أصولها.

وفقًا للوثيقة أيضًا، فإن المؤسسات الوقفية (الخاصة) في الولايات المتحدة معفاة من ضريبة الدخل، لكنها مُطَالَبة بدفع ضريبة 2٪ على صافي دخل الاستثمار، بل قد تنجح المؤسسة في تخفيض معدل الضريبة إلى 1٪ إذا أنفقت مبلغًا يفوق الحد الأدنى المخصص للتبرع والإنفاق.

تبرع جديد؟

بجانب العوائق المتعلقة بطبيعة الوقف وكونه في أغلب دول العالم خاصًا وليس عامًا، وكذلك كيفية إدارته ومحاسبة القائمين عليه، هناك جانب آخر يتعلق بقابلية المواطنين للتبرع.

تتساءل سلمى حسين "إن حجم اﻷموال المطلوبة للوصول للاستحقاق الدستوري الخاص بالتعليم المدرسي في الموازنة العامة يفوق 160 مليارًا، فمن لديه الاستعداد والرغبة بالتبرع بمبلغ كهذا؟ خاصة وإنني كمواطن لم أر خطة واضحة أعرف من خلالها كيف سيستفيد أبنائي من هذا التبرع؟"

ينص الدستور المصري على التزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية. وتشرف الدولة عليه لضمان التزام جميع المدارس والمعاهد العامة والخاصة بالسياسات التعليمية لها.

يعلّق طايل "ما نخصصه من الموازنة العامة للتعليم هو 2.3% فقط. لذا قبل الحديث عن الوقف، يجب أولاً تلبية الاستحقاق الدستوري الخاص بنصيب التعليم من الموازنة".

واختتم رئيس المركز المصري للحق في التعليم، قائلاً "في النهاية لن نكون ضد تخصيص وقف للتعليم الأساسي، لكن شريطة أن يكون بمبادرة مجتمعية وبعد تنفيذ الدولة لاستحقاقاتها".