طفل مصاب بضمور العضلات. صورة بإذن خاص من أسرته- دكتور أحمد حسين

حياة المريض تنتهي في العشرين: "ضمور العضلات" قاتل بطيء تتجاهله الدولة

تبدأ معاناة الطفل مع "دوشين" عند سن 5 سنوات عند المشي أو النهوض نتيجة إصابة عضلات الحوض، ثم تصاب عضلات الفخذين فالجذع والكتفين، إلى أن يُقعد تمامًا عن الحركة وينتهي بالوفاة عند متوسط عمر 20 عامًا.

بينما تحصد حوادث الطرق في مصر أرواح آلاف المواطنين كل عام، وتخلّف عددًا كبيرًا من المصابين، بسبب سوء حالة الطرق وغياب إجراءات السلامة، فإن مرض ضمور العضلات يقتل حوالي مليون طفل مصري ببطء، دون تدخل قوي من الدولة لمواجهته وتوفير التوعية به.

الموت فجأة مصيبة يُبتهل إلى الله المعافاة منها، ولكن شتان بينه وبين مشاعر حزن أهالي طفل يعلمون أن نهاية مرضه الموت، وبالتأكيد ستلازمهم مشاعر السخط وتأنيب النفس، عندما يعلمون أن لهذا المرض علاج لا يستطيعون توفيره، وقطعًا لا يحوي معجم الكلمات ما يُصدق وصفًا لمشاعر الطفل ذاته.

أرواح داخل أجساد ميتة

يقول مريض بأحد أنواعه "المرض ده لا يقل خطورة عن السرطان، يصيب الأطفال وتقدر الأعداد في مصر بـ 950 ألف مريض وتتزايد، نحن أرواح داخل أجساد ميتة بيصبحوا يتألموا و يناموا يتألموا"، وأداعب طفل ذو خمس سنوات في نفس يوم لقائي بالمرضى وأهاليهم بالسؤال الروتيني للأطفال "تحب تكون إيه"؟ فيجيب " أنا بحب الكرة ونفسي أخف علشان ألعب مع محمد صلاح"، وأم لطفل عمره 3 سنوات عايشت التجربة فبحثت سريعًا عن التشخيص تقول "إحنا عاوزين نلحق الأطفال التي لم تقعد بعد عن الحركة، أختي الكبيرة لديها طفلين الأكبر قعيد منذ 9 سنوات والآخر منذ 5 سنوات".

طفرة وراثية

يحدث ضمور العضلات نتيجة طفرات وراثية في الجينات المسؤولة عن العضلات، تسبب عدم إنتاج بروتينات معينة في العضلات فتتأثر وظيفتها، بهذا التعريف المبسط عن المرض تبدأ الحديث أستاذة أمراض المخ والأعصاب بطب عين شمس، الدكتورة ناجية علي فهمي، التي يُطلق عليها المرضى وأهاليهم "أم مرضى ضمور العضلات".

و تضيف أن وحدة أمراض العضلات والأعصاب بطب عين شمس، التي تديرها، بدأت منذ عشرين عامًا، ولكن للأسف حتى تاريخه بعض التحاليل الجينية الضرورية للتشخيص لا توجد في مصر، وتُجرى بالخارج نظرًا لضعف الإمكانيات ونأمل أن يكون هناك مركزًا متخصصًا لتشخيص وتأهيل وعلاج مرضى ضمور العضلات والأعصاب في مصر، خاصة أن علاج ضمور العضلات الشوكي دخل بعض الدول العربية وأيضًا نوعين من العلاج لنوع دوشين تمت الموافقة عليهما عالميًا.


لا توجد إحصائية دقيقة لمرضى ضمور العضلات والأعصاب في مصر، لكن طبقًا للنسب العالمية للمرض إلى عدد المواليد فيقدروا في مصر بحوالي مليون مريض، فمثلًا نوع "دوشين" يصيب مولود ذكر من كل 3500 مولود، ونوع "ضمور العضلات الشوكي" يصيب طفلًا من بين كل 8000، وهناك عشرات الأنواع لكن أكثرها شيوعًا "دوشين".

عند 5 سنوات

تبدأ معاناة الطفل مع "دوشين" عند سن 5 سنوات عند المشي أو النهوض نتيجة إصابة عضلات الحوض، ثم تصاب عضلات الفخذين فالجذع والكتفين، إلى أن يُقعد تمامًا عن الحركة وينتهي بالوفاة عند متوسط عمر 20 عامًا، إلا أن تطبيق معايير الرعاية العالمية للمرضى يؤدي إلى الحد من التدهور، وأفاد خبراء أجانب بارتفاع متوسط عمر المريض في بلادهم إلى 40 عامًا.

وعن سبب عدم الوصول لهذا المتوسط في مصر تقول أستاذة الطب الطبيعي بجامعة عين شمس، الدكتورة هالة عبد الهادي "لتطبيق تلك المعايير الدولية لرعاية المرضى لا بد من تكوين فريق عمل طبي متكامل من أطباء العصبية والأطفال والوراثة والطب النفسي والطب الطبيعي والقلب والصدر والعظام والتغذية، وهذا غير موجود سوى في مستشفى الدمرداش، والوحدة مساحتها وإمكانياتها محدودة عن استيعاب جميع المرضى من كل الجمهورية".

وتتناول استشاري الوراثة بعين شمس، الدكتورة نرمين صلاح، جانبًا آخر من المشكلة "التوعية عن المرض والحديث عن التشخيص، وطرق التأهيل والعلاج غير كافية بين المرضى والأهالي والمدارس والأطباء، ولابد من المتابعة الطبية لأسرة المريض أيضًا وخاصة الأم".

التحاليل متوقفة منذ 6 شهور

ويسرد أحد مسؤولي طب عين شمس جانبًا من المعوقات المعتادة في المستشفيات "بعد معاناة وافقت هيئة التأمين الصحي على التعاقد مع وحدة أمراض العضلات والأعصاب على التحاليل التشخيصية، إلا أنها تتأخر في سداد المستحقات المالية مما تعجز معه المستشفى عن شراء الكيماويات والمستلزمات، وحاليًا التحاليل متوقفة منذ 6 شهور، أما المجالس الطبية المتخصصة فترفض من الأساس استصدار قرارات علاج على نفقة الدولة للتحاليل، إضافة إلى عدم وجود ميزانية كافية لاستكمال الأجهزة الطبية، فمثلًا جهاز معطل منذ عامين ونعجز عن شراء آخر".

تكلفة العلاج البيولوجي والجيني من أمراض ضمور العضلات و الأعصاب بالفعل باهظة، لكن خطوات أقل تكلفة بكثير بالقطع ستعطي الأمل لملايين المرضى في الحياة، ويحل بديلًا لمشاعر اليأس والسخط لدى أهاليهم.


حلول متاحة

من بين الحلول المطروحة تخصيص أحد المباني غير المستغلة في وزارة الصحة، التي أخبرتني وزيرة الصحة السابقة الدكتور مها الرباط، وقت توليها الوزارة، أن عددها يفوق المائة، مثل مستشفى القاهرة الجديدة بالتجمع أو حميات إمبابة، لتكون مركز متخصص لأبحاث وتشخيص وتأهيل وعلاج مرضى ضمور العضلات والأعصاب، وبروتوكول موحد للتشخيص والعلاج، يُعمم على مستشفيات الجامعات ووزارة الصحة.

باﻹضافة لحملة قومية للوقاية و الحد من انتشار أمراض ضمور العضلات والأعصاب، بالكشف على أسر المرضى وتتبع التاريخ الوراثي، لهم حيث إن 70% من المرض ينتج وراثيًا، بزاوج الأقارب، ويمكن لتلك التحاليل إنقاذ هذه الأسر، وعمل إحصاء دقيق للمرضى يدعم مسؤولي الحكومة في التفاوض مع شركات الأدوية العالمية، على إدخالها مصر بأسعار مقبولة، كما تم في أدوية فيروس سي.

وكذلك حملات التوعية ودورات التدريب للأطباء في التخصصات المعنية. تلك الأمنيات كانت توصيات المؤتمر الذي عُقد بنقابة الأطباء أكتوبر الماضي، وتم رفعها للمسؤولين ولم تلق صدى لها بعد.

اهتمام الدولة

أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة واﻹحصاء بيانًا في أبريل الماضي، قال فيه إن عدد ضحايا حوادث الطرق في مصر انخفض في عام 2018 إلى 3087 حالة وفاة مقابل 3747 في عام 2017، وأرجع ذلك إلى اهتمام الدولة بشبكة الطرق، وأتمنى أن يلقى ملف مرضى ضمور العضلات نفس الاهتمام من الدولة، وإنقاذ الأطفال والشباب من الموت البطيئ، ولا نغفل مسؤولية منظمات المجتمع المدني و أعضاء البرلمان.

وإن لم يكن من هذا فلعلها تقرأ لأهالي المرضى إعلان وحدة أمراض العضلات و الأعصاب بمستشفى الدمرداش، لزيارة عيادتها يوم الأحد من كل أسبوع للكشف وأخذ عينات منهم للتحليل بالمجان، علمًا أنه سيتم إجراؤه بمركز طبي بألمانيا يتحمل تكاليفه، لفترة قد لا تطول.