صورة مفتوحة المصدر. kisspng

سنة المصير: أوائل الثانوية العامة يستعيدون ساعات التوتّر وهواجس الانهيار

"عش أكثر، سترى أن الحياة بإمكانها هزيمة حتى القوي".
ساعي البريد جوزيف رولينج، فيلم Loving Vincent

في الثلث الأول من فيلم Loving Vincent الذي يحكي حياة الرسّام فنسنت فان جوخ، يدور حوار بين دوجلاس بوث (أرماند رولان) الذي يحاور توصيل رسالة فان جوخ الأخيرة، وساعي البريد جوزيف، يصف فيه الأول إنهاء فان جوخ لحياته بأنه نوع من الضعف، ليرد جوزيف بأن الحياة يمكنها هزيمة حتى الأقوياء.

فان جوخ كان محبًا لفنّه، يبحث عنه في أجمل وأكمل صوره، ولكن بحثه عن الكمال قاده إلى الاكتئاب ثم قراره بالانتحار، وهو ما لخّصه جوزيف بقوله إن الحياة تهزم حتى الأقوياء. هذه معلومة يعرفها طلاب الثانوية العامة في مصر، أن الحياة قادرة على هزيمة الأقوياء، فطوال سنة كاملة يتعرضون لمختلف الضغوط العائلية والمجتمعية، في هيئة أحلام وطموحات وتقييمات كميّة، تضع على كاهلهم حملًا لا يستطيع تحمله حتى المتفوقون أحيانًا.

تأجيل المواد

محمود محمد بيّومي، الأول على قسم علمي رياضة، كاد يقوده توتّره إلى تأجيل مواد من السنة لعدم تأكده من قدرته على اجتياز امتحانها "هي سنة صعوبتها في التوتّر بتاعها، المناهج زيها زي أي سنة، المشكلة إنك بتبقى عايز تجيب مجموع كويّس".

اعتاد بيّومي، كما حكى للمنصّة عبر الهاتف، التوتر منذ سنين مضت "كل سنة لازم أطلع على الأقل الأول على الدفعة فكل سنة في توتّر، بس السنة ديه كان أضعاف الأضعاف"، يقول بيّومي إن قرار تأجيل بعض المواد، الذي أقنعه أهله بالعدول عنه، اتّخذه بعض أصدقائه المتفوّقين بسبب مخاوف عدم قدرتهم على تجاوز مواد الثانوية العامة "مع إنهم متفوقين والله من الأوائل بس التوتّر وحش".

لازم التوتّر بيّومي أثناء استذكاره ووقت خوضه الامتحان، لدرجة أنه كاد يترك سؤالًا مهمًا في امتحان الكيمياء دون حلٍ رغم بساطته بسبب التوتّر "كنت في الامتحان وفاكر السؤال اختياري فسبته، على آخر دقيقة اكتشفت إنه إجباري، اتوترت وارتعشت وعرقت وأنا بحله، مع إنه في الآخر كان سؤال بسيط يعني وممكن أحلّه في دقيقة".

إحساس بضياع المجهود

بالنسبة لروان صبحي، الثاني مكرر أدبي، كانت ترجمة التوتّر في تجربتها مع الثانوية العامة هي البكاء المستمر، وإحساسها بضياع المجهود الذي تبذله في المذاكرة، خاصة أن حلها الامتحانات في الدروس والمنزل لم يكن يعكس تطورًا في درجاتها مع ساعات الدراسة المستمرة "مدرسة الإنجليزي في مرة جابلنا امتحان صعب نقصت فيه 5 أو 4 درجات، حسيت إن مجهودي بيروح على الفاضي، كنت بقعد أعيط كتير جدًا جدًا في البيت، وبقولّهم أنا فشلت أنا ما اقدرش أكمّل أكتر من كده أنا تعبت".

"كل سنة لازم أطلع على الأقل الأول على الدفعة فكل سنة في توتّر، بس السنة ديه كان أضعاف الأضعاف".
محمود بيّومي، أول علمي رياضة

تقول روان للمنصة إن ساعات دراستها كانت تزيد كلما اقتربت من اختبار نهاية العام، من 3 ساعات في اليوم أول العام إلى 10 في منتصفه، ووصولًا إلى 16 ساعة قبيل الاختبارات مباشرة، والدتها كانت ترافقها في كل هذه اللحظات وتساعدها على الاستذكار، مع كل هذا المجهود كان توتّرها يزداد "كنت حاسة بضغط عصبي شديد جدًا، بسبب نتائج الامتحانات أو الدروس اللي كنت بروحها، كنت بحس حلمي بيبعد عني"، وتضيف روان "السنة كانت طويلة أوي أوي، كنت بحس إني مش قادرة أكمل أكثر من كده".

هذه السنة بالنسبة لروان لم تمثّل سنة المجموع وتحديد مصيرها الشخصي فحسب، لكنها كانت تضع على عاتقها مسؤولية المجهود الذي بذله والداها معها "ماما كانت بتذاكرلي وبابا كان بيشتغل شغل إضافي فوق شغله عشان الفلوس، فأنا حاسة بالمسؤولية، أنا مش بضيع مجهودي لوحدي أنا بضيع مجهود عائلة كلها".

اضطراب نفسي مؤقت

التوتّر الذي عايشه محمود وروان هو مرافق طبيعي لطلاب الثانوية العامة، إذا كان عليهم ضغط كبير، بحسب أستاذة علم النّفس في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، سوسن فايد "إذا هيبقى على طالب الثانوية العامة حمل كبير أو فوق طاقته، فممكن يبقى في حالة اضطراب نفسي مؤقت، وده بيخليه في حالة من الارتباك وعدم الاتزان، وانفعالاته غير منضبطة".

بحسب تصريحات فايد للمنصة، فمن المفترض أن تكون هذه الحالة مؤقتة تنتهي بانتهاء العام الدراسي، لكنها قد تكون عاملًا مساعدًا لظهور مشكلات نفسية أكبر "الشخص اللي بيتعرض لانهيار أو بيحاول ينتحر بعد نتيجته في الثانوية العامة، بيكون عادة شخص بيعاني من ضعف نفسي، أو هيتعرض لخسارة اجتماعية كبيرة بسبب النتيجة، أوهيفقد امتيازات، فبيحصله انهيار متمثّل في إنه يفقد توازنه النفسي أو الجسدي".

محدش يقدر يلومهم

خلال يومين، نشرت الصحف عن 4 حالات انتحار على الأقل، شابان في الشرقية وكفر الشيخ، وفتاتان في القاهرة والإسكندرية. عندما تقرأ روان هذه القصص، تشعر بالتعاطف مع أصحابها " شيء طبيعي بسبب الضغط اللي بيتعرضوله، ممكن تكون ناس بذلت مجهود أكبر مني بكتير بس هي ما قدرتش تحقق نفس النتيجة لأن ديه قدرات، أحيانًا الإنسان لما بيتحط قدام حاجة مش متّفقة مع قدراته بيفشل فيها"، وتضيف "بحس إنهم اتظلموا، الحياة ضاغطة عليهم وأهلهم والمدرسين ونظام التعليم كله، فماحدّش يقدر يلومهم".

التوتر مفيد ولكن في حدود

يتّفق بيّومي مع روان في موقفها، ويرى أن التوتّر الزائد له تبعات وآثار سيئة على الأفراد "للأسف اللي مش هيعرف يتحكم في نفسه أو يسيطر على التوتر في السنة ديه ممكن يتئذي بعد كده، أنا لي أصحاب في الجامعة لحد دلوقتي بيحلموا بالثانوية العامة كل ما تيجي سيرتها، مع إنهم في كليّات عالية".

ويتفق بيومي مع الدكتورة سوسن فايد، في أن وصول طلاب الثانوية إلى مرحلة من الانهيار النفسي بسبب التوتّر، هو تعبير عن مشكلات وأزمات نفسية أخرى.

تقول فايد "التوتر مفيد طالما كان في حدود، وممكن أن يتحوّل لحافز على الاهتمام والإنجاز واجتياز المرحلة، ولكن وصوله إلى مرحلة مرضيّة فوق الحدود الطبيعيّة، هنا ممكن يجيب نتائج عكسية بدل ما يكون حافز لتحقيق الهدف يكون معوّق"، وهو يرتبط بما حكاه بيّومي في وقت سابق عن توتّره الشديد، الذي جعله يفكّر في تأجيل المواد لعدم تأكده من قدرته على اجتياز اختبارها.

بحسب فايد، فإن المرحلة التي تنتهي من حياة الطلبة بمجرد انتهاء الثانوية يمكن أن تستمر مشاعرها معهم، وتطفو إلى السطح كلّما مروا بموقف موتّر أو صعب "بنسمّيه ارتباط شرطي، وبيبقى كل واحد بحسب تجربته مع الثانوية العامة، لو كانت تجربة سيّئة أو تجربة عادية، بيستدعي مشاعرها وقت ما يمر بتجربة مشابهة"، وهو ما يفسّر توتّر أصدقاء بيّومي كلما تذكروا الثانوية العامة.

"ماما كانت بتذاكرلي وبابا كان بيشتغل شغل إضافي فوق شغله عشان الفلوس، فأنا حاسة بالمسؤولية، أنا مش بضيع مجهودي لوحدي أنا بضيع مجهود عائلة كلها".
روان صبحي، الثاني مكرر أدبي

تقول فايد إن السياسات التعليمية التي تهتم بالإرشاد النفسي للطلاب، بإمكانها تقليل التوتر الذي يشعر به الطلاب وقت الامتحانات "السياسات التعليمية ممكن تعمل تأهيل قبل الاختبارات، اختبارات تجريبية وتأهيل نفسي وإرشاد نفسي، بيعلّموا الطلبة فيها إزاي يحافظوا على توازنهم، ده بيخلي الطلبة داخلين عندهم 50% استقرار، وده ممكن يرشّد من مسألة الاضطرابات والإحباط المفاجئ".

رغم شعورها بالفخر بما حققته، لا ترى روان في التوتر الذي تعيشه وزملاءها شيئًا جيّدًا "التوتر ده ساعات بيخلي الناس شخصياتهم تتغير للأسوأ أحيانًا، وبيخليهم يشعروا بالاكتئاب الشديد. لأ مش شايفة إن الضغط بالشكل ده مطلوب لأ"، وتضيف "لما تخلي شخصيات الناس كلها تتغير، أو ناس تحاول تنتحر، فإيه فايدتها"؟

بيومي يرى التوتّر أيضًا بشكل سلبي، فيقول إن البيوت المصرية هي المسؤول الأول وراء إصابة أولادها بالضغط أثناء امتحانات الثانوية العامة "في البيوت المصرية، الأهل بيشكّلوا العبء على الطالب بمطالبتهم له إنه يجيب مجموع كبير".

يضيف "حتى هو (الطالب) من نفسه ساعات بيبقى شايل عبء إن أهله بيشتغلوا وبيتعبوا عشانه، فبيبقى عايز يفرحهم. فممكن هم يزودوها بمطالباتهم له طول الوقت إنه يجيب مجموع، ولازم يدخل كلية معيّنة".

يقول بيّومي إن أهله كانوا داعمين، حتى أن والده حلم في بداية العام بأنه حاز المركز الأول، لكنّه لم يخبره خشية أن يشكل هذا مصدر ضغط عليه.

ماعنديش نظام مذاكرة معينة

حسام شحاتة، أول مكرر علمي رياضة، له تجربة ربما تختلف عن روان وبيّومي "حتى آخر 3 شهور من العام كانت الأمور عادية، كنا بنخرج وبنروح وبنيجي، حتى المذاكرة ماكانش ليّ فيها جدول أو حاجة معيّنة".

يحكي شحاتة للمنصة عن نظام مذاكرته "ماعنديش نظام مذاكرة معينة، كنت كل يوم بخلّص جزء من المواد وخلاص، الضغط بالنسبة لي كان في آخر الشهور ومع دخلة الامتحانات".

يقول شحاتة إن أهله لم يضغطوا عليه ﻷنه حصل على مجموع كبير العام الماضي "ضغط الأهالي اللي بيخلي الثانوية حاجة كده شبه الحاجة المستحيلة، أو إنها حاجة بتحدد مصيرك، يعني فيه ناس كتير بتدخل كلية هندسة وقليلين اللي بيطلعوا مميزين، وفي ناس بتدخل تجارة وتطلع برضو مميزة، وعاملين إنجازات عالية".

يرى شحاتة أن الضغط والتوتر هما السبب وراء تضخيم الثانوية العامة، ويتسبب في انهيار زملاء له، وأن يفكر بعض منهم أحيانًا في الانتحار "ضغط الأهالي هو اللي بيغيّر تفكيرهم، ممكن هو نفسه مايكونش بيفكّر في الانتحار، لكن الضغط عليه ولومه هو اللي بيخليه يفكر كده".