مظاهرة بمناسبة الذكرى الثانية للانتفاضة الفلسطينية، 28 سبتمبر 2003. الصورة: حسام الحملاوي- فليكر

عندما هتفت شوارع مصر "يا فلسطين"

هكذا نشأت اللجنة الشعبية للتضامن مع الشعب الفلسطيني.

كان المذيع يقرأ خبر شن غارات إسرائيلية على قطاع غزة بهدوء وتعبيرات محايدة خالية من أي مشاعر، على خلفية اجتماع عائلي ضم ثلاثة أجيال، لم يلتفت أحدٌ منهم للخبر ولم يعلّق عليه أحد. لم تدعِ الجدّات الله لينتقم ممن يسفك الدماء. ولم يتحمس الشباب لإعلان مواقفهم التصادمية. لا شيء.

في زمن آخر، ليس ببعيد، رأيت بعيني المصريين ينتفضون في كل مكان تضامنًا مع إخوتهم في فلسطين. هل انقرض هؤلاء؟ متى أصبح التضامن مع القضية الفلسطينية موضة قديمة؟

جاء صوت هتاف الجمهور أثناء مباراة مصر مع جنوب أفريقيا في بطولة كأس الأمم الإفريقية للشباب "بالروح بالدم نفديكِ يا فلسطين"، لينتشلني من يأسي، ويبث في الأمل، حتى بعد أن عرفت عن اعتقال ابن شبرا الخيمة عز منير، الذي لم يتجاوز عمره العشرين سنة، لرفعه علم فلسطين أثناء المباراة. المهم أن اسم فلسطين مازال نابضًا في قلب الشباب.


من أجل عز والجمهور الذي هتف "سيبوه" عند القبض عليه، ولرامي الفلسطيني المصري منسق حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل BDS القابع هو الآخر الآن في السجن متهمًا في قضية لا يخلو اسمها من دلالة "خلية الأمل"، ومن أجل طبيبات النديم اللاتي لم يمنعهن التضييق ولا المنع من السفر من النضال اليومي من أجل حرية وكرامة البشر ، ولكل من لا يعتبر فلسطين قضية للتضامن ولكن قضية شخصية، سأحكي لكم قصة "اللجنة الشعبية للتضامن مع الشعب الفلسطيني"، كفصل افتتاحي ومفصلي في تاريخ التعبير عن المظالم ومقاومتها في مصر.

فرنسا وألمانيا تمنحان الجائزة الفرنسيّة الألمانيّة لحقوق الإنسان لمركز النديم - ديسمبر 2019

فلاش باك

من أقل من 20 سنة كانت مصر تدخل الألفية الجديدة محمَّلة بآثار سنوات التسعينيات العجاف، مصابة بانهيار اقتصادي وتضخم رهيب وكساد وفقر وبطالة.

في هذا السياق انفجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية[1]، التي اندلعت شرارتها الأولى عند دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون إلى باحة المسجد الأقصى برفقة حراسه، الأمر الذي دفع جموع المصلين إلى التجمهر ومحاولة التصدي له.


وسرعان ما أصبح الطفل محمد الدرة (11 سنة) رمزًا لهذه الانتفاضة؛ فبعد يومين من اقتحام المسجد الأقصى، أثار شريط فيديو التقطه مراسل قناة تلفزيونية فرنسية وثَّق من خلاله جريمة قتل الطفل، على يد جنود الاحتلال، وهم يحاولون الاحتماء ببرميل إسمنتي، مشاعر الغضب في كل مكان.

لحظة قتل محمد الدرة بعدسة المصور الفرنسي شارل إندرلان لقناة فرنسا 2

وفي مصر، وفي مفاجأة للجميع، انتفض المصريون، بطول مصر وعرضها، تضامنًا مع الفلسطينيين. فشهدت أغلب المدن المصرية موجة من المسيرات والمظاهرات الحاشدة والعفوية شارك فيها آلاف المصريين غير المسيسين، وكان من المعتاد وقتها رؤية مسيرة لطلبة أحد المدارس الابتدائية وهي تجوب الشوارع، مرددة هتافات التضامن بحماس وقوة.

البداية في مركز النديم

في لحظة المد الشعبي تلك، دعت طبيبات مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، مجموعة من أصدقائهن اليساريين المستقلين للتبرع بالدماء ومناقشة إمكانيات التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية، وهكذا نشأت اللجنة الشعبية للتضامن مع الشعب الفلسطيني.

لا تعود أهمية هذه اللجنة فقط لكونها أول تحرك سياسي خارج نطاق الأحزاب السياسية "الشرعية"، ولكن تعود أهميتها كذلك لإبداعها تكتيكات جديدة للتنظيم والحشد، أصبحت فيما بعد جزءًا أصيلًا من تراث المقاومة في مصر.

فعلى مستوى التنظيم، قرر المبادرون فتح اجتماعات اللجنة العامةللجميع. عقدت في البداية في مركز النديم وانتقلت لبعض الأماكن الأخرى، حتى استقر الاجتماع الدوري في مركز هشام مبارك للقانون. وتم تشكيل لجنة قيادية من مسؤولي اللجان الفرعية (إعلامية وسياسية...) وكان يُضاف لعضويتها ممثلي الكتل السياسية المنضمة للجنة مثل الإخوان والتجمع والحزب الشيوعي المصري وحزب الكرامة، تحت التأسيس، وحزب العمل والاشتراكيين الثوريين.

وكان يحضر في البداية اجتماعات اللجنة القيادية ممثلون عن المحافظات، لكن بعد أن حدث نمو موازٍ أسفر عن إنشاء لجان مماثلة بشكل عفوي في بعض الأحياء والمحافظات، سمَّت المجموعة الأصلية نفسها مجموعة القاهرة، واعتمدت اللامركزية التامة، فكانت المجموعات المماثلة في الأحياء والمحافظات تنظِّم الاجتماعات والفاعليات السياسية والفنية، وتصيغ بياناتها بشكل مستقل تمامًا. كان هناك تنسيق بالطبع بين الجميع لكن دون مركزية أو هرمية.

إحدى فاعليات اللجنة الشعبية للتضامن مع الشعب الفلسطيني بالدقهلية - تصوير عادل واسيلي أحد مؤسسي اللجنة الشعبية

أربع تيكتيكات للحشد

أما عن تكتيكات الحشد فكان أولها جمع التوقيعات على وثيقتين؛ واحدة موجهة للأمين العام للأمم المتحدة، تطالبه بتفعيل قرارات الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين، والأخرى موجهة لرئيس الجمهورية تطالبه بغلق السفارة الإسرائيلية في مصر ووقف كافة مظاهر تطبيع العلاقات مع دولة إسرائيل العنصرية.

وثيقة جمع التوقيعات الموجهة لرئيس الجمهورية - من مقتنيات وائل خليل أحد قيادي اللجنة الشعبية

تم صياغة الوثيقتين وطباعتهما بشكل فخم على ورق فاخر في مطبعة أحمد بهاء شعبان. وتوافد المتطوعون على مقر اللجنة لأخذ نسخ من الوثيقتين وجمع توقيعات شعبية عليهما، وسرعان ما انتشرت الوثيقتان في كل مكان.

وبعد تجميع حوالي ربع مليون توقيع، أعلنت اللجنة في مؤتمر صحفي عُقد في نقابة الصحفيين عن خطتها لتسليم التوقيعات.

عادل المشد أحد مؤسسي اللجنة الشعبية يعلن في مؤتمر صحفي في نقابة الصحفيين عن خطة تسليم التوقيعات - تصوير عادل واسيلي

ذهب ممثلو اللجنة ومعهم سيارة نصف نقل محملة بالوثائق الموقعة لمقر المركز الصحفي للأمم المتحدة بجاردن سيتي، وسلَّموا وثيقة الأمين العام واعتصموا بالمقر حتى منتصف الليل انتظارا لرده.

كما توجهوا بصحبة اثنين من أعضاء برلمان 2000 هما عبد العزيز شعبان وحمدين صباحي لمقر رئاسة الجمهورية بعابدين، حيث سلّموا الوثيقة الخاصة برئيس الجمهورية، بحضور رئيس ديوان رئيس الجمهورية، وقتها، زكريا عزمي.

أعضاء اللجنة يسلمون وثيقة جمع التوقيعات بقصر عابدين - تصوير عادل واسيلي

عرض الإخوان، عن طريق القيادي السكندري علي عبد الفتاح، المشاركة في جمع التوقيعات، وبالفعل استلموا من مقر اللجنة بالإسكندرية مئات الآلاف من نسخ الوثيقتين، وزعموا أنهم جمعوا 300 ألف توقيع، لكنهم لم يسلموا أبدًا هذه التوقيعات لمقر اللجنة، رغم تحديدهم أكثر من موعد لذلك.

جمع التبرعات

كانت قناة الجزيرة الوليدة وقتها تنقل أحداث الانتفاضة لحظة بلحظة، وتلهِب حماس ملايين المصريين الذين كانوا يتابعونها بشغف في البيوت والمقاهي. انتهزت اللجنة هذه اللحظة المناسبة وقررت في ثاني تكتيك لها جمع التبرعات لصالح الشعب الفلسطيني.

ولأن قرار جمع التبرعات جاء استجابة طبيعية لرغبة الناس، انتشرت الدعوة كالنار في الهشيم. وسرعان ما امتلأت مقرات اللجنة بأطنان من التبرعات العينية من مواد غذائية ومنظفات وأدوية وإسعافات أولية، أشرف على استلامها وتصنيفها وتخزينها خلية نحل من المتطوعين، عملوا في ورديات 24 ساعة في اليوم.

كان وجود مقر ثابت لللجنة عنصرًا شديد الفاعلية في هذه العملية، وكان للجنة الإعلامية، التي مدّت وسائل الإعلام بأخبار تفصيلية دورية عن أعمال الجبهة، دورًا مهمًا في معرفة دائرة واسعة من الناس بفاعليات وأعمال اللجنة وكيفية المشاركة فيها.

أحد اجتماعات لجنة القاهرة بمقر مركز هشام مبارك للقانون - تصوير عادل واسيلي

كما لعب برنامج رئيس التحرير لحمدي قنديل (أول برنامج توك شو كان يذاع على القناة الأولى والفضائية المصرية) دورًا هامًا في الترويج للجنة، بالإعلان عن أنشطتها واستضافة قياداتها والإعلان عن أرقام تلقي التبرعات.

شارك الإخوان في جمع وتقديم التبرعات خاصة في المنصورة، التي شهدت أعمال اللجنة فيها تنسيقًا كبيرًا مع الإخوان. وتبرعت نقابة الصيادلة بدفع من أحمد رامي (ممثل الإخوان في اللجنة القيادية للجنة الشعبية وعضو مجلس نقابة الصيادلة) بكمية كبيرة من الأدوية. كما استقبلت النقابات التي كانت تحت سيطرة الإخوان، مثل نقابة التجاريين بالسويس، عددًا من مؤتمرات اللجنة وفاعلياتها السياسية والفنية.

قوافل الإغاثة

تنظيم قوافل إغاثة كان ثالث تكتيكات اللجنة. وقبل التحرك بالقافلة الأولى أراد أعضاء اللجنة إخبار جهة ما في الدولة عن نيتهم، حتى يضمنوا سلامة القافلة والمشاركين فيها. واختاروا وزارة الخارجية باعتبارها وزارة حسنة السمعة مقارنة بالداخلية مثلا. وفعلا توجه وفد من أعضاء اللجنة إلى الوزارة وقدموا خطابا باسم عمرو موسى وزير الخارجية آنذاك، مطالبين إياه بتسهيل مهمتهم. ورد عمرو موسى عليهم كتابة مُحَيِّيًا ومباركًا جهودهم.

كانت الأغلبية راغبة في تمثيل غضب الجموع سياسيًا، باستخدام أدوات على مقاس عموم الناس، تجمعهم ولا ترهبّهم.

هذا الرد اعتبر بمثابة اعتراف رسمي باللجنة، وهو ما شجَّع أشخاص لم يعملوا بالسياسة من قبل على الانضمام للجنة ولفاعليتها، فهذا الاعتراف الضمني أشعرهم بالأمان أن اللجنة "مرضي عنها" أو على الأقل غير مغضوب عليها. شارك أيضًا في أعمال اللجنة عدد من الفنانين، على رأسهم محسنة توفيق ومحمود حميدة الذي تبرع أكثر من مرة وزار مقر اللجنة بالقاهرة، كما شارك عدد آخر من الفنانين في الفاعليات التي كانت تحظى بتغطية إعلامية كبيرة، حيث شاركت رغدة على سبيل المثال في القافلة الأولى للجنة.

محسنة توفيق تشارك في القافلة الأولى للجنة وقد خرجت مدينة العريش عن بكره أبيها لاستقبال القافلة - تصوير عادل واسيلي

عند الوصول لمشارف العريش فوجئت القافلة الاولى بخروج المدينة عن بكرة أبيها لاستقبالها. كانت خطة اللجنة توصيل قافلة الإغاثة لمؤسسة لجان العمل الصحي التابعة للجنة الشعبية في فلسطين. لكنهم فوجئوا بممثل للسلطة الفلسطينية يرغب في تسلم القافلة في العريش بحجة عدم وجود تصريح أمني لعبورها لفلسطين. رفض أعضاء اللجنة وقرروا العودة بالقافلة للقاهرة مرة أخرى.

توقفت القافلة في مدينة القنطرة شرق، حيث تم طرح الموضوع للنقاش. وساد الرأي القائل بأن هدف اللجنة الأهم هو إيصال المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني وعدم إشعار من ساهم في القافلة بخيبة أمل بعودتها للقاهرة. وهكذا تم تسليم القافلة لمندوب السلطة الفلسطينية بعد أن تعهد بإيصالها لمؤسسة لجان العمل الصحي، وهو ما حدث بالفعل.

وعي أعضاء اللجنة درس القافلة الأولى فاستعدوا لإمكانية منع النظام المصري للقافلة التالية من العبور إلى فلسطين، باستئجار مخازن بمدينة العريش، تم تخزين محتويات القافلة فيها لحين صدور تصريح بعبورها. هنا أراد النظام إعطاء درس قاسٍ للمنظمين، فامتنع عن إصدار التصريح لأسابيع متتالية. وبعد حوالي شهر ونصف خشي أعضاء اللجنة على محتويات القافلة المخزنة من التلف. فقرروا بيعها بالمزاد العلني. وبالفعل تم الإعلان عن موعد المزاد ومقره، بحزب التجمع بالعريش الذي كان يديره وقتها أشرف أيوب. وبيعت المواد، بحضور ممثلين عن وزارة الصحة وأمن الدولة، بأكثر من 400 ألف جنيه من جنيهات أوائل الألفية. وحرر التجار بقيمتها شيكات لصالح الشركة المصرية لتجارة الأدوية، استلم أعضاء اللجنة فيما بعد بقيمتها أدوية من الشركة، تم إرسالها لفلسطين في قوافل تالية.

إحدى قوافل اللجنة - تصوير عادل واسيلي

وفي القافلة الرابعة أو الخامسة أعلن أحمد رامي أنه سينضم في السكة بكمية إضافية من المواد الإغاثية. وهو الوعد الذي لم يتحقق أبدا رغم تأكيد رامي المستمر أن سيارات النقل المحملة بمواد الإغاثة في السكة.

الدعوة للتظاهر

أما التكتيك الرابع، فكان الدعوة للتظاهر ليس فقط في الجامعة ولكن في الشارع، وهو ما لم يكن قد حدث منذ أكثر من عقدين من الزمان، فخلال الثمانينيات والتسعينيات كان يتم الدعوة للتظاهر لأسباب متفرقة أمام أحد الأحزاب الرسمية. وما أن يتجمع العشرات حتى تفرض قوات الأمن المركزي كردون حولهم، وكان الله بالسر عليم.

شارك الإخوان بشكل رمزي في المظاهرة، فقد حضر حوالي 100 عضو بقيادة عصام العريان، خرجوا جميعًا من مخارج المترو القريبة في لحظة واحدة.

في أول مظاهرة للجنة في الشارع، لم يتم الإعلان عن مكان التظاهر، قيل فقط إنه سيكون مكانًا بالقرب من السفارة الأمريكية لتسليمها خطاب احتجاج على السياسة الأمريكية والدعم الدائم لإسرائيل. وتمويهًا قيل إن المكان سيكون ميدان سيمون بوليفار، لكن الحقيقة أن اللجنة كانت قد اعتمدت على وسيلة تكنولوجية حديثة وقتها هي الرسائل النصية القصيرة. فمن خلال رسائل sms تم إبلاغ الآلاف عن موعد ومكان المظاهرة: الثانية عشر ظهرًا أمام مجمع التحرير.

وأثبتت الوسيلة الجديدة نجاحا. فبعد أقل من ربع ساعة من موعد بدء المظاهرة كان قد تجمع أكثر من ألف شخص، ليزداد العدد مع الوقت ليصل لقرابة الثلاثة آلاف متظاهر. ووصل مندوبين عن اللجنة للسفارة الأمريكية حيث سلموا احتجاجهم بشكل رسمي. في هذه المظاهرة هتف كمال خليل القيادي الاشتراكي الثوري لأول مرة "يسقط.. يسقط.. حسني مبارك". وهو ما اعتبره غالبية المشاركين، وقتها، نشازًا.

كمال خليل في مظاهرة بمناسبة الذكرى الثانية للانتفاضة الفلسطينية، 28 سبتمبر 2003. الصورة: حسام الحملاوي- فليكر

شارك الإخوان بشكل رمزي في المظاهرة، حيث حضر حوالي 100 عضو بقيادة عصام العريان، خرجوا جميعًا من مخارج المترو القريبة في لحظة واحدة، ووقفوا جانبًا دون الاختلاط بجسم المظاهرة الأساسي، يرددون شعاراتهم وهتافاتهم الخاصة. وفي الواحدة والنصف اختفوا كما ظهروا في لحظة واحدة. وهو ما برره عصام العريان قائلا إنه متفق، غالبًا مع الأمن، على البقاء حتى الواحدة والنصف. وهو مشهد تكرر كثيرًا فيما بعد.

أجنحة الجبهة

لا أريد أن يُفهم من كلامي أن اللجنة بعيدًا عن الإخوان كانت كيانًا متناغمًا، فهذا لم يكن واقع الحال. فعلى اليمين كان هناك جناحًا يضم حزب التجمع والحزب الشيوعي المصري بقيادة صلاح عادلي، والمركز المصري الديموقراطي الاجتماعي بقيادة مجدي عبد الحميد وفريد زهران، وهو جناح مهادن، لا يريد أن يجازف بإغضاب النظام ويريد أن يحصل على موافقة الأمن على كل خطوة. فعندما طرح موضوع جمع التبرعات على سبيل المثال، اتصل رفعت السعيد الأمين العام لحزب التجمع وقتها بقيادات اللجنة، مهددًا إياهم بأن هذه الخطوة ستجعلهم عرضة للمساءلة القانونية. وقد عارض ممثلو الشيوعي المصري والديموقراطي الاجتماعي كذلك خطوة جمع التبرعات[2].

هذا الجناح أيضًا كان مسؤولًا عن إلغاء مظاهرة في معرض الكتاب، في نفس اليوم الذي كان مقررًا إقامتها فيه، وبعد أن كان البعض قد وصل بالفعل للمشاركة في المظاهرة. فكان طبيعي أن يعتبر هؤلاء، أن من تراجع عن قرار متفق عليه في أخر لحظة، قد خذلهم وكشفهم للأمن.

أما على اليسار فكانت هناك مجموعة حَلَقية بقيادة جمال عبد الفتاح، ترغب في ألا تضم اللجنة سوى الثوريين "الأطهار" وتدفع في اتجاه تكتيكات من نوعية العودة بالقافلة دون تسليمها لفضح النظام المصري، دون الالتفات لحاجة الفلسطينيين لهذه الإغاثة، ولا بالإحباط الذي سيصيب كل من شارك في القافلة ولو بدور صغير. وخلال أسبوع للتضامن مع فلسطين ضم معارض وأمسيات فنية، نظمته اللجنة في نقابة المحامين بالتزامن مع يوم الأرض في 30 مارس/ أذار 2002، وهو الحدث الذي حظي بزخم شديد نتيجة لاجتياح جنين في الأول من أبريل/ نيسان أثناء انعقاده، أعلنت هذه المجموعة الإضراب عن الطعام في تكتيك استشهادي تطهري عبثي. ومع الوقت بدأ هذا الجناح في الاجتماع بمفرده. لكن ظل هناك تنسيق في الفاعليات الكبرى مثل المظاهرة الحاشدة التي تم تنظيمها عند جامعة القاهرة بعد اجتياح جنين.

حشدت كل القوى السياسية للمظاهرة وشارك فيها عدد من الفنانين على رأسهم يوسف شاهين، إلا أن المظاهرة قوبلت بمستوى قمع غير مسبوق، مما جعل الآلاف يتساءلون؛ لماذا يواجهنا النظام المصري بكل هذا العنف ونحن لا نقول إلا "يا فلسطين"؟

مظاهرة جامعة الاسكندرية 9 ابريل 2002  بعد اجتياح مخيم جينين والتي قتل فيها الطالب محمد السقا بالرصاص المطاطي - تصوير وائل عباس بأول كاميرا ديجيتال يمتلكها

أما بقية جسم اللجنة فقد كان متفقًا من ناحية أن مهمة اللجنة مهمة نضالية في الأساس، راغبًا في انتزاع أرض وكسب مساحات، ومن ناحية أخرى تبنى تيكتيكات تستهدف طرح أدوات بسيطة، يستطيع من خلالها للمصريين المتضامنين مع الشعب الفلسطيني التعبير عن هذا التضامن.

من حسن الحظ أن المدافعين عن الطابع النضالي القائم على درجة انفتاح عالية وتفاهم وتفاعل حر شكلوا غالبية الجبهة، وبالتالي سادت وجهة نظرهم[3].

كانت هذه الأغلبية راغبة في تمثيل غضب الجموع سياسيًا، باستخدام أدوات على مقاس عموم الناس، تجمعهم ولا ترهبّهم. كان هذا هو الهدف، وليس خلق حلقة تضم حفنة من الثوريين الأطهار القادرين على اتخاذ أكثر المواقف حدة. الأغلبية كانت واعية أيضًا بأن عموم الناس ينظرون للسياسيين باعتبارهم يكتفون بالكلام الرنّان دون الفعل، فأرادت تغيير هذه النظرة من خلال إتاحة خطوات عملية، تستطيع الجموع الاشتراك فيها لتكون الحركة شعبية عن حق.

كانت اللجنة الشعبية للكثيرين، وأنا واحدة منهم، أول خطوة في العمل العام. كانت اللجنة أيضا أول تحرك سياسي خارج نطاق الأحزاب السياسية، وأول جبهة فتحت أبوابها من أقصى اليمين لأقصى اليسار.

جانب من مظاهرة أمام نقابة الصحفيين اعتراضًا على بناء مصر للجدار العازل مع غزة. الصورة: حسام الحملاوي- فليكر

صحيح أن التنسيق اقتصر على القيادات دون أن يمتد للقواعد، حيث كان القياديين المستقلين وممثلي الكتل السياسية ينسقون أعمال اللجنة من خلال اللجنة القيادية، ليعود كل منهم لمجموعته لتنسِّق عملها بشكل منفصل. وصحيح أن اللجنة لم تفقد أبدًا لونها اليساري، رغم وجود إسلاميين وقوميين في قيادتها. لكن لا يملك أي مُنصِف إلا أن يرى حتى في هذا المستوى من التنسيق وفي تبني اللامركزية فتحًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

تبنت الجبهة أيضًا تكتيكات مُبدعة للحشد، واستخدمت أحدث تكنولوجيا للتواصل توفرت وقتها، ولكن يظل أهم ما قامت به اللجنة هو أنها استشعرت غضب الجموع، وأتاحت لهم فرصة للنضال الجماعي، وللتعبير عن مظالمهم في الشوارع والأماكن العامة، لأول مرة منذ السبعينيات.


[1] أو انتفاضة الأقصى، اندلعت في 28 سبتمبر/ أيلول 2000، وتوقفت فعليًا في 8 فبراير/ شباط 2005 بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ والذي جمع الرئيس الفلسطيني المنتخب حديثًا وقتها محمود عباس مع شارون. وتميّزت هذه الانتفاضة مقارنة بسابقتها بكثرة المواجهات المسلحة، وتصاعد وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي.

[2] حسم موضوع جمع التبرعات في اجتماع عام للجبهة شهد مناقشات حامية الوطيس وتم فيه الاحتكام لأحمد نبيل الهلالي، الذي كان يحظى باحترام وتقدير كل الأطراف.

[3] كان الاشتراكيون الثوريون في بداية عمل الجبهة يميلون أكثر ناحية الجناح الراديكالي، وهو ما تغير مع الوقت نتيجة لشطط هذا الجناح، ولكنهم طوال الوقت كانوا يرفعون شعار "وحدة اللجنة الشعبية".