فتيات مسلمات يسرن في شارع مولنبيك في بروكسل - تصوير إنجريد ليمار

أطفال الهجرة المهمشون من باريس لبروكسل

صادفت الكثير من الأوروبيين في مصر، وبالأخص الفرنسيين والبلجيكيين. كانوا يأتون للإقامة وتعلم اللغة العربية والدين الإسلامي. كان بعضهم يبدو لي متطرفًا، يرفض العودة لفرنسا الكافرة على حد قوله. لم أكن آخذ كلامهم على محمل الجد، لم أدرك مشكلة هؤلاء الشباب الذين يشعرون بكثير من البغض والكره لبلادهم، ربما لأسباب أخرى "حقيقية" ليس من بينها أن تلك البلاد لا تطبق الشريعة.

"إنهم جميعًا فرنسيين أو بلجيكيين، ولدوا وكبروا في تلك البلاد. يخرج علينا الفلاسفة في الأيام التالية بتفسيرات تصفهم بالعدمية، وأخرى تشير بأصابع الاتهام لحكومات أهملت هؤلاء الشباب، ومجتمع رفضهم وعاملهم بعنصرية كأنهم لقطاء للوطن".

في مقالي السابق بعد هجمات باريس، كتبت تلك الفقرة التي حاولت فيها أن أُجمل بعض الأفكار التي شاعت حول هوية وأفكار منفذي الهجمات، الذين تبيّن أنهم على صلة بمنفذي هجمات بروكسل التي وقعت قبل أيام.

بعد شهور من تلك اللحظات التي راودتني فيها أفكار مختلطة حول منفذي الهجمات؛ أصبحت لا أرى الآن أية علاقه بين منفذي هجمات باريس والتطرف الديني الإسلامي. بعد متابعتي لقصص وحكايات منفذي الهجمات ومن ساعدهم؛ لم أجد إلا قصص أبناء المهاجرين الذين عاشوا على الهامش في مجتمعاتهم وفشلوا في تحقيق أي نجاح.

لا تخرج تفاصيل حيواتهم عن الفشل والمخدرات وإدمان الكحوليات، مرورا بالسرقة والسجن. هم في الأغلب لا يجيدون العربية ولم يدرسوا أو يقرأوا نصوصًا دينية. لا تختلف حياتهم كثيرًا عن حياة صغار المجرمين الأوروبيين.

هم لا يحملون على الإطلاق نفس ملامح الإرهابي التقليدي، old fashion أمثال إرهابيي القاعدة، الذين كانوا يبدأون "كاريرهم" الإرهابي بدراسة كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب، أحد أباء الفكر الجهادي المتطرف.

إن ما يبحث عنه هؤلاء "الأطفال" في رأيي، أطفال الدولة الفرنسية أو البلجيكية، هو شيء آخر غير الدفاع عن الدين أو مبادئه أو إعلاء كلمه الله وتطبيق الشريعة والحاكمية الإلهية. إنهم ضائعون فاشلون يبحثون عن أي نجاح أو بطولة أو الانتقام من مجتمعاتهم الأوروبية. يبحثون عن الانتماء، بعد أن عاشوا في دولهم "أوطانهم التي ولدوا فيها" يشعرون بغربة لا تختلف عن الغربة التي تسكنهم إذا ما عادوا لبلدان آبائهم.

قد يبحثون عن المال ومتع الدنيا، ولا يوجد أفضل من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ليقدم لهم كل ما يحلمون به: الانتماء والمتعة والدعم المادي والنفسي والمعنوي، والانتقام ممن أهملوهم.

صادفت الكثير من هؤلاء الأوروبيين في مصر، وبالأخص الفرنسيين والبلجيكيين. كانوا يأتون للإقامة وتعلم اللغة العربية والدين الإسلامي. كان بعضهم يبدو لي متطرفًا في أفكاره، ويرفض العودة لفرنسا الكافرة على حد قوله. لم أكن آخذ كلامهم على محمل الجد، كنت أضحك غير مدركة لمشكلة هؤلاء الشباب الذين يشعرون بكثير من البغض والكره لبلادهم، ربما لأسباب أخرى "حقيقية" ليس من بينها أن تلك البلاد لا تطبق الشريعة. فمصر أيضا لم تكن تطبقها، لكنهم كانوا يأتون إليها فيشعرون بأنفسهم.

أنا هنا لا أحاول أن أنفي أن هناك مشكلة في النصوص الدينية التي تمتلئ بصور العنف، وأرى أن محاولة تفسير تلك النصوص بطريقه مناقضة لمحتواها الحقيقي هو عبث يجب أن يتوقف، لأن أولى خطوات العلاج هو الاعتراف بوجود المشكلة وتحديدها، وأومن أن بداية الحل ليست بالالتفاف ومحاوله تجميل النص وإنما بإبعاده تمامًا عن دنيانا .