تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| الحب وطب الأسرة في زمن العزل

الاسم: داليا عاطف.*
التخصص: طبيبة مقيمة لطب الأسرة.
مكان العمل الحالي: مستشفى عزل العجمي- الإسكندرية.
السن: 29 سنة.


بداية ظهور حالات كورونا في مصر كنت بأقضي فترة الزمالة في طوارئ مستشفى أبو قير كطبيبة أسرة. استمر عملي في الطوارئ أول شهر من ظهور الوباء، بس اللي كان صعب عليّ جدًا إني أم لطفلتين، 4 سنين وسنة، في العمر الصغير ده ومستحيل تبعديهم عنك وتفهميهم إنك راجعة من الشغل مش مأمّنة.

قعدت أول فترة بأرجع من المستشفى أدخل البيت أتعقم وأغسل كل هدومي وشنطتي وكل حاجة استخدمتها بره البيت. ولما بأخرج؛ هواجس إني أكون حاملة للفيروس وأنقله لبناتي مش بتسيبني. كان لازم آخد قرار إني أبعدهم عني علشان أقدر أقوم بدوري في وقت الناس محتاجة لكل دكتور في مكانه، وده كان أصعب قرار في حياتي. كلمت والدتي تاخد البنات عندها.

لما البنات مشيوا حسيت إن أغلب مخاوفي انتهت لأني متطمنة عليهم خلاص، فبدأت أفكر ليه ما أدخلش العزل مع زمايلي؟ أكيد وجودي هناك هيكون مفيد أكتر في ظل عجز الأطباء وزيادة الإصابات. من هنا بدأت أتابع الأخبار عن مستشفيات العزل، وقتها عرفت من مديرتي إنهم طالبين أطباء في مستشفى العجمي للعزل، وتأكدت إنهم بيدخلوا الأطباء والطبيبات زي بعض العزل، فبلّغت مديرتي إني مستعدة أروح.

يوم 15 أبريل الصبح نزلت مع زوجي وأصر يوصلني للمستشفى بنفسه كنوع من التشجيع، وفعلًا وصلت لعزل العجمي.

ليه اخترت أروح العزل؟

كان عندي سببين خلوني متمسكة إني أخوض التجربة؛ الأول طبعًا إنساني وهو دوري كطبيبة في وقت البلد والعالم كله معتمدين عليك، والتاني والأهم بالنسبة ليّ هو إني أمحي التنميط اللي بينحصر فيه دور تخصص "طب الأسرة" بإنه الدكتور الموظف في الوحدة الصحية وبس.

إحنا دورنا كأطباء أسرة أكبر بكتير من الصورة النمطية دي. أنا تخصص مهم جدًا والدول المتقدمة بتقدر دورنا جدًا، لأننا بنقدر نتعامل مع 70% من الحالات اللي بتيجي لنا بشكل مباشر ومع كل الأمراض غالبًا، ومن غير الحاجة لأخصائي، وده طبعًا بيوفر وقت وجهد وتكلفة للقطاع الصحي. لكن في مصر دورنا مش مفعّل بشكله الكامل. ودا كان دافع قوي ليّ علشان أخوض تجربة العزل.

بدأت أعرض على زوجي إني عاوزة أخوض التجربة دي، هو طبعًا كان قلقان وخايف عليّ، طبيعي في ظل القلق والانتشار السريع للفيروس، لكنه كمان كان مشجعني جدًا، لإنه عارف إني باحب شغلي وتحديدًا تخصصي، وكان شايف أهمية دورنا في القطاع الصحي علشان نلحق الحالات، وفعلًا كان داعم لي جدًا بالرغم من خوفه، لكن تشجيعه هو اللي خلاني نفسيًا أقوى و أهدأ ومصممة أكمل.

يوم 14 أبريل بالليل مديرتي كلمتني وبلغتني إن من بكرة الصبح هأدخل عزل وإني لازم أجهز خلال 12 ساعة من دلوقتي، بدأت أجهّز كل حاجاتي اللي هحتاجها. خلال الـ 12 ساعة دول كل اللي شاغل تفكيري هم بناتي وأعمارهم الصغيرة وإنهم هايقعدوا مع والدي ووالدتي، فإزاي هتواصل معاهم و هاتطمن عليهم؟، وهل هالاقي وقت أكلمهم وأتابعهم وأتطمن عليهم أكبر وقت ممكن؟ وإيه اللي ممكن أعمله يحسسهم إني قريبة منهم برده؟ وهل مكالمات الفيديو بس لوحدها هتخليني متطمنة عليهم؟

بالرغم من كل التفكير ده ما تراجعتش، وفضلت مصرّة أكمل.

يوم 15 أبريل الصبح نزلت مع زوجي وأصر يوصلني للمستشفى بنفسه كنوع من التشجيع، وفعلًا وصلت لعزل العجمي الصبح، استقبلني حد من العمال على الباب وسجّل بياناتي ثم طابقها مع الإدارة بالإخطار اللي عندهم، بعدها دخلت المستشفى واستقبلني زميل من فريق مكافحة العدوى.

كلنا بنتعلّم

طبعًا الأول قعدت في أوضة معزولة وعملولي "رابيد تيست"، علشان نتأكد إني مش جاية من بره بالإصابة، وأول ما التحليل طلع سلبي بعد حوالي ساعتين، فورًا ضمينا على بعض. كنا 3 طبيبات وطبيب واحد. تحركنا على تدريب مع زملائنا من فريق مكافحة العدوى، وبدأوا يدربونا هنتعامل إزاي مع الحالات، ونلبس البدلة الواقية ونخلعها إزاي، وطرق الوقاية وتعليمات التعامل مع المرضى ومع بعضنا. وبعدها بساعتين اجتمع بينا الدكتور عمرو عبد الله استشاري العناية المركزة وأول كلامه معانا كان "كلنا هنا زي بعض، اعتبروا نفسكم في سنة أولى، كلنا بنواجه حاجة جديدة علينا ومش عارفينها ولسه بنتعلم من بعض ومن تجاربنا"، الجملة دي طمنتني شوية وحسستني إن فيه فرصة كبيرة إني أتعلم حاجات كتير.

المستشفى فيها مبني واحد مقسوم جزئين؛ واحد خارجي ده فيه سكن الأطباء والإدارة، وواحد داخلي ده اللي بتتحجز فيه الحالات وده طبعًا الدخول له لازم بكمامة وإجراءات وقائية عالية وممنوع التزاحم أو التجعات فيه. المبنى الداخلي تقريبًا خمس أدوار، كنت مسؤولة مع 2 من الطبيبات عن الدور الرابع اللي محجوز فيه 42 حالة تقريبًا، ده عدد متغير طبعًا. و بعدها اتوزعنا وعرفنا مواعيد دورياتنا. يومها باليل بدأت أمر مع زملاء من الفريق السابق في المرور المسائي وأستلم منهم الحالات وأعرف حالة كل مريض.

اتفقنا إننا كل يوم هنرجع غرفتنا نتناقش في الحالات ونكتب ملاحظاتنا ونعرضها على بعض كأننا طلبة وبنذاكر لسه علشان نفهم ونساعد بعض في وضع مستجد وهانعمل سيستم.

طبيبة أسرة؟ حاجة غريبة جدًا

أول يوم ليّ في المستشفى بدأنا نتعرف على بعض ونسأل على تخصصات بعض، كل ما كنت بأقول لحد تخصصي طب أسرة كان يبص لي باستغراب، وبأشوف سؤال في عينهم كده "إيه جايبك هنا؟" طبعًا مش قادرين يقاوموا الصورة الذهنية عننا رغم إنهم دكاترة زيي، وده كان بيزوّد إصراري أكتر إني أثبت هدفي اللي جابني هنا: إن طبيب الأسرة مهم وكفء إنه يتحط في موقف زي ده، جايز يكون الأهم، لأنه قادر يتعامل مع أي شيء بيعاني منه المريض في أي عمر. إحنا في تخصصنا بنختلط بأطفال ومسنين وشباب ومرضى قلب وسكر وضغط وحساسية وغيرها، وبنقدر نتعامل مع أغلبها، ده كان دافع قوي لي إني أشتغل بأعلى طاقة عندي علشان أثبت نفسي، كطبيبة أسرة وكمان إمرأة.

تاني يوم على طول بدأت شغل ومن حسن حظي كنا 3 طبيبات مسؤولين عن الدور. بسرعة جدًا اتصاحبنا، وقررنا إننا نعمل نظام بينا وبين بعض علشان نباشر المرضى بشكل مستمر وسريع، وطبعًا لأن الدور كله كان ستات وبنتشارك وقت العمل وكمان غرف السكن، فبسرعة قرّبنا من بعض.

اتفقنا إننا كل يوم هنرجع غرفتنا نتناقش في الحالات ونكتب ملاحظاتنا ونعرضها على بعض كأننا طلبة وبنذاكر لسه علشان نفهم ونساعد بعض في وضع مستجد وهانعمل سيستم. ولأن طبعًا لبس البدلة الواقية مرهق جدًا؛ كانت الحالات بتدخل وتستنى ميعاد مرور الدكتور. لكن إحنا غيّرنا ده. اتفقنا أن أول ما الحالة توصل واحدة فينا هتنزل لها، بالتناوب ما بيننا، وده علشان مانسمحش بأي تدهور يحصل في الحالة، ولو تعبانة نلحقها بأسرع وقت. والحمد لله قدرنا نعمل ده، وده اللي خلى دورنا مايحصلش فيه ولا حالة تدهور أو فاة لحد ما خلصت مدتي وخرجت ولسه الحالات بتتحسن.

معنى وجود الستات في أزمات إنسانية كبرى

وجود السيدات في أي مكان بيعاني من أزمة إنسانية بيفرق طبعًا خصوصًا لو أمهات، بنبقى قادرين نتفهم شعور اللي قدامنا و مشاعره، وعارفين نتعامل مع قلق ومخاوف الحالات على نفسهم أو أبنائهم، وبنقدر نهوّن عليهم بحاجات بسيطة. يعني مثلًا على دخول رمضان جبنا فوانيس صغيرة ووزعناها على الأطفال المصابين، وبقينا ندخل نلعب معاهم شوية، علشان نكسر ملل العزل ويتطمنوا، وده سهّل علينا إننا ناخد عينات أو ندّي أدوية.

أنا أم، فكنت فاهمة جدًا شعور كل الأمهات اللي لهم أطفال في العزل وحاسة بخوفهم، بس عمر ماهنسى بنت اسمها مارينا**، رضيعة عمرها شهرين، دخلت العزل مع أمها والاتنين مصابين بكورونا، الأم مكانتش مهتمة بنفسها قد ما كانت خايفة على بنتها، وكل ما أدخل كانت تسألني بتلقائية: بنتي كويسة.. بتتحسن؟، كان مهم أطمنها على بنتها، علشان نفسيتها تتحسن، وتستجيب للعلاج أسرع. وفرت لها ترمومتر خاص بالبنت، واتفقنا تقيس هي حراراتها كل ساعة وتبلغني بالتليفون.

الحقيقة إن حالة مارينا كانت أفضل مليون مرة من والدتها، ما كانتش متدهورة خالص وجسمها الصغير قادر يقاوم المرض، عكس مامتها اللي حالتها كانت مش مستقرة أوي، ومارينا خرجت بعد أسبوعين متعافية من غير معلقة دوا، كنا متابعين حالتها والحرارة والأوكسجين في الدم وبس. جسمها قاوم المرض وقضى عليه لوحده، وده طبعًا أفيد حاجة لطفلة أننا مانكتبش أدوية لمجرد الأدوية ده بيرهق جهازهم المناعي بدري، وحالة البنت دي كانت أكبر إنجاز نفسي ليّ.

كنت فرحانة جدًا علشان هيخرج، بس ماقدرتش أخليه يخرج من غير ما أودعه. أول ما طلع من مبنى العزل روحت له، وكانت أول مره يشوفني من غير بدلة الوقاية، ويميز وشي.

كيف تعاملنا مع عصبية كبار السن؟

المسنين طبعًا حالاتهم ماتتنسيش، خوفهم و قلقهم كان بيخليهم عصبيين زيادة، بس مجرد ما نبدأ نتكلم كأنهم أم أو أب لينا كانوا بيهدوا و يستقروا. كان في مثلًا ماما سعاد** عمرها 67 سنة، نزلت من العناية وكانت عصبية جدًا وبتزعق للتمريض والعمال والدكاترة. بالليل دخلت لها وكانت حادة جدًا، شوية بدأت أسألها عن عيليتها وأبنائها وأعرّفها بنفسي وشوية تفاصيل عن حياتي علشان تحس بألفة، وبعدين هزّرنا وضحكنا، وكلمتها إن التمريض أكتر ناس بتتعب. بعد كده ماما سعاد كانت من أحنّ الناس علينا كلنا وبقيت بتتعامل بمنتهى اللطف لحد ماخرجت بالسلامة.

كان عندنا عم رمضان**، فوق 80 سنة، كان مريض ألزهايمر، أول ما جه كل شوية يخبّط على التمريض وزعلان جدًا وغضبان طول الوقت، في المرور أنا وزملائي دخلنا وتكلمنا معاه، عرفنا إنه زهقان من الوحدة. ولما بيقعد لوحده بيخاف وبيبقى عاوز حد يوّنسه، عرفنا يومها كمان مشروبه المفضل مع الشاي، بيحب النعناع المغلي، بقينا متعمدين أننا مانسيبهوش لوحده مدة طويلة، ونحسسه بأهتمام أكتر، وكل شوية حد مننا يدخل له، ونجيب له النعناع المغلي اللي بيحبه، ونتكلم معاه شوية ونطمنه ونسيبه يحكي، والحمد لله خرج متعافي ورجع لأولاده بالسلامة.

في المقابل، كان في مسنين هاديين و طيبين واتعلقنا بهم أكتر، منهم عم إبراهيم** ده كان فوق الستين، بس كان طيب جدًا معانا، لما استلمت حالته كان تعبان جدًا وحرارته عالية والأوكسجين قليل في الدم، بس كان صبور وهادي ومهتم بكل اللي بيدخله وبيدعي لنا كلنا، لما حالته اتحسنت كنت بأحس بانتصار، لحد ما نتيجته طلعت سلبي وتعافى بشكل كامل وخلاص هيخرج. كنت فرحانة جدًا علشان هيخرج، بس ماقدرتش أخليه يخرج من غير ما أودعه. أول ما طلع من مبنى العزل روحت له، كان أول مره يشوفني من غير بدلة الوقاية، ويميز وشي. مش هنسى فرحته بالخروج، وكل مايقابل حد مننا يقول لنا أعمل إيه علشان أشكركم، والحقيقة ماكنش في أحلى من دعائه المستمر لينا.

أحمد** كمان من الحالات اللي هفضل فاكراها، عنده 48 سنة، ورغم صغر السن إلا إن حالته كانت صعبة قوي وكان القرار وقتها إنه هياخد علاج غالي جدًا الجرعة الواحدة بتتكلف أكتر من 6 آلاف جنيه، والمفروض تتنفذ في العناية، ولإن مكنش فيه مكان في العناية قررنا ننفذ العلاج في الدور. سهرت جانبه أنا وطبيب العناية ومعانا إيمان الممرضة المسؤولة عنه لغاية الساعة 4 الفجر، وكنا في صايمين من غير سحور ولابسين البدلة. بس اللي هوّن كل ده إنه تحسن وخرج متعافي الحمد لله، بعد ما كانت حالته صعبة جدًا.

ساعات الأهالي من بره كانوا بيبعتوا لنا معلبات أو عصاير مكتوب عليها رسايل زي إحنا معاكم، وشكرًا لكم. الحاجات البسيطة دي وسط الضغط اللي علينا كانت بتفرق قوي.

ماذا يعني الدخول في فرن البدلة؟ وماذا يعني ماكدونالدز؟

الإجراءات الوقائية كانت صعبة جدًا، ومرهقة لجسمنا أكتر من ساعات العمل. بدلة الوقاية دي صعبة جدًا، مجرد ما بنلبسها كأننا دخلنا فرن، وكمان الخوذة اللي بنغطي بها وشنا مع الكمامة N95. أنا عندي حساسية عين وبأفضل في اللبس دا ساعات طويلة والموضوع مرهق، بأخلع البدلة ومش قادرة أشوف كويس ولا أتنفس، والكمامة كانت بتسيب كدمات مؤلمة جدًا على وشنا وبيستمر أثرها لساعات طويلة، غير طبعًا جفاف إيدينا وبشرتنا من كتر الكحول والمعقمات اللي بنستخدمها.

جنب الصعوبات دي، فيه مواقف كتير حلوة قوي، زي إننا بندعم بعض وبنقف مع بعض، وبنحاول نخلق مساحات ترفيه جوه العزل. مثلًا كان مطعم ماكدونالدز عامل لنا وجبات كل اتنين وخميس، وده كان يوم الفسحة بتاعتنا كأننا خرجنا حتى لو مش قادرين نتجمع وناكل سوا، بس كنا بنحس بتغيير. وكمان فيه مطاعم كتير كانت بتطلع لنا وجبات، وساعات الأهالي من بره كانوا بيبعتوا لنا معلبات أو عصاير، وبيبقى مكتوب عليها رسايل زي إحنا معاكم، وشكرًا لكم. الحاجات البسيطة دي وسط الضغط اللي علينا كانت بتفرق قوي، وبتحسسنا بقيمة اللي بنعمله وضرورة إننا نكمل مهما كان خطر، وبتفرّحنا وبتغير مزاج المستشفى كله.

رومانسية العزل: مكالمة من الحبيب تحت بلكونة المستشفي

رمضان دخل علينا في العزل، وطبعًا لأننا كلنا بعيد عن أسرنا ومش عارفين نستمتع برمضان بشكل طبيعي فكان لازم نهوّن على بعض. قررنا نجيب ترابيزة صغيرة في الأوضة ونرص حواليها 4 كراسي بس نحافظ على المساحات الآمنة بيننا ونقعد نفطر مع بعض كل يوم، وفعلًا ده كان بيفرق نفسيًا معانا جدًا. كنا بنتكلم عن الحالات وبنهزر ونحكي مواقفنا لبعض.

الدعم النفسي ليّ كان هو الطاقة إني أكمّل خصوصًا بعد بُعدي عن بناتي، بس بالرغم من خوف زوجي علي، إلا إني تفاجأت بدعمه اللي استمر خلال 14 يوم، كان بيجي لحد المستشفى ويقف من بعيد نتكلم في التليفون بس نبقى شايفين بعض. في أول يوم رمضان عمل لي مفاجأة حلوة قوي: جه وجاب فانوس رمضان وشوكولاتة كتير، فرحت بيهم قوي وإنه فاكرني وبيشجعني. كنت حريصة إنه يبقى بعيد عن المستشفى، بس في يوم استقبلنا حالات كتير جدًا، والإسعاف كانت واقفة قريب من المستشفى يومها طلبت ميجيش، ومارضتش أنزل البلكونة علشان ما يقربش من المستشفى لأني خوفت عليه، بس كله مرة كان بيجي كان بيمدني بالقوة وبأقدر أكمل.

كانت أصعب حاجة علي في العزل هي التواصل مع بناتي. كنت بأكلمهم فيديو كل يوم بس ده ماكنش كافي يطمني.

"كفاية يا دكتورة بقا" دي جملة بنتي الكبيرة في كل مكالمة كانت بتوجع قلبي، ما بين مسؤوليتي كطبيبة و بين دوري كأم. بنتي الصغيرة يادوب بتتعلم المشي وبتسنن، كنت بأتابع معاها كل يوم وأشوفها وهي بتحاول تمشي وتقع، وبحاول أخلق مساحة متابعة لهم ويحسوا إني جنبهم. بعد 10 أيام؛ والدتي كانت بتتهرب من تصوير بنتي الصغيرة، وبعد إلحاح علشان أتطمن عرفت إنها تعبانة وحرارتها عالية، من هنا بدأت أعد الأيام علشان أخرج وأتطمن عليها وأنا عارفة أن لسه فيه 14 يوم كمان في العزل المنزلي لوحدي، لحد ما أتطمن على نفسي وأقدر أشوفهم.

يوم 28 أبريل بالليل بدأت أستعد للخروج. سلمت الحالات ولميت شنطتي وودعت زمايلي. مشاعر كتير بين الفرحة إني خلصت الشيفت وبين مسؤولية إني عاوزة أكمل. مشاعر بين بناتي اللي وحشوني، وبين إحساسي بالحالات اللي لسه ماكملتش علاجها، بس مقدرتش أتغلب على أحساس التعب و الشوق لبناتي، فمقدرتش أجدد 14 يوم كمان.

المستشفى عملوا لي "رابيد تيست" تحليل سريع بيشوف هل حصل عدوى أو لا. هو مش فعال طبعًا، ولما تكلمنا مع إدارة المستشفى نعمل تحاليل PCR قالوا إن مفيش إمكانيات. كنت مدركة إن مافيش حاجه تتعمل، لأن الموضوع أكبر من مديرة المستشفى. عملت التحليل السريع وأول ما طلعت نتيجته سلبي خرجت وروحت بيتي وعزلت نفسي 10 أيام، بس مقدرتش أبعد أكتر من كده عن بناتي، وروحت لوالدتي 6 الصبح أخدتهم من على الباب، مقدرتش أدخل لوالدي ووالدتي لإن عندهم أمراض مناعية، خوفت عليهم.

لما خرجت علاقتي ما انتهتش بالمستشفى، أنا لسه متابعة الحالات، اللي خرجوا بأتطمن على صحتهم دلوقتي وعاملين إيه واللي لسه في المستشفى بأتابع مع زمايلي حالتهم النفسية والصحية، وبأتواصل مع الحالات نفسها لإن علاقتي بيهم مبقتش طبيب ومريض وانتهت، بقى فيه علاقة إنسانية وإحساس أنهم قريبين منك ومسؤولة عنهم.


* هذه شهادة لطبيبة تنشرها المنصة بعد التأكد من هوية الكاتبة والتحقق من شهادتها عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية الملائمة، والحفاظ على خصوصية المرضى، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.

* * كل أسماء المرضى تم تغييرها حفاظًا على خصوصيتهم.