تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| تعودت إن الناس تفارق بسبب خدمتي في سيناء

الاسم: مصطفى كريم.*
المهنة: عامل نظافة.
مكان العمل: مستشفى عزل النجيلة.
السن: 23 سنة.

**حصلنا على هذه الشهادة بالتليفون وقمنا بتفريغها بنفس ألفاظها وطريقة حكيها.


أنا أصلًا من طنطا بأشتغل عامل تبع شركة خدمات والشركة بعتتني مستشفى النجيلة قبل ماتبقى عزل، كمساعد طباخ. كانت الأمور ماشية تمام، بأشتغل 15 يوم وأرجع البلد 15 يوم إجازة، وكنت بأشتغل في الإجازة باليومية عشان مرتبي صغير، بس أهو حاجة ثابتة علشان مافيش شغل. فضلت كده كذا شهر لحد يوم 29 يناير، لما وزيرة الصحة جت زارت المستشفى (الزيارة الثانية)، محدش كان فاهم في إيه لسه، تاني يوم باليل بلغونا إن المستشفى هتتحول لعزل، ولازم يتم إخلائها من كل الحالات والعمال، ماعدا المطبخ، نقعد نجهز وجبات للوحدات الصحية هنا. قبلنا الشغل وقولنا هنكمل، لكن مسؤول المطبخ طلع قال لنا إن الوزارة بعتت طقم مطبخ من عندها، وإننا هنمشى، يعني أكل عيشنا اتقطع من هنا.

مدير المستشفى راجل محترم وبيعاملنا كويس، قال لنا بلاش تمشوا واشتغلوا معانا عمال، وإن شاء الله الوضع مش هيطوّل وكل حاجة هترجع زي الأول وتبقا كويسة، وفعلًا استلمت شغلي مع المستشفى كعامل نظافة، من بداية شهر اتنين لحد النهارده، وبقيت من طقم المستشفى الأساسي، وحسيت إن دي فرصة كويسة كشغل، لأن مش سهل ألاقي شغل تاني لو سبت المستشفى، حتى لو وجودي هنا هيعرضني لخطر، بس أحسن ما أقعد من غير شغلانة ثابتة.

المستشفى اتجهزت وجالها سراير وأجهزة جديدة شكلها كان حلو أوي، حاجة كده تخليك تفتخر إنها بتحصل في بلدك، حاجة مش متوقعة. كان وكيل الوزارة موجود ومسؤولين كتير بيتابعوا العمل، وهنا بدأت القصة. هم قالوا أن العمال زيهم زي الدكاترة وكلنا متساويين في الشغل والمكافأت، يعني علشان إحنا أول ناس بتتعامل بشكل مباشر مع المرضى. اتعشمنا ف الكلام وتوكلنا على الله والدنيا تمام اشتغلت أنا وعامل معايا مسؤولين عن الدخول لغرف الحالات المصابة بالكورونا.

من بداية الحجر مفيش غير 2 عمال هما اللي قبلوا يدخلوا لغرف الحالات اللي هو أنا وواحد معايا كل العمال كانت بتيجي تشوف الوضع تخاف وتمشي، بيقلقوا إنهم يتعدوا ويموتوا، أنا الموضوع بالنسبة ليا كان عادي، زي أي شغل، بأعمل اللي علي والباقي على ربنا، مش أحسن ما أقعد في البيت وأهو بأساعد في خدمة بلدي والناس العيانة دي.

بالنسبة لكل مستلزمات الوقاية دي متوفرة بصراحة كاملة والمدير ونواب المدير قالوا لنا لو حاجة ناقصة في الوقايات بتاعتك ماتدخلش للحالة، واطلب من التمريض يوفرولك حمايتك، لو التمريض مجبلكش انزل الإدارة وإحنا هنجيبلك. بصراحة مكنوش بيفرقوا، وأكدوا إننا نحافظ على نفسنا، كان فيه 2 مسؤولين عن مكافحة العدوى والحماية في المستشفى أول 14 يوم دول علمونا طريقة اللبس إزاي، وإزاي نقلع من غير ما نضرّ نفسنا.

كان أول حالة من جنسية غير مصرية، كان صيني، والمصريين العائدين من الصين كانوا في فندق المشير بمطروح اللي كان بيتعب شوية أو يظهر عليه أي أعراض كان بيجي عندنا المستشفي.

عدّوا أول 14 يوم بخير، وإحنا كنا على اعتقاد إن الموضوع خلص بس بدأت حالات تانية تيجي، وفضلنا شغالين حتي الآن، وما زال العمل قائم على 2 عمال بس هما اللي قبلوا يتعاملوا مع الحالات. يعني شغالين شغل المستشفى إحنا الاتنين بس، بنحاول نقسم الشغل وننظمه ما بينا، بحيث يعني مانسيبش مكاننا فاضي، ونفضل دوريات طول اليوم.

شغلنا مابينتهيش في المستشفى ومش سهل، إحنا مسؤولين عن تعقيم وتطهير ونظافة المستشفى كلها أماكن عزل المرضى وأماكن السيفتي (المؤمنة من العدوى) لازم ناخد بالنا كويس، نتأكد أن كل شبر اتعقم واترش كويس. وبندخل الغرف نتعامل مع مرضى، وبننضف الأوض ونشوف لو محتاجين حاجة. بيدخل لنا عدد كبير من جنسيات وبلاد مختلفة، في ناس إنتِ مش فاهماهم ولا هم فاهمينك، بس بتحاولي تراضيهم برضه.

تعاملنا مع حالات تحولت من إيجابية الي سلبية الحمد لله، وتعاملنا مع حالات توفت الله يرحمهم. لما مريض بيتوفى وبنتبلغ عن طريق التمريض، بنلبس الوقايات بتاعتنا ونستنى التمريض يشيلوا الأجهزة من عليه والكانيولا وكده، ساعات بنساعدهم في إننا نحط الحالة داخل كيس مخصص للحالات المتوفية، وبننقله على سرير متحرك بننزل به من أسانسير مخصص للحالات الإيجابية غير أسانسير العاملين بالحجر طبعًا. بننقل الحالة لحد ثلاجة الموتى وبنعقم المكان اللي مشينا منه كله، لحد المكان اللي بنقلع فيه الوقايات بتاعتنا. الجثة بتتغسل، وبعدين بناخده ونطلع نصلي عليه، كل واحد بعيد عن التاني بالمسافة الآمنة، بس بنعمل واجب الميت كله.

أخاف من الموت؟ أنا خدمت جيش في سينا

أنا قضيت فترة تجنيدي في سينا في عز هجمات الإرهاب، وكنا مهددين بالموت، وصحابي كانوا يطلعوا مأمورية يموتوا، فحكاية الموت دي مش بتأثر فيّ أوي، اتعودت إن الناس تفارق. بس كان في ممرض بيشرف علينا غير المشرف الأساسي اسمه محمد**، الله يرحمه ده طبعًا أكتر حالة أثرت في لإنه هو كان دايما حريص علينا وبيتابعنا أول بأول، وسيرته كانت طيبة. لما عرفت إنه مات زعلت أوي.

بعد وفاته اتعمل لكل الموجودين داخل الحجر مسحات، وأكتر حاله زعلتني برضه، كان الأستاذ أحمد** أمين المخازن في المستشفي، وكان شخص كويس جدًا ودايمًا حابب إنه يهزر معانا ويطلعنا من اللي إحنا فيه. توفي قبل أستاذ محمد بيومين فطبعًا كانت صدمة لكل الموجودين في المستشفى، ومكناش متوقعين إن حد مننا يتوفي بسبب الفيروس. الإصابة محتملة طبعًا بس الوفاة لحد دي ماكانتش في الحسبان خالص.

أنا ماطلعتش من العزل كل المدة دي (من يناير حتى الحصول على الشهادة نهاية مايو)، وأنا مكمل في الشغل في الشيفت فوق 12 ساعة، مبقاش عندي أمل قوي أنهم ينفذوا وعودهم بالمكافأة، بس لما دخلت العزل حسيت بأهمية كل واحد، هنا أي شخص موجود عنده حاجة يديها، وله دور يقوم به، وهيبقى مهم وضروري لإننا بنتعامل مع أرواح ناس وكلنا بنحاول نلحقها.


* هذه شهادة لعامل في مستشفى العزل الطبي بالنجيلة، وتنشرها المنصة بعد التأكد من هوية الكاتب والتحقق من شهادته عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية الملائمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.
** أسماء مستعارة حفاظًا على الخصوصية.