تصميم: يوسف أيمن - المنصة

أسئلة صعبة ودعم لازم للتعايش: يوم بيوم في "الرحلة"

أنا لسه باستوعب الخبر لحد النهاردة بعد أكتر من شهرين من معرفتي بيه. لسه باستوعب إن جالي سرطان الثدي. القبول حاجة حقيقي صعبة وقبول خبر مُقبِض كدة أصعب. بتتكرر في مخي جملة "تاني؟ تاني حاجة بتهدد جوهر حياتك؟"، السرطان بقى محطوط جنب السجن كتجربتين، على اختلافهم، اتحطيت فيهم والاتنين فيهم تهديد للحياة، بس المرة دي أنا في وسط أهلي وأصحابي وفي بيتي وقادرة أستدعي كل آليات الدعم المتاحة ليا، وقادرة آخد قرارات بخصوص مرضي وحياتي.

المرة الأولانية قضيت في سجن القناطر 15 شهر بسبب المشاركة في مظاهرة سلمية، قضيت بعدها أكتر من ضعف المدة دي للتعافي من التجربة، دلوقتي وأنا لسه في بداية رحلة التعافي من المرض ومنعه من الرجوع بافكر في قد إيه فارق إني عارفة أكتب عنها وهي بتحصل، حاجة ماكنش عندي فرصة أعملها وأنا في السجن، إلا من خلال الجوابات اللي كانت بتتقري من ضابط المباحث قبل ما تطلع.

واضح إن كلمة "الرحلة" هي اللي بيستخدمها مرضى السرطان لوصف تجربتهم مع المرض. سمعت واحدة بتستخدم الكلمة دي، وأنا مستنية دوري في المسح الذري قابلت ست لطيفة قالت لي "ما تقلقيش الرحلة هتعدي بسرعة"، وادتني رقم تليفونها وقالت لي أكلمها في أي وقت لو محتاجة. صديق عرفني على أخت صديق له مرت بتجربة سرطان الثدي وكتبنا لبعض رسايل قبل ما نتكلم مرة مكالمة طويلة، رحلتها بدت لي أصعب من "رحلتي".

أنا اتأثرت جدًا بكل الستات اللي عرضوا يساعدوني ويتكلموا معايا على الرغم من عدم وجود سابق معرفة بيننا، الرابط الوحيد هو إن كلنا جالنا سرطان في الثدي؛ أكنِّ فيه رابط اتخلق في لحظتها. كلامي وقتها معاهم خضني. فيه أصدقاء عرضوا إني أتكلم مع ستات يعرفوهم سواء أصدقاء أو ناس من العيلة ووقتها حسيت إني مكتفية من الكلام الثنائي؛ أنا عايزة أقعد في مجموعة مع ستات مروا أو بيمروا بنفس التجربة، ساعات أسمع، وساعات أتكلم، وساعات أبقى تعبانة وساعات أبقى كويسة، ونبقى كلنا في مساحة واحدة تجمعنا. وعايزة إن ده يبقى جزء من خطة العلاج المُقترحة على المرضى، زي ما بدأ بعض دكاترة الأورام يتكلموا عن التغذية كجزء مهم يتاخد في الاعتبار.

مهم إن المرضى يرتاحوا نفسيًا للدكاترة ولخطة العلاج وإنهم يكونوا موافقين فعليًا عليها.

بداية "رحلتي" كانت سيئة لأني لما عرفت إن عندي سرطان ثدي كنت باتعامل مع دكتورة غير مهنية وغير مهتمة بالجانب الإنساني، لكن تجربتي اتحسنت بمجرد ما اتعاملت مع أطباء مريحين وبيتعاملوا معايا بإنسانية، وناقشوا معايا خطة العلاج وأقنعوني بيها، حتى لو كنت مش مرتاحة للجزء الخاص بالوقاية بعد العملية بس كان مهم إني أبقى واثقة في الدكتور اللي حاطط خطة العلاج وأوافق عليها.

عادة الناس بتتعامل مع الدكاترة بشيء ما من الرهبة وعدم القدرة على مناقشة العلاج المقترح، لكن مهم إن المرضى يرتاحوا نفسيًا للدكاترة ولخطة العلاج وإنهم يكونوا موافقين فعليًا عليها. فيه غموض شديد في المسائل المتعلقة بأجسامنا، معظمنا معندوش وعي صحي وكتير من الناس بتخاف من الأمراض وبتفضل ما تعملش فحوصات للاطمئنان على صحتها من الخوف من احتمالية اكتشاف مرض صعب. وبيزود الغموض ده كون الأطباء بيدرسوا سنين طويلة وبيتخرجوا بكم من المعرفة صعب كل حد فينا يكوّنها حتى ولو اهتم بصحته وبجسمه. وبالتالي لما ييجي يوم نلجأ فيه لدكتورة أو دكتور بخصوص مرض صعب زي السرطان بيبقى الخوف مالي الواحد من التفاصيل العلمية المعقدة ويقابله اليقين اللي الدكتورة أو الدكتور بيبقوا فيه -واصل لحد السلطة المطلقة على أجسامنا ومعرفتهم بإيه "أفضل" لينا وليها.

يوم بيوم

مش بإيدي حاجة غير إني أتعامل كل يوم زي ما ييجي، ده أول درس أتعلمه في قبول المرض والتعامل مع مراحل علاجه وحالاتي النفسية المختلفة، يوم كويسة ويوم لأ، يوم قادرة ويوم لأ. المرض كمان خلاني أعيد ترتيب أولوياتي في الحياة، أنا عارفة إن كمان كام سنة هبص على الفترة دي وأقول إنها كانت تحول كبير في حياتي، حسمت أمور رمادية في علاقات وصداقات، واتعرفت على نفسي أكتر. مرضي خلاني عايزة أغير حياتي بشكل كبير. يمكن علشان أنا مؤمنة إن الأمراض الجسدية مش بتيجي من فراغ، بتيجي من تراكمات تعب نفسي وإنهاك جسدي، وبتيجي علشان تعلمنا حاجة عن نفسنا وعن أجسامنا، وبتيجي علشان تفكرنا بهشاشتنا في الحياة.

بس خلال الفترة اللي فاتت سمعت عن ستات كانوا تاني يوم من جلسة العلاج الكيماوي بيروحوا الشغل، وحتى بيشتغلوا وهما بياخدوا العلاج، ستات رفضوا إن مرضهم يغير أي حاجة في حياتهم، مش عارفة لو ده علشان ما يحسوش بالهزيمة قدام المرض أو علشان ما يحسوش إنهم عيانين؟ أنا حاسة بالهزيمة وحاسة إني عيانة بس حاسة إن جسمي بيعلمني درس وأنا باحاول أسمع له، وباحاول أتعافى من المرض بأكبر قدر من القرارات الواعية اللي أقدر آخدها لمساعدة جسمي ونفسي على التعافي والقبول. وعلى الرغم من إن إحساسي بالفزع من الورم راح لما اتشال بالعملية وحسيت بشكل ملموس إن ماعدش في جسمي ورم سرطاني، إلا إن دلوقتي خلال فترة العلاج لسه حاسة بوجود طيفه مخليني واعية لأولوياتي وقراراتي.

باتعلم أطلب المساعدة

أنا لسه باتعلم أطلب المساعدة وأقبل إن مش ضروري كل مرة أطلبها هينفع مع الشخص، والفترة اللي فاتت ده كان شيء مهم جدًا. كوني شخص متعود يعمل حاجته ومستقلة في معيشتي عن عيلتي، بدأت أعمل مشاوير الأشعة والتحاليل لوحدي على اعتبار إن مادام ماشية على رجلي يبقى مفيش داعي أزعج حد من عيلتي أو من أصدقائي، خصوصًا في توقيت زي فترة الكورونا؛ دخول مراكز أشعة وتحاليل مش أكتر حاجة أمان. لكن اكتشفت إن "المشي على الرجلين" ماينفيش أهمية الدعم العاطفي.

كل مرة حد كان يقول لي حاجة إيجابية كان أكنِّه بياخد مني حقي في إني أكون غضبانة من الدنيا وحاسة بالظلم من الموقف اللي لقيت نفسي فيه.

كان مفيد بالنسبة لي إني أفكر في دواير الدعم وفقًا لكل حد يقدر يعمل إيه بشكل منطقي. من ساعة ما بابا جاله سرطان السنة اللي فاتت وأنا بافكر دايمًا إن العلاج بياخد وقت وتقسيم المشاوير دايمًا استراتيجية أذكى لعدم استنفاد طاقة الجميع. اتعلمت إني ما أروحش أعمل أشعة لوحدي تاني أو أروح مشوار لدكتورة أو دكتور لوحدي، لأن حتى لو قادرة جسديًا، كل المشاوير دي كانت تقيلة عاطفيًا عليا حتى بعد العملية ما خلصت وتم استئصال الورم. قررت من البداية أطلب من ماما تاخد بالها مني بعد العملية وبعد جلسات العلاج الكيماوي وما تجيش معايا مشاوير كتيرة علشان كورونا وهي ضمن فئة عليها خطورة، أما في المشاوير فدايمًا كنت بافكر في مين أقرب مكانيًا ليا وللمشوار وعنده مقدرة من ناحية الوقت والطاقة إنه يبقى معايا. خليت الدايرة دي صغيرة جدًا علشان ما أتشتتش في ترتيب لوجيستيات، وبالتالي كان دايمًا فيه حد معايا سواء من أهلي أو أصحابي القريبين اللي ظروفهم تسمح وفي نفس الوقت ما أستنزفتش طاقة اللي حواليا في مشوار مكمل على الأقل لحد آخر السنة.

كان مفيد برده إني أخدت وقتي في مشاركة خبر مرضي، وبشكل واعي اخترت مين يعرف إمتى. إبلاغ خبر بالثقل ده بيجي معاه احتياج لإدارة مشاعر الآخرين، حتى لو ده مش أحسن حاجة الواحدة تعملها بس أظن مفيش مفر من قدر ولو قليل من الاحتياج لطمئنة الناس اللي بتحبيهم. فيه أسئلة كتيرة بتيجي مع سرطان الثدي بخصوص العملية ولو هيتم استئصال الثدي ولا لأ والناس كانت بتبقى خايفة تسأل لو ده اللي هيحصل. بمجرد ما قبلت إن ردود أفعال الناس مختلفة وإن محدش نيته وحشة، عرفت أتعامل أحسن مع الأسئلة ورد الفعل، بس ده لا ينفي إن الموضوع بيبقى مُجهد أكتر كل ما عدد الناس اللي عرفوا بيزيد. كان مفيد إني أعرف مين يقدر يساعد إزاي وأنا أحدد أطلب إيه من مين.

بعد العملية وتحليل الورم طلعت في المرحلة التانية من سرطان الثدي، وده يعتبر في البدايات وبالتالي الوضع كان في الجانب الإيجابي. لكن لما كان حد بيقولي ده أو يتكلم عن الجانب "المشرق" أو "الإيجابي" كان الموضوع ده بيضايقني. الأخصائية النفسية اللي متابعة معايا قالت لي لازم أتعلم أقول للناس "بالرغم من إني متأكدة إن نيتك كويسة لكن واضح إنك ما تعرفش إحساس إن حد يكون عنده سرطان". كل مرة حد كان يقول لي حاجة إيجابية كان أكنِّه بياخد مني حقي في إني أكون غضبانة من الدنيا وحاسة بالظلم من الموقف اللي لقيت نفسي فيه، أكني طول ما أنا ماشية في "رحلة" العلاج لازم أكون ممتنة بشكل مستمر لكوني "مش أسوأ حالة". ده كان مصعب عليا التعامل مع المشاعر السيئة اللي كانت عندي، واللي ما هديتش إلا بعد العملية، بعد ما حسيت إن الورم اتشال فعليًا من جسمي.

جسمي غدر بيا

كنت باتكلم مع صديقة دكتورة أورام بحاول أفهم أنا حاسة بإيه، كلامها عرف يوصف بالضبط مشاعري. قالت لي إن مرضى السرطان بيحسوا إن جسمهم غدر بيهم، خصوصًا لما يبقى حد زيي بيعمل كل الفحوصات الدورية وواخد باله من التعليمات والنصايح الطبية. ده فعلا اللي حسيته. بقالي 15 سنة باعمل أشعة كل سنة وفجأة لقيت ورم كبير طلع في فترة قصيرة.

الأسئلة اللي تخص سرطان الثدي بالذات بتمس بشكل مباشر الأفكار الخاصة بالأنوثة والشكل الجسدي الأنثوي وقد إيه الأفكار دي تقليدية وفي قالب محدد.

طبعاً "الميزة" (لو أقدر أقول إن فيه ميزة لنوع سرطان عن نوع) هو إن سرطان الثدي ممكن الواحدة تحس بيه بالكشف الذاتي، بس احتمالات الجراحة المختلفة وطريقة العلاج بتاعته استدعت أسئلة عندي غريبة من نوع لو شلت صدري هحس بإيه كست؟ وهل عايزة أعمل إعادة بناء للثدي ولا أخليه زي ما هو؟ أشيل الثدي التاني كإجراء احترازي؟ هل رؤيتي لنفسي كست فيها جزء مرتبط بوجود ثديين؟ كلها أسئلة غريبة جدًا عليا أول مرة تيجي في بالي.

والعلاج الهرموني، حقنة هتوقف الدورة الشهرية لمدة سنتين (الدكتور قالها ببساطة جدًا) وحباية من 5-10 سنين. مش عارفة أحس بإيه تجاه انقطاع إجباري مؤقت للدورة الشهرية. أنا مش في فترة في حياتي عايزة أخلف فيها في السنتين الجايين، لكن إن فيه قرار طبي بقطع الدورة الشهرية خلاني أفكر في وظايف جسمي وحاسة إن احتمالات الجراحة وطريقة العلاج كانوا مساحات زقوني إني أفكر في نظرتي لنفسي كست وإيه منه مرتبط بالشكل الجسدي المعتاد والمتوقع من الستات، ودور فكرة الإنجاب -أو في الحالة دي المنع من الإنجاب- في تصوري لتكامل وظايف جسمي كست. فكرت وقتها في لو هاحتاج أشيل صدري غالبًا هسيبه من غير إعادة بناء، بس بعدين قابلت الجراح اللي عمل لي عملية إزالة الورم وشرح لي إنه ممكن يعمل إعادة بناء من نسيج الجسم من غير قطع الثدي كهيكل خارجي، وده كان اقتراح أحب اعمله لو اضطريت.

وشعري اللي بدأ يقع مع أول جلسة كيماوي بالرغم إن الدكتور قالي إنه "مش هيلحق يتأثر"؟ والصبغة اللي لسه باينة على جلدي من ساعة العملية؟ وشكل صدري الغريب بعد ما الورم اتشال؟ ممكن أحس إن من حقي أبقى غضبانة إن في أقل من 3 شهور حياتي اتشقلبت وجسمي علاقتي بيه بتتغير؟ ممكن دلوقتي بس ما أقولش "بس أنا محظوظة إن صدري ما اتشلش"؟ هعد كل الحاجات اللي حظي كويس فيها بعدين بس دلوقتي مش حاسة بده.

حاسة إن دي أسئلة محدش بيتكلم فيها بشكل علني - الأسئلة اللي تخص سرطان الثدي بالذات (يمكن سرطان الرحم وبالبروستاتا ليهم نفس التأثير النفسي؟) بتمس بشكل مباشر الأفكار الخاصة بالأنوثة والشكل الجسدي الأنثوي وقد إيه الأفكار دي تقليدية وفي قالب محدد. أنا ماكنتش مرتاحة مع فكرة إعادة بناء ثدي زي اللي كانوا موجودين في الصور في مقابلة الجراحة الأولى، كان أكنِّه حاجة متركبة ومش جزء من جسم الواحدة.

خطة علاج متعددة الأركان

مفيش لحظة حد من الدكاترة نصحني إني لازم أتابع مع حد متخصص في الصحة النفسية، ولا سألني لو باتابع. الجراح هو أكتر شخص اتكلم معايا عن أهمية حالتي النفسية لمقاومة المرض وأكد أكتر من مرة إني لازم أركز على إن الورم اتشال وإني خفيت، وإن كل الباقي حاجات لمنع رجوع السرطان مرة تانية وبالتالي ما أخليش مرحلة بعد العملية تأثر سلبيًا على حالتي النفسية علشان مناعتي ما تضعفش، والمناعة هي خط الدفاع الأول ضد السرطان. الحقيقة كنت مرتاحة جدًا إن الجراح، بالرغم من إن تقليديًا بيبقى تركيزه على استئصال المشكلة، أخد وقت ومجهود إنه يأكد عليا مسألة زي دي.

من زمان وأنا عارفة إن أهم حاجة في علاج أي نوع من أنواع السرطان هو الحالة النفسية الجيدة، بس الموضوع بالنسبة لي طلع أعقد بمراحل من ما أتصوره وله جوانب مختلفة. ليه مفيش مجموعات دعم خارج الإنترنت متكونة من مرضى في مراحل مختلفة شبه زمالة المدمنين المجهولين؟ سمعت من ناس مختلفة إن فيه مجموعات على فيسبوك، بس بما إني مقررة بشكل واعي ما أبقاش على الموقع ده وإني أقلل من تواجدي على الإنترنت فمش عارفة أشارك في المجموعات دي، لو كان فيه مجموعة من الناس بتتقابل فعليًا يمكن كنت أحب أحضر الاجتماعات، مش بالضرورة في أول خطوات العلاج بس يمكن دلوقتي وأنا باخد جلسات العلاج الكيماوي.

دكتور الأورام المُعالِج وجراح الأورام محدش فيهم قالي إن فيه مجموعات دعم، ليه بالرغم من أهمية الحالة النفسية لمرضى السرطان الدعم النفسي والمعنوي مش جزء من أجزاء العلاج زيه زي الجراحة والعلاج الدوائي والإشعاعي؟ يمكن فيه مجموعات موجودة ومفيش ليها دعاية كافية وبالتالي ماعرفتش عنها لسه. الشيء اللي حسيته كمان ناقص هو إن مفيش حاجة معمولة لأهل مرضى السرطان تقدر توفر دعم عاطفي ومساندة ليهم وهما بيرافقوا حد من عيلتهم عنده سرطان.

المسألة اللي بتطرحها خطة العلاج الشاملة اللي بحاول أطبقها هي مسألة الامتيازات. مش بس الامتيازات الخاصة بالمقدرة المالية، بس كمان الوصول للمعلومات المتاحة.

أنا الحقيقة من نفسي أول ما عرفت إن جالي سرطان بعت للأخصائية النفسية اللي كنت باتابع معاها زمان من بعد السجن. حسيت إني داخلة على فترة صعبة ومربكة ومش عارفة هتأثر عليا إزاي ففكرت إن مهم أتابع مع حد علشان أعرف أحافظ على قدر ما من التوازن النفسي وعدم الشعور بالتوهان وسط مشاعري وردود أفعالي على اللي بيحصل لي، وحاسة إن وجود مساحة للتنفيس عن غضبي وحزني برده ساعد إن الدايرة اللي بتدعمني من أهلي وأصحابي ما يبقاش عليهم عبء عاطفي كتير قوي. وغير كدة، اختياري إن يبقى فيه دعم نفسي مهني إداني إحساس بقدرتي على إدارة حياتي وإدارة الفترة دي بمسؤولية تجاه نفسي وإني مش سايبة نفسي ومشاعري يبقوا مفعولين بيهم طول الوقت: عملية ما ينفعش تفاديها، خطة علاج تقليدية متعارف عليها معنديش شجاعة رفضها تماما، ردود فعل جسمي على العلاج الكيماوي اللي ماكنش ينفع أتوقعها.

في إيدي حاجات قليلة قصاد مرضي اللي معنديش تحكم فيه بأي شكل من الأشكال، حاجة منهم هي إزاي أتعامل مع نفسي وأخلي الفترة دي فترة قبول وفهم لنفسي بكل حالاتها، وإزاي أحاول أتجنب رجوع السرطان مرة تانية، وإزاي أخلي المحطات التعيسة (زي أول جلسة كيمو، حلاقة شعري علشان بيقع، إلخ...) أقل تعاسة، أو يكون ليها معنى أو شكل يقلل من وطئتها.

قررت، غير المتابعة مع أخصائية نفسية، إني أتابع مع متخصصة في العلاج البديل (هوميوباثي) بتشتغل مع دكتور ألماني متخصص في الشغل مع مرضى السرطان، وده بالأساس كان علشان أعرف أتعامل مع الآثار الجانبية لخطة العلاج التقليدية (علاج كيماوي وإشعاعي وهرموني). فيه واحدة اتكلمت معاها كانت مريضة سرطان وبرده لجأت لنوع من أنواع العلاجات البديلة من الهند (أيورفيدا) بالإضافة إنها تابعت مع دكتورة متخصصة في علاج أعراض الأمراض بمكونات طبيعية (naturopathic doctor). فيه ناس عندها تفضيلات مختلفة في الجزء الخاص بالطب غير التقليدي وفيه طيف واسع من الاختيارات الممكنة.

الشيء الأخير، أو بالترتيب الزمني كان أول حاجة عملتها، هي تغيير نظام أكلي بشكل كامل. بمساعدة صديقات؛ قريت عن التأثير السلبي لأكل اللحوم ومنتجات الحيوانات على مرضى السرطان فقررت أوقف كل ده 18 يوم قبل العملية وحاسة إنه فرق في تقليل الالتهاب والانتفاخ اللي في جسمي، بالإضافة إلى توقيف السكر تمامًا (علشان دكتورة تغذية كانت قالت لبابا لما بدأ علاجه لسرطان الرئة إن الخلايا السرطانية بتتغذى على السكر) والاعتماد على البلح والفاكهة كمصدر طبيعي للسكر. بالإضافة لتوقيف كل الأكل المرتبط بأي كائنات حية (كل منتجات الألبان والبيض وكل أنواع اللحوم)، وتوقيف الأكل المقلي، كمان بدأت آكل حاجات مكتوب عنها إنها بتساعد على مكافحة السرطان زي الكركم (مع شوية فلفل ولبن لوز ونقطة زيت جوز هند وقرفة ويتسخنوا على النار). مسألة التغذية لعلاج الأمراض هي مسألة مش متعارف عليها بشكل عام، وشفت فيديو لدكتور أورام كان بيقول بشكل حاسم إن الأكل مالوش علاقة بعلاج السرطان، لكن القرايات اللي عملتها -اللي للأسف كلها بالإنجليزي- كانت بالنسبة لي مقنعة وبالتالي قررت أمشي على النظام الغذائي الجديد.

خلال الفترة اللي فاتت أدركت مدى أهمية وجود خطة علاج شاملة تتعامل معايا كشخص مش كجسم فيه ورم فقط. مهم بالنسبة لي أتعامل مع المرض بقبول نفسي، وأعرف أنا محتاجة آكل إيه علشان جسمي يكون أقوى في مقاومة المرض والتعامل مع الآثار الجانبية لخطة العلاج التقليدية.

المسألة اللي بتطرحها خطة العلاج الشاملة اللي بحاول أطبقها هي مسألة الامتيازات. مش بس الامتيازات الخاصة بالمقدرة المالية، بس كمان الوصول للمعلومات المتاحة عن خيارات العلاج البديلة والتكميلية لمرضى السرطان اللي معظم -إن ماكنش كل- مصادرها بالإنجليزي، والوصول لمقدمي خدمات الخيارات دي اللي عايشين في القاهرة، ده غير كوني مولودة وعايشة في بيئة اجتماعية بتقبل وبتشجع على اللجوء لمساعدة متخصصة في الدعم النفسي كأمر طبيعي.

العبء المالي للمرض والحيرة في اختيار الدكاترة الجراحين والمعالجين مسائل متداخلة، ومهم يبقى فيه منصة لتبادل المعلومات بخصوص الدكاترة وإمكانية الحصول على الخدمة الصحية بشكل مجاني من نفس الدكتور لو ما توفرش المقدرة المادية للعيادة الخاصة. بوابة التقييم المجتمعي للمستشفيات ممكن تكون منصة مفيدة إن الناس تبص على تقييم المستشفيات قبل ما تروح، ولو إن مفيهاش المعهد القومي للأورام في القاهرة.

كل ما حد كان يعرف إن جالي سرطان كان دايمًا فيه سؤال لو محتاجة فلوس أو إزاي هعرف أدبر تكاليف العلاج. الحمد لله إن من خلال شغلي عندي تأمين صحي قدر يغطي جزء من العملية والباقي الشغل تكفل بيه، لكن برده اكتشفت إن الجراح اللي عمل لي العملية بيعمل عمليات بالمجان في المستشفى المتخصصة في علاج سرطان الثدي التابعة للمعهد القومي للأورام، والدكتور المعالج، بالرغم إني ما اعرفش لو بيشتغل في المعهد ولا لأ، بس عرفت إن فيه دكاترة شاطرين في المعهد، منهم الدكتور المعالج لبابا. تكاليف العلاج الوقائي اللي بعد العملية (الكيماوي والإشعاعي) قدرت ألاقي مكان تابع لشركة التأمين الصحي اللي أنا تبعها والدكتور بتاعي بيتابع فيها.

للأسف شركة التأمين الصحي اللي أنا تابعة ليها (وأظن معظم شركات التأمين الصحي الخاصة) مش بتغطي المتابعة مع أخصائية نفسية أو مع أخصائيين في الطب البديل، وبالتالي حتى لو الشخص قدر يشيل تكاليف العلاج في الطب التقليدي، لو حد عايز يبقى عنده خطة علاج شاملة طرق مختلفة للتعافي هيفضل فيه عبء مادي.

فيه أسئلة كتير عن الستات اللي بتعدي بجراحات أعنف بتفقد فيها الثدي أو الاتنين، عندهم دخل بسيط وعايشين في قرى بعيدة عن القاهرة، إيه نوع الدعم اللي بيتقدم لهم وإزاي يقدروا والمجتمع اللي حواليهم يعدوا المرحلة دي بأقل الخسائر الجسدية والنفسية الممكنة؟ ليه المستشفى المتخصص في علاج أورام الثدي التابع للمعهد القومي للأورام مش معروف؟ هل فيه مجموعات دعم مكونة من مرضى السرطان وهما اللي بيديروها زي زمالة المدمنين المجهولين ومش معروفة؟ ليه دكاترة الأورام مش بيخلقوا أُطر تكميلية لخطة العلاج، زي ما بيبعتوا المرضى للجراحين برده يبقى فيه نظام إحالة لأخصائيات وأخصائيين نفسيين متخصصين في التعامل مع مرضى السرطان أو لمجموعات دعم عاملينها المرضى؟ كل دي أسئلة تستحق الإجابة من مقدمي الخدمات الصحية المرتبطة بالسرطان، وسرطان الثدي تحديدًا بما أن نسبة الإصابة بيه حسب إحصائية في 2019 تقدر بـ 35.1% من إجمالي الأورام التي بتصيب الستات.