تصميم: يوسف أيمن - المنصة

من مطعم إيطالي في أوكلاند إلى فضاء الإنترنت: كيف بدأ الفانتازي؟

في أمسية صيفية عام 1963 داخل مطعم إيطالي بولاية أوكلاند الأمريكية، يتقدم أعضاء إحدى الروابط الجماهيرية لبطولة كرة القدم الأمريكية إلى الغرفة الخلفية للمطعم لتدوين الخطوات الأولى من فكرة ربما تساعدهم في تمضية الوقت بشكل مسلٍ، لكنها تحولت لاحقًا إلى هوس جماهيري يجتاح العالم كله. واليوم، بالنسبة لمشجعي كرة القدم، لا شيء يُضاهي صخب لعبة فانتازي الدوري الإنجليزي الممتاز كل أسبوع.

أكثر من سبعة ملايين لاعب حول العالم يتنافسون في لعبة كرة القدم الافتراضية Fantasy Premier League، ومئات الرعاة يتزاحمون لتتصدر منتجاتهم واجهة التطبيق، وجوائز بآلاف الجنيهات الإسترلينية تُقدم للفائزين بالمراكز الأولى مع نهاية كل موسم.

وفي 2018 ومع تألق محمد صلاح في موسمه الأول مع ليفربول، ازدادت شعبية اللعبة في مصر التي أصبحت ثاني أكثر دولة يشارك منها لاعبون في الفانتازي بعد إنجلترا.


هوس حقيقي بات يُصاحب كل جولة من بطولة الدوري الإنجليزي الممتاز التي تمتد بين أغسطس/ آب ومايو/ أيار كل سنة على مدار 38 أسبوعًا؛ تكتظ مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو يحقق بعضها مشاهدات مليونية تقدم النصائح والإرشادات الخاصة بكل جولة، وبصفحات أنشئت خصيصًا لمواكبة نهم المنافسة المتزايد، وتقديم نصائح بشأن التشكيل الأمثل لفريقك، واللاعبين الذين عليك شراءهم أو التخلص منهم لاختيار الكابتن وعمليات البيع والشراء الافتراضية.

وفانتازي الدوري الإنجليزي لعبة افتراضية تفاعلية يمكن المشاركة بها من خلال التسجيل على الموقع الرسمي لبطولة الدوري، حيث يصبح كل لاعب يتنافس في اللعبة مديرًا فنيًا معه ميزانية افتراضية تبلغ 100 مليون جنيه إسترليني عليه أن يشتري بها 15 لاعبًا من لاعبي الأندية المتنافسة في البطولة ليشكل منهم فريقه، وبحسب أداء هؤلاء اللاعبين في المباريات الحقيقية يجمعون نقاطًا في اللعبة الافتراضية سواء بالسلب أو بالإيجاب، فكما يحقق اللاعب نقاطًا إذا أحرز هدفًا أو قام بتمريرة حاسمة أو ساهم في الحفاظ على نظافة شباك فريقه، تُخصم منه نقاط إذا نال إنذارًا أو طُرد أو أهدر ضربة جزاء أو سجل هدفًا بالخطأ في مرماه.

ومع اقتراب بداية كل موسم تتحدد أسعار اللاعبين في الفانتازي بمعرفة الموقع الرسمي لبطولة الدوري الإنجليزي، بحسب النقاط التي يتوقع أن يحرزها كل لاعب وفقًا لمركزه ومستوى فريقه في المنافسات وعدد النقاط التي أحرزها في المواسم السابقة. وتراوحت أسعار اللاعبين مع بداية الموسم الحالي من بطولة الدوري من 4 إلى 12 مليون جنيه.

الإعلان عن سعر صلاح في لعبة فانتازي الدوري الإنجليزي مع بداية موسم 2020/ 2021. الصورة من صفحة اللعبة الرسمية على فيسبوك

يفوز المدير الفني الذي يحقق أعلى عدد من النقاط طوال الموسم برحلة سياحية تمتد سبع ليالٍ إلى المملكة المتحدة وتتضمن حضور مبارتين في منافسات بطولة الدوري، وساعة ونسخة من إحدى ألعاب فيفا ومعطف من nike وبعض الهدايا التذكارية.

ولكن كيف أصبحت وسيلة تسلية مشجعي كرة القدم الأمريكية في أوكلاند خلال ستينيات القرن العشرين، هوسًا يجتاح العالم كله بعد خمسين عامًا؟

تنبؤات جلد الخنزير

في أغسطس 1963، قبل الإنترنت وأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة حين اقتصرت وسائل التواصل والتسلية على الطرق التقليدية حيث الناس ما زالوا يدونون أفكارهم باستخدام الورقة والقلم، اجتمع بيل وينكينباخ، مالك نادي أوكلاند رايدرز، ببعض أصدقائه، وأسسوا رابطة أوكلاند الكبرى للمحترفين GOPL، التي أطلق المشجعون في الحانات عليها اسم "تنبؤات جلد الخنزير".

كانت الفكرة باختصار تتلخص في أن يختار كل شخص مجموعة من اللاعبين يُراهن على تألقهم ضمن مباريات بطولة الدوري، ويكتب أسماءهم في ورقة يُدون عليها اسمه، ثم تجمع الأوراق قبل بدء مباريات الجولة ويُعاد فرزها بعد كل مباراة لتحديد أي الرهانات كان أقرب للصواب.

ورغم بساطة القواعد لكنها كانت ثورية آنذاك، حيث يتاح لكل فريق ميزانية أسبوعية من النقاط تتراوح بين 12 إلى 16 نقطة تستخدم لشراء اللاعبين وإجراء التعديلات، وتُحدد قواعد ثابتة لحساب النقاط اعتمادًا على أداء اللاعبين خلال المباريات الحقيقة في الدوري، 6 نقاط للاندفاع ودفع الكرة إلى منطقة النهاية للخصم (تسجيل الهدف)، 4 نقاط للتمريرة الحاسمة التي تسبق إحراز الهدف، نقطة واحدة لكل 25 ياردة يتم قطعها بدون الكرة، نقطة واحدة لكل 10 ياردات يتم قطعها بالكرة، 3 نقاط للأهداف الميدانية.

يقول ستان هيب، أحد المشاركين في تأسيس اللعبة بنسختها الأولى، إن الشيء الوحيد المختلف في هذا الدوري عن النسخ الحالية هو "أننا رجال قلم رصاص وورقة، لقد شارك الجميع آنذاك في التحدي، حتى أصبح مصدرًا للتفاخر بين المشجعين في الأوساط الرياضية".

قبل ساعات من بدء المنافسات الحقيقية على أرض الملعب، يحتشد الجميع في المطعم الإيطالي بأوكلاند، العاملون من ذوي الياقات الزرقاء والبيضاء، والمراهقون والمتقاعدون، والرجال والنساء، والمتسربون من المدارس الثانوية وخريجو الجامعات، حيث يتحولون جميعًا إلى مدربين، ويشكلون فرقًا على أمل تحقيق أعلى نقاط للتفاخر أمام الأخرين، وبالطبع الفوز بأموال الرهانات.

منافسات "تنبؤات جلد الخنزير" أجريت بنظام الكؤوس، حيث يتم تعيين جدول موسم عادي لكل فريق خيالي يتكون من مباراة أسبوعية واحدة وجهًا لوجه، ويفوز الفريق الذي يحصل لاعبوه على عدد نقاط أعلى خلال الأسبوع، ويتم التصفية بين المتنافسين حتى الوصول إلى الدور النهائي والفائز يتوج بطلًا للدوري، وهو ما يشبه دوريات الـ Head to head المتاحة ولكنها أقل شعبية في لعبة فانتازي الدوري الإنجليزي الممتاز اليوم.

يتذكر فريد توماسون، أحد مؤسسى النسخة الأولى من اللعبة، الذي يبلغ عمره اليوم 91 عامًا، أيام نشأة تلك الفكرة "صديقي وينكينباخ قال إن هذا لن يستمر طويلًا، والآن أرى فكرتنا تحظى باهتمام ومتابعة الملايين في العالم".

تكريم بيل وينكينباخ والأعضاء المؤسسون لـGOPPPL.. الصورة لـFantasy Alarm

جذبت اللعبة كثير من الناس، عام 1974 كان هناك نحو 200 لاعب يشاركون في هذه اللعبة الجديدة، وبحلول الثمانينيات عندما زادت شعبية اللعبة بشكل كبير وتخطى عدد لاعبيها المليون، صدرت مجلة متخصصة في اللعبة تنشر ملخص ما جرى في الأسبوع الفائت مع أبرز النصائح بشأن الأسبوع المقبل.

دوري دونيلي فانتازي

رغم أن المعلومات المتاحة عبر الإنترنت عن تفاصيل عبور كرة القدم الخيالية المحيط الأطلنطي من الولايات المتحدة إلى أوروبا شحيحة، لكن ما نعرفه أن ذلك حدث على يد رجل إنجليزي اسمه بيرني دونيلي عام 1971.

في ذلك العام أسس الرجل "دوري دونيلي فانتازي" لكرة القدم بشكل محدود مع سبعة من أصدقائه، اختار كلٌّ منهم فريقًا للتسلية والتحدي فيما بينهم.

بعض التقارير تُشير إلى أن فكرة دوري كرة القدم الخيالي كانت لدى دونيلي منذ عام 1966، ولكنه لم يطرحها على أصدقائه السبعة إلا عام 1971. كانت بسيطة ومعقدة في نفس الوقت وتتشابه إلى حد كبير مع تجربة الدوريات الخيالية في أمريكا، التي كانت تتوسع وتنتشر بين مشجعي كرة القدم الأمريكية أو البيسبول على السواء.

في دوري دونيلي فانتازي يتكون كل فريق من 15 لاعبًا، يختار المدراء 5 فقط لتشكيل فريق كل جولة هم فقط من تحتسب نقاطهم، ويحصل اللاعبون على النقاط من خلال تسجيل الأهداف فقط، وعلى الرغم من تحمس العديد من محبي كرة القدم لفكرة بيرني دونيلي، لكنه أصر على الحفاظ على عدد الفرق المحدود ورفض أن يزيد عن ثمانية.

ربما من هنا يولد التعقيد، حيث يأتي المديرون ويذهبون، لكن تبقى الفرق الثمانية قائمة بغض النظر عن المسؤول عنها وكأنها نادٍ حقيقي تسعى إدارته لتغيير المدير الفني، ويرث المدرب الجديد بعد تولى المسؤولية في النادي جميع اللاعبين والميزانية التي جمعها سلفه، وتتاح له حرية التمسك بالفريق الموجود بالفعل أو جلب دماء جديدة للفريق.

يقول بيرني، أن ثمة قائمة انتظار طويلة من الأشخاص الراغبين في القدوم وتولي إدارة الأندية، نتيجة لذلك، كان المدرب الذي يحتل فريقه المركز الأخير في الدوري يخرج من المنافسة ويستبدل به أول اسم في قائمة الانتظار.

ونظرًا لازدياد أعداد الراغبين في المشاركة ضمن دوري دونيلي فانتازي، قرر بيرني السماح بتعيين مدربين مساعدين في الفرق الثمانية، ويقول دونيلي إن البعض كان يتخذ اللعبة بقدر كبير من الجدية، لدرجة أن بعض المدربين كانوا يقدمون أنفسهم في الخارج كمديرين فنيين في دوري دونيلي كنوع من التباهي والتفاخر بالإنجازات.

بعد سنوات من النجاح الباهر للعبة في أمريكا ومحاولة استنساخها من قبل بيرني دونيلي، قرر الإيطالي ريكاردو ألبيني إضافة بصمته في عام 1990، بيد أن تجربته لم يُكتب لها النجاح، ثم نفذ أندرو وينستون تجربته في إنجلترا 1991 تحت مُسمى Fantasy League LTD، التي نقلت الفكرة لمجموعة أكبر من الأشخاص في أماكن متفرقة من بريطانيا اعتمادًا على خدمات البريد، خاصة بعد أن دخلت ضمن الخدمات المقدمة من قبل صحيفة ديلي تليجراف لتحظى بتفاعل الجمهور.

في الساعات الأولى من يوم الأربعاء، اعتاد المواطنين الإنجليز على شراء الصحف، حيث كانت تُرفق ورقة عليها جدول يشبه برنامج إكسيل، مُعدّة ليدون الجمهور عليها أسماء اللاعبين والنقاط يدويًا ثم مقارنة ما تمكنوا من تحقيقه مقارنة بالأخرين.

FPL.. مرحلة الانتشار الإلكتروني

استمرت الفكرة بهذا الشكل حتى موسم 2002 عندما أطلق موقع إلكتروني مُخصص للعبة FPL، سمح بفترة تدريب للاعبين خلال الأسابيع الستة الأولى من موسم 2002/ 2003، لتبدأ المنافسات الحقيقية من الأسبوع السابع. كان الموسم الأول من اللعبة 32 أسبوعًا فقط بدلا من 38.

كانت الفكرة الأساسية وفقا لمؤسسي الموقع، هي إتاحة الفرصة للجمهور من أجل التغلب على مشاعر الكراهية التي قد تخلقها منافسات كرة القدم المحتدمة، والسماح للمشجعين بتقبل اللاعبين من الفرق الأخرى دون عداء. فمثلًا يمكن لمشجعي مانشستر يونايتد أن يضموا لاعبين من مانشستر سيتي أو ليفربول، كما قد يدعم مشجعي أرسنال لاعبي توتنهام، ويراهن أنصار إيفرتون على أقدام لاعبي ليفربول، حيث سعى المتسابقون لضم اللاعبين أصحاب النقاط العالية والأداء القوى بغض النظر عن انتماءاتهم، مثل محمد صلاح صاحب أعلى عدد من النقاط للاعب في موسم واحد في تاريخ اللعبة (303) في موسم 2017/ 2018، ولويس سواريز صاحب المركز الثاني في عدد النقاط (295) في موسم 2013/ 2014، وفرانك لامبارد (284) في موسم 2009/ 2010، وكريستيانو رونالدو (283) في موسم 2007/ 2008.

على شبكة الإنترنت نمت لعبة FPL بشكل كبير للغاية، حيث تجاوز عدد المديرين الفنيين الذين يتنافسون في الموسم الحالي سبعة ملايين، بعد أن كانوا في أول مواسم اللعبة 2002/ 2003 نحو 18 ألفًا فقط.

ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، تسابق المشتركون في تقديم النصائح سواءً من خلال الصفحات الخاصة باللعبة على فيسبوك وتويتر، أو بإنشاء قنوات عبر يوتيوب، حيث تحولت نصائح الفانتازي إلى محتوى يحقق الكثير من الشعبية والأموال.

لعبة فانتازي دوري أبطال أوروبا. صورة ضوئية من التطبيق الرسمي للبطولة 

في مايو/ أيار 2018، قدرت تقارير عائدات ألعاب كرة القدم الخيالية بنحو 1.5 مليار دولار سنويًا، حتى أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ويفا عزز حضوره بالاستثمار في مسابقة دوري أبطال أوروبا الافتراضية Fantasy UEFA Champions League، التي بلغت قيمتها 638 مليون دولار.

تُمثل الإعلانات وعقود الرعاية للبطولات المباعة، ومقاطع الفيديو التي يتم إنتاجها خصيصًا للعرض على منصات ألعاب كرة القدم الافتراضية، آليات شائعة لكسب المال بالنسبة للجهات الرسمية المالكة لتلك الألعاب، كما تكسب بعض المنصات التي تقدم خدمات إضافية متعلقة باللعبة على غرار CBS وYahoo وESPN قدرًا كبيرًا من أرباحها من خلال الإعلانات.

ووفقا لتقرير نشر عبر FIFS عن النمو الهائل لتجارة الرياضة الخيالية في الهند، فقد بلغ إجمالي الإيرادات لمنصات الألعاب الرياضية الخيالية عبر الإنترنت في الهند أكثر من 320 مليون دولار للسنة المالية 2019/ 2020، حيث تضاعفت الأرقام لأكثر من ثلاث مرات خلال عام واحد فقط.

ازدهار ألعاب كرة القدم الافتراضية وخاصة المخصصة للدوري الإنجليزي، دفع العديد حول العالم لمحاولة تحقيق مكاسب مادية من خلال شغفهم وعشقهم لتلك اللعبة، وتحديدًا عبر يوتيوب الذي يحظى حاليًا بالعديد من القنوات المخصصة لمناقشة مستجدات اللعبة وتقديم النصائح لاختيار التشكيل.

إحدى أبرز قنوات يوتيوب المخصصة للفانتازي قناة إنجليزية اسمها Let’s Talk FPL، تأسست في نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، وتحظى بمتابعه 147 ألف مشترك، بينما تجاوز عدد مشاهدات مقاطع الفيديو الخاصه بها 24 مليون مشاهدة، ما يجعلها تحقق 16 ألف دولار تقريبًا شهريًا، بمعدل يتجاوز الـ700 دولار لكل مقطع فيديو. عربيًا، يقدم الممثل الشاب يوسف عثمان عبر قناته على يوتيوب ابن عثمان التي يتابعها 206 آلاف شخص وتقدم محتوىً رياضيًا وسينمائيًا، نصائح فانتازي الدوري الإنجليزي كل أسبوع من خلال برنامج "مين تجيبه ومين تسيبه"، وهو البرنامج الأكثر شعبية على القناة حيث يبلغ متوسط مشاهدات الحلقة الواحدة 100 ألف مشاهدة.

من تجمع محدود لبعض المشجعين المهووسين بكرة القدم الأمريكية في الغرفة الخلفية لمطعم إيطالي في أوكلاند في عصر الورقة والقلم، إلى لعبة يتنافس فيها الملايين حول العالم وما زالت تجتذب المزيد من المتابعين، سيبقى الفانتازي واحدًا من أشكال التعبير المبتكرة عن هوس مشجعي المنافسات الرياضية بالبطولات التي يتابعونها، وباللاعبين الذين يحبونهم، وكذلك بالمنافسة فيما بينهم.


المصادر:

https://www.britannica.com/sports/fantasy-sport

https://fantasyfootballmag.com/where-did-fantasy-premier-league-begin/

https://allaboutfpl.com/2020/12/highest-scoring-fpl-players-in-a-season-since-the-start-of-fpl/

https://www.goal.com/en/news/india-fantasy-sports-football-ifs/k41875ypa05414j18toz2zk2r