أحد مشاتل شارع 250 بالمعادي. الصورة بإذن خاص للمنصة

التطوير باقتلاع الأشجار: المعادي تدافع عن "جودة الحياة"

يضحك أحمد مجدي وهو يقول أثناء تأدية بعض المهام الروتينية في مشتله المطل على ميدان فيكتوريا في ضاحية المعادي "يسألون عن حكاية محور الجزائر أكثر مما يطلبون شراء الورد والزرع".

تهيمن على أجواء تلك المنطقة العريقة حالة من التوتر بعد أسابيع بعد إعلان إنشاء "محور الجزائر" الذي سيؤدي إلى إزالة عشرات المشاتل وقطع عشرات الأشجار. وبينما تقول وزارة النقل إن المحور الجديد سيكون من شأنه "حل مشاكل الاختناقات المرورية"، فإن الكثير من سكان المنطقة يرفضون تغيير معالم المنطقة الأكثر خضرة في المعادي، وتغيير الطابع المعماري للحي العريق.

جاء مجدي الذي يبلغ عمره اليوم 30 عاما، إلى ميدان فيكتوريا قبل 15 سنة، لينشئ مشتلًا جديد ضمن سلسلة المشاتل التي تصنع شريطًا أخضر يسير بمحاذاة شريط السكك الحديدية في شارع 250 "كان عندنا مشتل على الكورنيش قصاد المحكمة الدستورية، وبعدين والدي أجر المشتل دا لأن المكان هنا أحسن. حيوي والزبائن أكتر وهنا أجانب بيحبوا الزرع".

ولأن الجهة المؤجرة لمجدي هي هيئة السكك الحديدية، كان يتوقع أن تبلغه بأعمال محور الجزائر وتأثيره على المشتل، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

سمع مجدي عن أعمال التطوير المخطط لها في المعادي من وسائل الإعلام، وأن تلك الأعمال تهدف لإنشاء طريق سريع للسيارات سيمحو جزءًا من الشريط الأخضر الموازي للسكة الحديد، ما أشعره بأن مصدر رزقه الأساسي صار مهددا بالإزالة.

وكان وزير النقل كامل الوزير، كشف لوسائل الإعلام بداية هذا الصيف عن مخططات لإنشاء ثلاثة محاور لعبور السيارات بطول 100 كيلومتر، بتكلفة 3.5 مليار جنيه، لتسهيل الحركة المرورية.

المحور الأول هو المريوطية لخدمة الجيزة والصعيد، والمناطق السياحية في الهرم وسقارة.والمحور الثاني يخدم مناطق المرج والخصوص والخانكة وأبو زعبل.أما الثالث، محور الجزائر، فهو مخصص لتسريع حركة المرور في المعادي والبساتين.

عندما سمع مجدي بهذه الأخبار ذهب إلى أحد معارفه بهيئة السكك الحديدية، ومثله فعل مستأجرون آخرون ممن تقع مشاتلهم ضمن أراضي حي المعادي لتقصي الأمر من الحي.

وفي الحالتين لم يكن الرد كافيًا لطمأنتهم "قالوا لنا، نعم بالفعل يوجد مشروع قيد الدراسة، لكن موعد الإخلاء غير معلوم، ونحن في انتظار معلومات من أصحاب الشأن في وزارة النقل".

وتدور الشائعات، كما يقول مجدي، حول إخلاءات عاجلة للمنتفعين من النوعين: مستأجرو الهيئة ومستأجرو الحي.

لكن لا توجد مخاطبات رسمية أو إنذارات بالطرد"سمعنا إن الإخلاء مفروض يحصل في أسبوع، أنا مشتلي مساحته ألف متر مربع، مليان بالأشجار والصوب والنباتات والزهور، كيف يمكن الإخلاء في أسبوع؟".

إزالات في الحي الأخضر

لم يكن أصحاب المشاتل وحدهم القلقين بشأن أخبار محور الجزائر، ولكن الكثيرين من أبناء حي المعادي عبروا عن انزعاجهم من المشروع، ودشنوا حملة تحت شعار المعادي ترفض المحور، على صفحة فيسبوك انضم لها أكثر من 10 آلاف "معترض".

كما أطلق بعض المعترضين عريضة على موقع Change.org لجمع التوقيعات لإيقاف المشروع. ووصل عدد المشاركين إلى ما يزيد عن 14 ألف توقيع من سكان المعادى حتى كتابة التقرير.


حملة التوقيعات لإنقاذ طابع وأشجار المعادي


أحد المشاركين النشطين بالصفحة سيف الله حسنين عبر عن رأيه عند بداية الإعلان عن المشروع، قائلًا إن المحور الجديد، على عكس المعلن من وزارة النقل، سيتسبب في اختناقات مرورية بالمنطقة "مشاكل محور الجزائر باختصار شديد، إنه هيقطع 4 شوارع رئيسية (مزلقانات) تصل الكورنيش ومعادي السرايات بدجلة والمعادي الجديدة والزهراء والأوتوستراد".

ويرى حسنين أن "اعتراض الأربع معابر بطريق سريع ذو كثافة مرورية عالية سيخلق اختناقات مرورية. أما اذا كان المحور علويًا فلن يستفيد به أهل المعادي مروريًا لأنه سيربط فقط الطريق الدائرى بطريق شمال طرة". كما "سيدمر المشروع كل الأشجار في مساره ويقضي على الطابع المميز للمعادي" كما يضيف.

.. وتساؤلات في البرلمان

الاعتراضات على المشروع وصلت إلى البرلمان، وجاء الصوت الناقد تحت القبة من النائبة مها عبد الناصر.

"كمية الإزالات الكبيرة تزعج منطقة سكنية هادئة وراقية وبها أشجار وبساتين عمرها يقارب المائة عام، زيادة سرعة السيارات داخل هذه المنطقة الهادئة يحرم سكانها من المشي وركوب الدراجات مقابل تسهيل استخدام السيارات الخاصة" كما تعلق عبد الناصر على حسابها الشخصي على فيسبوك.


بيان النائبة مها عبد الناصر


ومن الناحية القانونية، أشارت عبد الناصر إلى أن محور الجزائر يعد مخالفا للباب الثاني الخاص بالتنسيق الحضاري في القانون رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية فيما يخص المناطق ذات القيمة المتميزة.

تشرح للمنصة سهير حواس، عضو لجنة المناطق التراثية بجهاز التنسيق الحضاري، كيف يعد المشروع مخالفًا للتشريعات المصرية من وجهة نظرهم "منطقة المعادي تم تخطيطها عام 1907 لتكون ضاحية هادئة، وتم تسجيلها كحي تراثي في الباب الثاني لقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، في الفصل الثاني تحت مسمى المناطق ذات القيمة المتميزة".

يعنى ذلك "أن الجهاز وضع اشتراطات لمنطقة المعادي مشابهة لمناطق القاهرة التاريخية والخديوية وجاردن سيتي والزمالك، يكفل حماية المنطقة من استقطاع أي مساحات خضراء أي غرض، وعدم اقامة الكباري والطرق العلوية للسيارات".

وبينما قد يدفع البعض بأن "الجزائر" جزء من "مشروع قومي" يجب أن يتجاوز هذه التفاصيل القانونية، ترد حواس بأن "المناطق التراثية والمسطحات الخضراء لا يجوز التعامل معها إلا بعد الرجوع للجهاز، لأننا وضعنا القانون بعد اعتماده من المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية برئاسة مجلس الوزراء، لذا لا بد من البحث عن بدائل لحماية النسيج العمراني". وتصف ما قد يحدث "بأنه مثل استخدام سكين لتجزئة المكان دون دراسة مقومات الحي التراثي".

ويرجع الفضل للمعادي، التي تأسست بداية القرن الماضي، في أنها أضافت مساحات خضراء للحي الأصلي الذي كان موجودًا باسم "الخبيري". وكان خط العباسية - التبين الحديدي العتيق هو أداة الوصل للمعادي مع القاهرة وحلوان، بينما كان الوصول للجيزة يتم عبر المعديات، التي كانت ترسو على النيل مقابل الخبيري.

وضمن المخططات الحالية لوزارة النقل إنشاء خط جديد لمترو الأنفاق يسير بمحاذاة خط السكة الحديد العتيق، كأحد الحلول العصرية لتسريع وتيرة المرور في الحي الهادئ.

المحور يخيف الغزال والثعلب الأحمر

وتضم المعادي محمية طبيعية تقع وسط الطريق الدائرى والاوتوستراد ومن أشهر سكانها الغزلان، التياتل، الأرانب الجبلية، الثعلب الأحمر المهدد بالانقراض، وحوالي 20 نوعًا من الزواحف النادرة.

كائنات هذه المحمية ستكون معرضة للخطر في حالة إضافة محور الجزائر إلى طريقي الأوتوستراد والدائري، القريبين من المحمية.

الدكتور أحمد الخولي أستاذ التخطيط الحضري بجامعة المنوفية، يرى أن توسيع حمولة شبكة الطرق السريعة غالبا ما تؤدي إلى توافد المزيد من المركبات، ما يعني انبعاث المزيد من "غازات الدفيئة" الضارة بالنبات والحيوان.

بالإضافة إلى تحذيرات الخولي تتخوف السيدة مي زكي، التي تعيش بمنطقة الثكنات، من فقدان الأمان في عبور الشوارع. "نمشي على الأقدام، ونتحرك كثيرا في المعادى عن طريق الدراجات. أخشى على إبني من العربات المسرعة لأنه بيستخدم الدراجة من دجلة حتى مدرسة فيكتوريا".

الدولة في مواجهة محبي الاشجار

من وجهة نظر الدولة، فإن محور الجزائر عمل حضاري يهدف إلى إزالة التعديات التي يقوم بها الأهالي على جانبي شريط السكة الحديد.

الصورة كما ينقلها لنا كامل الوزير في حديث إعلامي تتلخص في الفقرة التالية "عندنا خط السكة الحديد من التبين للعباسية، الناس قاعدة عاملة ورش تصليح ورخام وقهاوي وبيوت فوق شريط السكة الحديد. والقطر بيدي كلاكسات عشان الناس تقوم، وفيه واحد راكن عربيته وقافلها ومش موجود ومفيش مفتاح. سواق القطر يعمل ايه؟ ينزل يوقف القطار ويدوّر على صاحب العربية".


وزير النقل متحدثًا إلى الإعلامي أحمد موسى


لكن أسماء الحلوجي، رئيس مجلس إدارة جمعية محبي الاشجار، تقول في مكالمة هاتفية مع المنصة إن الصورة التي ينقلها الوزير مخالفة لواقع المعادى "نحن لا نعلم تفاصيل المشروع بالضبط، لكن الوزير تكلم عن تعديات وحوادث على السكة الحديد ذلك يحدث في البساتين وطره، لكن المعادي صفر حوادث".

بل إن الحلوجي تدفع بأن الشريط الأخضر الموازي للسكة الحديد يعد نموذجًا ملهمًا يجب أن تنقله الدولة لمناطق أخرى في العاصمة، لا أن تهدمه "من 30 سنة عملنا حزام أخضر لحماية القطر والناس، وفكرنا في أنشطة صديقة للبيئة".

وتستشهد رئيسة مجلس إدارة جمعية محبي الاشجار بكلام الرئيس عبد الفتاح السيسي "دايما بيقول عايزين نرتقي بالمواطن، واحنا معاه، وبنقول المعادي ضاحية ذات طبيعة خاصة وأي مرور هيأثر على النسيج العمراني".

ووجهت جمعية محبي الأشجار التي تأسست عام 1904، رسائل لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارة النقل، تطالب بمراجعة مسار محور الجزائر، والوصول لحلول بديلة تغني عن هذا المحور المروري ذي الحركة المرورية السريعة بقلب ضاحية المعادي، لتراعي في مضمونها النسيج العمراني للحي، والبعد التاريخي والثقافي للحي، وتجنيب الضاحية المزيد من التلوث السمعي والبصري.

وكان رد وزارة النقل أن المشروع مازال قيد الدراسة، بحسب الحلوجي.

هل تراجع الوزير؟

وسط هذا الجدل، اتجه البعض إلى التفكير في طرح بدائل لمحور الجزائر، ربما يثني ذلك الدولة عن هذا المشروع ونتائجه السلبية على المعادي.

مثلا يطرح هنداوى عز، المرشح السابق لمجلس النواب عن دائرة المعادي، فكرة إنشاء كوبري علوي فوق طريق الاوتوستراد، ما بين طرة والبساتين، بدلًا من اختراق حي المعادى بالكامل وتقسيمه وتدمير الأشجار والمشاتل.

ونشر هنداوي الذى يُعرف نفسه على صفحته بفيسبوك أنه "مسؤول حملة يلّا سيسي بالمعادى"، خريطة تخيلية لفكرة الكوبري البديل لمحور الجزائر.

ربما ساهمت هذه الانتقادات الواسعة، والطروحات البديلة، في دفع وزارة النقل لإصدار بيانها الأخير حول المشروع، والذي بدا في ظاهره أنه يحاول طمأنة الجميع، وسوّق للمحور باعتباره الحل لإنهاء الاختناقات المرورية على خط سكك حديد العباسية، في المناطق المكتظة بالسكان.

وبعدها بساعات ظهر وزير النقل في حديث تليفوني على قناة إم بي سي، ليعلن عن تفاصيل جديدة بشأن أعمال التطوير، ووفقا للتصور المعروض فإن مسار المحور سيكون أقصر مما كان متوقعا من قبل، لكن في نفس الوقت لم ينفِ الوزير أن الأعمال تتطلب نقل بعض المشاتل بعيدا عن حرم السكة الحديد لمسافة آمنة.


مداخلة وزير النقل مع الإعلامي عمرو أديب


فيما يتعلق بمنطقة المعادي، المسافة من شارع النادي الجديد إلى كوبري طرة، كرر الوزير ما أكده البيان من عدم وجود "أي تخطيط لإزالة أي أشجار". كما أكد الوزير على إنشاء خط مترو الأنفاق الخامس موازٍ لخط السكة الحديد.

"هنبدأ من العباسية، ونيجي بقى من محور الحضارات وحتى شارع النادي في المعادي ده طوله أربعة كيلو ونص وده اللي بيطلق عليه محور الجزائر لأنه يبدأ من الطريق الدائري مع محور الجزائر ده بيشق البساتين فيه ناس فاتحة ورش وقهاوي منها اللى فاتح على السكة الحديد ومنها اللي فاتح على شارع جانبي، المسار ده كله هيتشال (...) نيجى من شارع النادي لحد محور طرة الطريق ده تقريبا 2 كيلو دي اللي الناس اللي بتتكلم عليها، بدل الورش في بعض المشاتل إحنا يدوب هننقل المشاتل لخارج حرم السكة الحديد لأن إحنا عايزين نحافظ على حرم السكة الحديد ونطور الطريق على جانبي السكة الحديد".

يكتفي صاحب مشتل ميدان فيكوريا بالابتسام وهو يسمع هذه الأخبار ويستكمل أعماله الروتينية، فهو يشعر أن مقاومة الأهالي للمشروع ساهمت في تغير لهجة وزارة النقل بشأنه، ويقول وكأن له جذور تمتد تحت أرض المعادي مثل عشرات الأشجار المحيطة بمشتله "أنا مش مصدق إنهم حينقلونا بجد".