حسابه الشخصي على فيسبوك
الشاعر الراحل فؤاد حجاج

فؤاد حجاج: "سيرة عاشت هنا أكتر صاحبها ما عاش"

منشور الأحد 25 يوليو 2021

 

في أول سنوات الألفية الجديدة التف المصريون في رمضان حول شاشات التلفزيون لمشاهدة حديث الصباح والمساء، ذلك العمل الدرامي الذي كان أشبه بمهرجان ضم أسماءً كبيرة على رأسها نجيب محفوظ، ومن بعده ساحر اسمه محسن زايد حوّل تلك الرواية الأعجوبة إلى سيناريو بتفاصيل صنعت نجومية كثيرين.

وسط كل هؤلاء كان فؤاد حجاج موجودًا بهدوء، بداية من قراءة الرواية التي اختار محفوظ أن يكتبها بطريقة غير تقليدية مستعرضًا حكاية كل واحد من أبطالها على حده وفق الترتيب الهجائي دون التقيد بالخط الزمني، ليبقى على القارئ تربيط الخيوط وتشكيل الحكاية. 

دعم حجاج زايد في مهمة تحويل هذه الرواية إلى مسلسل عبر إبداء رأيه في أوراق كل حلقة وليدة، ثم ما لبث أن صار شريكًا في العمل الكبير بكتابة كلمات مقدمته ونهايته، بعد أن تمثّلت التفاصيل في خياله عالمًا مكتملًا؛ ليخرج بكلمات أغنية ما زالت حتى الآن وبعد عقدين تتردد في آذان الكثيرين بصوت أنغام.

ولكن إذا كان حديث الصباح والمساء هو المدخل الأسهل للكتابة عن حجاج، الشاعر والكاتب الذي غادرنا يوم أمس السبت بعد رحلة حياة استمرت 92 سنة، باعتباره عمل يتأمل فيه حجاج متوالية الموت والحياة، وأيضًا أنها أشهر أعماله، فإن هذه الشهرة، من ناحية أخرى، ظلمت أعماله الأخرى، وقد كان الرجل مبدعًا غزير الإنتاج طوال نصف قرن، مع بداية مشواره في أوائل السبعينيات وحتى رحيله الهادئ. 

خوف على وقع الهزيمة

"لحظة ميلاد الفرح كان فيه حبيب رايح"، هذه الجملة التي يحبها الكثيرون من أشهر أعماله في حديث الصباح والمساء، تلخص مفارقة عايشها حجاج في لحظة الهزيمة الأقسى؛ 1967، حسبما قال في حوار قديم له.

في بدايات عقده الخامس، وهو المولود يوم 14 مايو/ أيار 1928، خرج حجاج بموهبته الشعرية للعلن، وذلك بإصدار أول دواوينه وادي الخوف عام 1971. كانت أجواء الهزيمة حاضرة ومتمكنة من وعي ومشاعر الشعب، وقد مرّت عليها أربع سنوات، انتهت خلالها الكثير من الآمال التي عقدها الشعب على الجمهورية الجديدة. 

سألت الصحاب، الجيران، القرايب قالولي غيطاننا، خطوطها خطوط وفيها قرون اللمون اللي شايخ  قرن الشطيطة اللي يكره يموت مقاوح مرازي تروس المعاصر مفلفص وخارج زكايب مدينته في حلمه معشق شروق المداين وقلبه القماين  ومنها البيوت

في ذلك الحوار القديم ذاته، حكى فؤاد حجاج عن رحلته الشعرية، قائلاً إنها "بدأت بمفارقة بين الحياة والموت، حيث كنا كشباب تلك الفترة نعاني من مرارة نكسة 1967 وإذ بي أعلم أن ابنًا لأسرة مجاورة لنا في السكن كان مجندًا، ووصل خبر استشهاده في نفس اليوم الذي ولدت فيه زوجته مولودًا جديدًا؛ ووجدتني اكتب عن لسان ذلك الوليد واستنطقه بمشاعر أوجاع الفراق".

هذا الديوان المحكوم بسياقات ومشاعر الهزيمة، لم يكن ليكتمل إذا لم يكن لزعيم وقائد تلك الفترة نصيب، ففي ثلاث قصائد كتب حجاج مرثية للرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، الذي عاصره حجاج، وكان في الأربعينيات من عمره، يعمل في الحقل الأدبي، بعد تخرجه من الجامعة العُمالية التي درس فيها الآداب.

صدر الديوان الأول باللهجة العامية، والتي صارت تلازم حجاج في دواوين شعرية أخرى مثل في المحكمة الذي أصدره عام 1973، ونور النار الصادر في آخر أعوام الثمانينيات، واستمرت العامية معه في الألفية الجديدة حين صدرت له دواوين أخرى منها فتافيت الجمر عام 2004.

أما عام 2014، فقد شهد ميلاد ديوان آخر، رصد فيه حجاج رحلته الشعرية عبر مختارات من دواوين قديمة، وجاء تحت عنوان مُعبر عن تلك الرحلة، وباللهجة المُفضلة له أيضًا، فكان وأن سمّاه مشاوير.

حكايات البشر 

"تلقى حكايات البشر، فيها عبير العبر صادح". تكاد هذه الجملة أن تصبح مرآة تعكس منهج وأسلوب حجاج في الأدب والشعر، بل والصحافة أيضًا وقد امتهنها في صحيفة مختصة بشأن أكثر الطبقات تعرضًا للظلم؛ العمال.

القارئ لأشعار حجاج سيجد فيها حالات شعرية متنوعة، منها ما تحدث عن معاناة البلاد كما في ديوانه الأول وادي الخوف، وما تحدث بعد عقود عن الأمل في تحسن الأحوال كما كان في حبّة عشم في المحروسة، العرض الشعري الفني الذي ظهر للنور عام 2007، شاركه فيه بالعزف الفنان فايد عبد العزيز.

بين هذين العملين، كان وأن قدّم حجاج في الثمانينيات أعمالًا أخرى تنظر بتفاؤل للشأن العام في عصر مبارك، مثلما بدا في أوبريتين من تأليفه، هما مصر الصنايعية عام 1986، ونهضة مصر عام 1988. 

ومن أعمال حجاج ما ابتعد عن المجال العام بهمومه الرسمية ورسم ببساطة هموم البشر في صورة المصري الباحث عن سبل العيش الكريم كما في قصيدته يوميات عبد العال، ومنها بالطبع ما يتحدث عن فلسفة الحياة ويتأمل في تفاصيلها، كما في تتر حديث الصباح والمساء، والتي بدا فيها سارحًا في الملكوت الإلهي مأخوذًا بـ"حكايات البشر" حرفيًا كما ورد بكلمات القصيدة، وما يخبئه لهم القدر، وحكمة الميلاد والموت وما بينهما من حياة.

تلك الأغنية ليست فقط ما ربطت اسمه بواحد من أعمال نجيب محفوظ، إذ سبق وأن تطرق لأعمال أديب نوبل من خلال قصيدته الدرامية محاكمة شخصيات نجيب محفوظ الصادر عام 1988 وتطرق فيه بصورة تفصيلية تشريحية لأبرز الشخصيات التي رسمها الأديب العالمي، وهي العمل الذي كان متفردًا لدرجة تقديمه في عروض مسرحية بعد عقود على تأليف حجاج لها. نال حجاج، وهو الكاتب الذي عمل رئيسًا للقسم الأدبي بصحيفة العمال، شهرته من الشعر لا الصحافة، لكن القصائد لم تكن إنتاجه الوحيد، فالرجل كان متعدد الأعمال الأدبية، والتي بخلاف الدواوين تنوعت، بين مسرحيات تجسدت بالفعل على مسرح الدولة مثل والله زمان يا فاطمة، وقطار الحواديت التي كتبها للأطفال، كمان قدّم مسلسلين تلفزيونيين هما حكايات الشاطر حسان التي كان بطلها الفنان الراحل يونس شلبي، ومسلسل يعيش ياميش مع الفنان فؤاد المهندس.

وإلى جانب الشعر والصحافة والمسرح كانت للرجل إسهامات إذاعية، منها مسلسل جذور في الهواء المأخوذ عن رواية الكاتب ثروت أباظة، والبرنامج الشعري غربة عبد العال، التي قام فيها بالأداء الصوتي أيضًا، بالإضافة إلى الفوازير التي كتبها لمدة خمس سنوات متتالية.

سجل حجاج حضوره في مجالات أخرى فهو مَن أنتج دراسات متعلقة بالحقل العمالي، مثل المسرح والعمال التي تناول فيها أصول المسرح، ودوره مع الطبقة العمالية التي كان مهمومًا بحكاياتها وشؤونها، على مدار أبعد وأكبر من عقوده الثلاث كصحفي في صحيفة العُمال.

ظلم الشهرة 

كل ما سبق من أعمال ليست سوى نماذج على إنتاج غزير كمًا وكيفًا لفؤاد حجاج، الذي اشتهر وانتشر اسمه بصورة واسعة بعد عرض مسلسل حديث الصباح والمساء قبل عشرين سنة، حتى اقترن ومنذ بث المسلسل عام 2001، سواء على مستوى الجمهور أو حتى في الإعلام، بهاتين الأغنيتين، حد تلقيب البعض له بـ"شاعر الأغنية الواحدة" أو "شاعر الفرصة الواحدة".. ومن الشهرة ما ظلم.

هذان اللقبان ربما يمحوان وبصورة غير مباشرة ما كان له من إنتاج فني مهم. وبهذا، تصبح هذه الأغنية وبما كان لها من الشهرة والنجاح بمثابة سلاح قتل دون عمد بقية أعماله التي استحق معها تكريمات عدّة نالها عن جدارة، مثل جائزة العيد الأول للفن والثقافة عام 1979، وجائزة الميكروفون الذهبي عام 2001.

ظُلِمت بقية أعمال حجاج بسبب نجاح أغنية واحدة. لكن حجاج نفسه لاقى ظُلمًا من نوع آخر بسبب مصادفة تشابه الأسماء مع الشاعر فؤاد حداد.

أحلف بنور الفجر فى الصبحية ونسمة صافية تفوت مع العصرية. إن النهار الجاى مش ح يعوق والغنوة ترجع للقلوب مصرية.

هذا التشابه، وفقًا لما حكى حجاج في الحوار السابق نفسه "سبب له متاعب كثيرة في بداية مشواره الأدبي"، وذلك باختلاط أنساب الأعمال الأدبية والشعرية بينهما، حسبما حكى له زميله وصديقه حداد حين جمعهما لقاء أثناء إذاعة عمل بعنوان أبو الهول بيقول، كان مؤلفه حجاج، بينما نسبه الجمهور لحداد.

ورغم ذلك، أكد حجاج والذي نسب له البعض المسحراتي الشهيرة التي كتبها حداد وتغنى بها الراحل سيد مكاوي، أنه لم ينزعج أبدًا من هذا التشابه أو الخطأ في نسب الأعمال، بل وصفه بـ"المدح اللطيف له"، لا سيما وقد لعب القدر دورًا آخر بأن كتب هو بعد رحيل حداد عملاً فنيًا يحمل الاسم نفسه أذاعته القناة الخامسة الخاصة بمحافظة الإسكندرية.

 تعرّض حجاج للظلم بسبب تشابه الأسماء، ربما. خسرت أعماله على قيمتها وجمالها فرصًا للشهرة والرواج لصالح عمل واحد، ربما. لكن الأكيد هو أن الرجل كان مُبدعًا، وأنه وإن ظُلم سواء بتشابه أسماء أو بنجاح أغنية، إلاّ أن اسمه سيبقى علامة تُضاف لتاريخ مبدعي القصيدة المصرية في ثوبها الأجمل، العامية.