أمينة رشيد. الصورة: صفحة "الأستاذة الدكتورة أمينة رشيد"- فيسبوك

أمينة رشيد: حياة تحولت إلى ساحة حرب هادئة

منشور الخميس 9 سبتمبر 2021

 

في بداية التسعينيات كانت المرة الأولى التي أسمع فيها عن الدكتورة أمينة رشيد، المثقفة، حفيدة إسماعيل صدقي باشا، رئيس وزراء مصر مرتين، والتي حصلت على درجة الدكتوراه من السوربون، وعادت لتكمل رسالتها في مصر وتدرِّس في الجامعة.

كان بيتهما، هي وزوجها الدكتور سيد البحراوي، الأستاذ بقسم اللغة العربية بكلية آداب القاهرة، في مدينة المبعوثين، مزارًا من مزارات جيل التسعينيات، وما سبقه. كان يجمع الصفوة من الشباب اليساري، صفوة الفكر والطبقة الاجتماعية، بعد أن انقضى زمن اليسار، والباحثين عن أمل، أو أي أثر من حلم التحرر. وربما ليعايشوا عن قرب حكاية "الفلاح الهمجي والهانم"، كما كان يسخر الدكتور سيد، ناعتًا نفسه بالفلاح الهمجي، والدكتورة أمينة بالهانم. ربما هذا التناقض، بينهما، منح البيت "حكاية سياسية"، وأصبح حلم تذويب الفوارق حقيقة معيشة.

أصبحا باجتماعهما معًا يشكلان رمزًا من الرموز الشهيرة في الحياة الثقافية، وفي تاريخ الثقافة. انتصار الحب، والماركسية، التي كان يؤمن بها كلاهما، داخل هذا البيت، والبيت فقط. أهمية أي رمز أنه غائر في الذاكرة، ومأساته وعنفه، أنه يحذف الكثير من المشاعر الجانبية، لأنه لا يستوعبها. أعتقد أن رمزية زواج أمينة رشيد وسيد البحراوي، قريبة بشكل ما من زواج الكاتبة صافي ناز كاظم من الشاعر أحمد فؤاد نجم، باختلاف الظروف، والزمن، فهناك قضية وحلم يجمع الشتيتين، والمرأة في القضيتين، كانت تشكل "الكتلة الحرجة". داخل هذه الرموز الإنسانية المركبة يكمن الكثير من تاريخ الحركة اليسارية، والثقافية بشكل عام، في مصر.

في بيت أمينة وسيد

زيارة بيت "أمينة وسيد"، كان يعوض شيئًا مفقودًا في زمن قاهرة الثمانينيات والتسعينيات الفقير والمجدب. كان التواجد والسهر في بيتهما، يضع الحاضرين داخل رموز زمن أوشك على الانتهاء، ليس الزمن الجميل، ولكن زمن النضال في أحد أشكاله الحية في الحياة اليومية. بيوت أمومية، تمنح زوارها طعامًا وملاذًا وأمانًا. بيت يمثل الرمز المفقود لشباب حلموا بحياة مختلفة. يكتسب هذا الرمز أهميته المضاعفة كونه جزءًا من تاريخ القاهرة/ المركز، الذي يوزع أضواءه وحرارة نوستالجيته الهادئة، على الجميع بدون تفرقة.

في الإسكندرية، في أي مرحلة تاريخية حديثة، لم يكن لهذا النوع من البيوت حسبانًا أو توقعًا، وحتى لو وجِدت فلن تتحول لمزارات، لأنها تفتقد حرارة "الرمز"، كونه تقليدًا غير مدرَج في روزنامة المدينة، ولا في تاريخها. أما في القاهرة/ المركز، فيتوهج الرمز، حتى ولو كان هذا المركز مهزومًا، أو على وشك الانهيار أو التحول، ويتسرب بسهولة في أجساد الناس، ومخيلتهم، ويمنحهم قبسًا من نار الماضي التحرري. استمرار هذه الرمز، المتمثل في "سيد وأمينة"، لم يتم إلا بالزواج، حيث تكتمل الدائرة، ويتشابك الزمن الاجتماعي مع الزمن السياسي مع الزمن الوجودي، ويُسد ثقب الحاضر المهان مؤقتًا، ويصفو الزمن كاملًا.

 

"الفلاح والهانم"

لا أستغرب أن دكتور سيد البحراوي، يتندر على نفسه، بأنه "الفلاح الهمجي"، وهي "الهانم"، فهو في المكان الذي يسمح بالتندر، أما هي فسيكون تندرها دومًا صامتًا، وغير معبر عنه، لأنه يرى الدعابة من مكان وطبقة ووظيفة مختلفة.

بادر الدكتور سيد بإطلاق هذا التعبير الاستفهامي الساخر أمام إحدى طالباته، عند زيارتها لبيتهما، ربما ليرد على سؤال وجده مرسومًا على وجهها: "إزاي الفلاح الهمجي ده متجوز الهانم"؟ كان اسمها كما ورد في شهادة الميلاد، كما يذكر الدكتور وليد الخشاب في مقال له في مجلة مرايا: أمينة هانم رشيد. كان يتلاعب بأن يسمي نفسه الفلاح الهمجي، وهي الهانم الأرستقراطية، ليضعه مباشرة، هذا التلاعب، داخل "حكاية يسارية" جوهرية، ربما تاق لأن يعايشها كيساري، أو كماركسي، ليس في السياسة، ولكن داخل الحياة اليومية.

ربما كان الدكتور سيد يعيش داخل هذه الأسطورة اليسارية، وهي لا شك أحد أسباب الارتباط بينهما: أن هناك "حكاية"، يتلاقى فيها المُحبان، أحدهما، "الفلاح الهمجي"، الذي انتصر للحب، ولطبقته ولتاريخ من المظالم النظرية والحقيقية، بينما "الهانم"، التي انتصرت للفكرة، للحب فقط، سواء للدكتور سيد أو لمفهومها عن المساواة. وهو ما يسم إيمان الدكتورة أمينة تجاه كل شيء. ربما عندما ينعتها أمام تلميذته، وغيرها، بلقب " الهانم" نلمح شبه هجوم مستتر عليها، وعلى طبقتها، ولكنه هجوم محلّى بالشوكولاتة.

ربما أيضا يمكن تفسير تعريفه لنفسه بالهمجي، أنه كان فرحًا باللقب، كون " الهمجي"، هو المتمرد الأصلي والحقيقي، في هذه "الحكاية السياسية"، ضد ثبات وجمود الأرستقراطية. فترعرعت "حكاية سيد وأمينة" داخل وسط ثقافي يفهم هذه الرموز الخافية وراء هذا الزواج التحرري، ويدعمها ويجد فيها أمله أو عزاء عمّا فقدوه. ولو اختفى هذا الوسط ربما ستفقد الحكاية الكثير من حواشيها وبريقها.

عندما زرت بيت "الفلاح والهانم" في عام 2010، لإجراء حوار مزدوج معها ومع د. سيد البحراوي، لعدد أمكنة العاشر، الذي يدور حول "سيرة الجامعة"؛ وجدت الحياة هادئة تمامًا، شعرت بنهاية لهذه "الحكاية" التي صنعها البيت. كانا بصحة جيدة، ولكن هناك سكون يلف كل شيء حولهما، في تلك الضاحية النائية في مدينة المبعوثين. تفاصيل الحياة من حولهما كانت هامدة، تمامًا، بداية من براد الشاي، للسكرية، وصولًا لزجاجة البيرة.

أصبح هذا المزار منفى، بشكل ما، ومركزية القاهرة القديمة أصبحت أيضًا منفى، كان يعاد تكوينها من جديد، في مكان آخر، وسط جماعات جديدة وطموحات جديدة، لم يكن من ضمنها الطموحات القديمة: رجال أعمال وفساد سياسي وثقافي، وظهور أجيال جديدة من المثقفين، لا يفكون كود حرارة هذه الرموز التي كان يحتفظ بها هذا البيت.

ولكن هذه النظرة تغيرت لاحقًا، عندما حضرت معنا الدكتورة أمينة حفل افتتاح العدد العاشر، الذي شاركت فيه بحوارها معي، في مكتبة "الكتب خان"، كان حضورها لطيفًا وخفيفًا وودودًا، وسط الجمهور، ومختلفًا تمامًا عن حضورها في البيت، عادت لها حيويتها، وتألقها وسط هذا السياق الثقافي. فسَّر هذا جزءًا من حالة الهمود التي رأيتها هناك، فخلاء البيت وتفريع هذا الرمز، الذي يمثله، عبر التحول الذي حدث في القاهرة ومصر والأجيال؛ ربما هو السبب الأساسي، كأنك محاصر بإطار لم يعد موجودًا. فقد ترعرعت العلاقة بينهما، وتألق رمز البيت، وسط أوساط أدبية وسياسية، تملك مفتاح تفسير وفك شفرة هذه الرموز الخافية، التي تبدو كقمة جبل الجليد.

شعرت يومها بأن هناك أثر نادر يجلس بيننا، ليس لأن نصيب الماضي فيه أكبر، ولكن بالعكس فالماضي السياسي، والأرستقراطي، تحولا واتخذا سمت شخصيتها، فالنبلاء المنبوذين قلة ونادرون، في أي وقت وزمان، ومن هذه القلة النادرة كانت الدكتورة أمينة.

عام 2012، دعتني الدكتورة أمينة لمناقشة مفتوحة مع أساتذة ومعيدات وطلاب قسم فرنسي بكلية الآداب. كانت يومها مشعة، بهدوئها. فالجامعة بالنسبة لها مكان آخر من أماكن الحلم، وممارسة مبدأ المساوة كما تؤمن به، فيمكن للمعرفة أن تجسر فروقًا طبقية، ونفسية كبيرة داخل هذا المجتمع الجامعي. وجدت يومها احتواء متبادلًا بين الدكتورة أمينة وأصدقائها من أساتذة وطلبة القسم، أمومة هادئة، ومتزنة، وحرة، بدون سلطة الأمومة التقليدية، أو ضعفها المقنع.

الجمال لا يسقط بالتقادم

أسرتني صورتها الأيقونية، وهي في باريس الستينيات، أثناء إقامتها لنيل درجة الدكتوراه، وهذا الجمال الاستثنائي، وأناقة الشتاء، وهي ترتدي البالطو، الذي ترفع ياقته، وبلوفر وقميصًا من تحته، والجوانتي وحذاء البوت، وتقف فوق مساحة بيضاء مكسوة بثلج شاهق البياض، ينعكس في الصورة كلها، كأنها داخل حلم، ومن خلفها أحد مباني الجامعة، والحقيبة المنتفخة بالأبحاث والكتب والسندوتشات وحبة الفاكهة، التي تضعها تحت إبطها وتحوطها، بأناقة وراحة، بيدها اليسرى، لتفصلها عن طريقة حمل المُحضرين لحقائبهم المدروزة بإنذارات الحجز.

 

عندما تحدّثت عن سنوات باريس، قالت إن الوحدة كانت تشغل جزءًا كبيرًا منها، لذا أصرت على العودة لمصر. لم تكذب الصورة، ولم أُخدع، فتلك الوحدة يمكن أن تكون أيضًا شريكة لهذه الحيوية الهادئة والمستقبل المفتوح، اللذان يظهران في الصورة، ولا تنقص منها شيئًا.

كلما نظرت لهذه الصورة أشعر بغصة حقيقية، أين ذهب هذا الجمال الأنيق والهادئ، والمترفع، الصورة التي تشعرك بقسوة الزمن. دومًا أتخذ عين أمينة وهي تنظر للصورة، وتقارنها بنفسها الآن؟ ولكن هل هذا ما يحدث بالفعل، ربما لا تشعر بشيء، وربما لم تكن ترى نفسها جميلة، أو تهتم بهذه الجزئية الثانوية، فهذا الزمن الذي استُهلك فيه هذا الجمال، الذي يشعرني بالغصة، مر على جسدها ثانية ثانية، ولم يقفز فجأة ليسرق منها جمالها، ولكننا نحن، من ننظر من الخارج، نشعر بهذه السرقة، لذا نفجع أكثر من صاحب الصورة نفسه. فالخسارة إن وجدت، تفرقت على سنوات طويلة، بحيث سقطت الجريمة بالتقادم، ربما اتسعت النفس لدورات جديدة من الجمال، فالجمال لا يذوب ولا يسقط بالتقادم.

كان لي لقاء معهما سوية، في بداية التسعينيات، في دار شرقيات، قبل أن نتعارف وجهًا لوجه، عندنا عثرت على رواية المكان، للكاتبة الفرنسية آني أرنو، التي قامت الدكتورة أمينة بترجمتها بمساعدة الدكتور سيد البحراوي. أثناء قراءتي للراوية، كانا حاضرين، بحكايتهما السياسية، خلف حكاية بطلة الرواية. تلك البطلة التي كان أبوها مزارعًا بسيطًا، ثم أصبح عاملًا، ثم امتلك محل بقالة، في إحدى المدن الفرنسية الصغيرة. بدخول الابنة السوربون، تتعرف هناك على زملاء لها من الطبقة البورجوازية، مما يجعلها تخجل وتتعالى على تصرفات ووضع أبيها الفلاح، التي كانت من أجل أن يحافظ على حياتهم العائلية، تلك التصرفات التي كانت تضايقها وتنتقدها باستمرار، وتجعل المسافة تزداد بعدًا بينهما. تبدأ الابنة في الصعود على هذا السلم الطبقي البورجوازي. وبمجرد موت الأب، تنزل مرة أخرى درجات السلم التي صعدتها، بسبب عقدة الذنب التي لازمتها بوفاة أبيها، أو كما تقول، شعورها "بخيانة طبقية"، تجاه أبيها العامل والفلاح، وتكرس الرواية لمراجعة تفاصيل حياة هذا الأب، وإعادة تثمينها.

الصعود والهبوط داخل سلم طبقي باتجاهين، ربما هنا "المكان" الذي اشتركا فيه، أمينة وسيد، أثناء ترجمتهما لهذه الرواية. التقى "الفلاح والهانم" في صياغة هذه الفكرة، وأنجزا ترجمة رواية، في رأيي، من أجمل الروايات التي أحببتها، وكنت اتخذها دليلًا دائمًا على كيف ننظر للماضي، ولطبقتنا الاجتماعية، ليس بغضب، ولكن بتسامح، فكم تغرِّبنا الثقافة عن حياتنا وطبقتنا، وهذا شيء ضروري، ولكن بحيث لا تفصلنا، وتظل هناك وشائح الذهاب والعودة، قائمة، وليس الانقطاع.

ربما مأساة الأيديولوجيات اليسارية، أو أي أيديولوجيات، أنها تجعلك تقطع مع ماضيك، ولا تعرِّفك كيف تعود، لأنها نظريات تسير في اتجاه واحد، وهذه طبيعتها، وليس في اتجاهين، وعلى الفرد المؤمن أن يرسم بنفسه الاتجاه الأخر في حياته: اتجاه العودة. ولكن رغم إيمان أمينة لم ترسم أي اتجاه للعودة لطبقتها، وسارت في نفس الاتجاه الواحد الذي بدأت منه، والمفارقة، بدون أن نشعر بأن ما تمارسه شيئًا آخر غير الحياة العادية.

"نقلة طبقية"

في حواري مع الدكتورة أمينة المنشور في عدد "أمكنة" العاشر، أول ما تذكرته في لقائها الأول مع الجامعة، عند التحاقها بكلية الآداب قسم فرنسي عام 1954، هي كردونات الأمن التي رأتها تحوط بالجامعة، فيما يسمى بأزمة مارس. هذا المشهد كان يعني بالنسبة لها أن حرية الفكر أصبحت محاصرة، كان عمرها وقتها ست عشرة سنة، وخاب أملها في كل نصائح أقاربها من الشيوعيين الذين سبقوها في دخول الجامعة، ومنهم ابن خالة والدتها، الكاتب الصحفي محمد سيد أحمد، ووعدوها بأن الجامعة مكانًا للحرية والانطلاق، والمظاهرات.

 ثم تضيف في مكان آخر عن تأثر العقيدة السياسية، مهما كانت راديكالية، بالمناخ الاجتماعي والأخلاقي المحيط بها "شيوعية الأربعينيات كانت بها أخلاق صارمة مرتبطة بلحظة الإيمان والأخلاق التي كانت تعم المجتمع" لتصل في النهاية إلى أن تفسخ المجتمع وفقده للأخلاق والإيمان، بالمعنى الواسع لهما، يصل بالإيمان في النهاية، لأن يفقد هويته، كما حدث مع أعضاء الحركة الطلابية في السبعينيات. هذا الإيمان الذي خصت به شيوعيي الأربعينيات، يلخص جوهر علاقتها بالشيوعية، أو الماركسية، التي اتخذتها مبدأ لحياتها، بسبب التناقض الصارخ الذي كانت تراه في الحياة من حولها: ثراء فاحش، يقابله فقر موحش.

هذه الرغبة العنيدة في العدالة الاجتماعية والمساواة، جاءت من فتاة تربت في بيت يقف على قمته جدها لأمها إسماعيل صدقي باشا، مما جعلها تعتنق الشيوعية وقضايا العدالة الاجتماعية، لتصلح كفة الميزان، وتجسّر الفروق بين الطبقات، وهي بالنسبة لها أهم من القضية الوطنية آنذاك في الجامعة "ماكانش هاممني القضية الوطنية، قد ماهاممني قضية الفروق بين الطبقات. كنا عايشين في بيت جميل قوي في حلمية الزيتون، وحوالينا ناس فقرا، وكنا بنيجي مرة في الأسبوع عند جدي وجدتي في الزمالك، ونشوف الأبهة. فكرة الفروق ين الطبقات وجعتني وده دخلني في وعي اجتماعي، مش وعي وطني".

"الفوارق الطبقية خلت عندي فكرة القضية، وعشان كده الفكرة الشيوعية فكرة شخصية، بمعنى إنها هتلغي الفروق بين الطبقات، الفروق دي كانت بتوجعني أوي ولحد دلوقتي بتوجعني".

"كنت بهتم بالدراسة وهما (زميلاتي) بيهتموا باللبس. كنت بلبس نضارة. كانت بتوحَّش البنت. كنت متمسكة بنضارتي، وبلبسي العادي، وأنا صغيرة (كان) عندي قصر نظر، وأمي مش مصدقاني".

"أنا ماكنتش بقول إن جدي إسماعيل صدقي، أنا كنت مكسوفة منه. قسم الفرنساوي كان كله أرستقراطية، كانوا بيفرقوا بيني وبين ليلى الفار، كانت بتيجي بعربية شيك أوي، ماكانش عندها البساطة بتاعتي. دايمًا كنت عايزه أمحي إني مختلفة".

ربما تبنيها الماركسية قائم أساسًا، بالنسبة لحالتها، على سخاء نفسي، وسخاء مادي، معًا، حتى ولو تركته خلفها، ليضمنا لها ممارسة نزيهة، لا يقف وراءها إلا الفكرة، ولا يقف وراء الفكرة إلا هذا السخاء النفسي، أو المادي، ليجعل الفكرة والإيمان خالصين، أو على الأقل، متخلصين من أحاسيس معطلة تنحرف بمسارهما بعيدًا. لقد أخلت من طريقها، كل مفاجآت المستقبل لتحولات الفكرة، أو قطعت طريق العودة، بعد أن وهبت نفسها بهذه القوة للفكرة، نفسيًا وماديًا. وربما هو السبب في أن الطريق الذي سلكته كان ذا اتجاه واحد، بلا عودة، وهو سبب نجاحها، فالتراجع، في حالتها، وفي تلك المرحلة، يمثل نكوصًا ونقضًا للإيمان.

أكثر ما أدهشني في حواري معها، أنها بعد الحديث عن أشياء كثيرة، ومنها طرق الحب في جامعة الخمسينيات، التي كانت جزءًا أساسيًا في هذا التحقيق الأدبي الذي أجريته مع عدد من أجيال جامعية مختلفة، منهم صافيناز كاظم، علاء الديب، وصلاح عيسى، ومحمد المخزنجي وغيرهم، وقاربنا على ختام الحديث، تذكرتْ مرة واحدة أنها تزوجت، في السنة الثانية، أو الثالثة لا تتذكر، كان عندها وقتها 18 سنة، وطلقت بعدها بسنة. تحكي قصة حبها ورفض عائلتها لهذا الزواج ولهذا الحب"أنا اتجوزت كنوع من التحدي. أبويا وأمي ماكانوش راضيين، وفي الآخر فضَّلوا إني أتجوز بدل ما أخرج معاه، كان عندي 18 سنة، أنا عملت نقلة طبقية من أياميها، فضلت عليها ماتغيرتش، كانت النقلة دي لازم تحصل، مش دايمًا سهلة، لأني أحيانا بلاقي نفسي مابتأقلمش أوي، رغم المجهود اللي بعمله، ولا بتأقلم حتى مع طبقتي".

هذا التأقلم الذي كانت تبحث عنه مع الطبقات الأخرى، سيتاح له النجاح بعدها سنة 1981 عندما تتزوج من الدكتور سيد البحراوي.

"الشيء الغريب، إن جوازتي دي مالهاش أي علاقة بوجودي في الجامعة. الحقيقة لو أهلي ماتدخلوش، كنت عرفت الفروق، وانفصلنا بدل ما نتجوز ونطلّق. تدخلهم خلاني أصر عليه. قالو لي يا إما تسبيه يا تتجوزيه، ماعندناش بنات تعيش مع واحد. جوازي في السن دي، مش حركة قوية مني، قد ما أهلي أجبروني. كان التحدي الأساسي بالنسبة لي إني أتجوز حد من طبقة تانية". وتعقِّب "جيلنا كان رومانسي".

عندما تقول "نقلة طبقية"، تأتي لي صورة شخص يغير دمه كله. بسبب هذه "النقلة الطبقية"، التي تحدث مرة واحدة، وفي اتجاه واحد، هي التي أكسبتها بريقًا لا يخفت أينما حلت، كان يُحتفى بها بأثر رجعي، وتتجدد اللحظة القديمة وتدخل جلد اللحظة الجديدة، فتبث فيها، بوجودها، أملًا ما، أو حرارة ما، حتى وفاتها.


اقرأ أيضًا: حكاية أمينة رشيد: أو مغامرة الاختيار الحر

 


تمرد هادئ

نموذج مبهر، تزوجت في الثامنة عشر من زميل لها، من طبقة أقل بكثير من طبقتها، لأنها، في هذه السن المبكرة آمنت بالمساواة بين الطبقات، وأيضًا تزوجت عند سفرها لفرنسا لنيل الدكتوراه في باريس، وأنجبت ابنًا، تركته مع والده، الذي انفصلت عنه، حضور هذا الابن كان شاهدًا حيًا على صدق حياتها وتجربتها، وبمثابة جسر زمني تربط فيه بين الماضي والمستقبل معًا حتى وفاتها، وعادت لمصر لتكمل رسالة أمومتها الهادئة في مكان آخر، مع تلامذتها وأحبائها، ومدافعة عن مبادئ الجامعة، وحقوقها، وحقوق أستاذتها. ثم وافقت على الزواج، من شاب يصغرها بخمس عشرة سنة، ويطلق على نفسه لقب "الفلاح الهمجي". أي نوع من التمرد الهادئ هذا، الذي يتوجه مباشرة لصلب الحياة اليومية. هذا "الآخر" الأقل الذي تدافع عنه، وتستميت من أجله، كي يكون متساويًا معها، هو أيضًا "آخر" داخلها، هذا الجزء الضعيف من الذات الذي تحاول أن تنقذه، أو تجعله يتساوى مع وعيها، وإيمانها، وحلمها عن الحياة.

تمرد هادئ، أو نار باردة، كما عبر هنري ميللر عن تمرد رامبو، في زمن القتلة في الجزء الثاني من حياته. ربما أعني أكثر هذا الوجود المعجون بالتمرد، وقوة تشربه وإيمانه به. ليس التمرد بالنسبة لها انفصالًا عن اليومي والمُعاش، حتى وهو يأخذ شكل دعابة عندما ذكرت صافي ناز كاظم، التي زاملت أمينة رشيد في معتقل القناطر عام 81، في فيلم أربع سيدات من مصر، أن أمينة عند دخولها المعتقل قالت "أنا نفسي أمر بالتجربة دي، بس مش كتير". تقصد بالطبع تجربة السجن. ولكن هذه النفس ستتأقلم على السجن، لأنها سمحت وفتحت هذه المساحة من التقبل، قبل أن تدخل السجن، لأنها نزعت من داخلها أي كبرياء زائف، أو ذاتية زائفة، أو ملكية مُعطِلة، فتخلت عن ميراثها في بيت الزمالك. تحولت كل ممارساتها إلى إيمانٍ صافٍ؛ حتى ولو كان به العديد من الأخطاء، فالإيمان الحقيقي لا يخلو من الشك والأخطاء، وتحولت حياتها كلها إلى ساحة حرب هادئة.

الطريق ذو الاتجاه الواحد، أصبح مزدوجًا، له خط عودة، ليس في الحياة، ولكن عند الموت، بعودة جسدها إلى مقبرة جدها لأمها إسماعيل صدقي باشا، حيث تركت العائلة قديمًا، ولكن عادت إليها مرة أخرى، لتكمل الجزء الناقص من هذا الطريق.