دفاتر صيدلية.. مرحبا بك في التكليف الحكومي

علينا أن نقوم بهذه الرحلة عشرات المرات في اليوم الواحد. وفي اليوم الذي يزداد فيه عدد المرضى بشكل أكبر من المعتاد، تصير الفوضى هي الحاكمة، وقد تتسبب تلك الضغوط في وقوع خطأ قاتل من الصيدلاني، فيضرّ بالمريض من حيث أراد ان ينفعه.

بداية روتينية لليوم، ككل يوم، أصل إلى الإدارة الصحية بمحافظة ... حيث أعمل، أسجل إمضائي بدفتر الحضور الذي سأعود له في نهاية اليوم لأسجل موعد الانصراف، وأسجل مع الإمضاء نظرة استعطاف للمسؤول عن الدفتر، ليتجاوز عن تأخري لخمس دقائق عن الموعد الرسمي للعمل، مصحوبة بوعد "مش هتتكرر تاني".

أفتح صيدلية الوحدة وأنا أردد دعاء بدء العمل ونفاذ الصبر "يا فتاح يا عليم ، صبحنا وصبح الملك لله". وأجلس في انتظار وصول زميلاتي واحدة تلو الأخرى، وأرقب مرورهن بذات الخطوات التي مررت بها عقب وصولي، ليبدأ يوم طويل من صرف الأدوية للوحدات الصحية الأخرى التي تتعامل مع الجمهور مباشرة.

لا يعرف الكثيرون أن خريجي كليات الصيدلة يمرون بفترة تكليف حكومية عقب إنتهاء دراستهم، مماثلة لفترة النيابة التي يلتزم بها خريجو الطب، كشرط يتمكنوا بعده من مزاولة المهنة.

الإجراءات الروتينية جعلت الصدارة للدفتر الذي قد يذهب خط غير واضح أو مشطوب فيه -أو حتى مجرد تأخير في التسجيل فيه- بالصيدلي إلى غياهب السجن. لم تعد الأولوية للمريض ومصلحته بل الأولوية كل الأولوية للدفتر.

فبمجرد تخرج الصيدلاني في كليته، تنقسم الدفعة حسب الجنس، فيتوجه الذكور للتعرف على موقفهم من الخدمة العسكرية، وقد يقضون فترة التكليف في إحدى الوحدات العسكرية ضمن خدمتهم العسكرية الإلزامية. أما الإناث فيخضعن فورًا للقانون رقم 29 لسنة 1974 المعروف باسم قانون التكليف، وقرار وزير الصحة رقم 38 لسنة 2008 الذي يجعل مدة التكليف عامين، ويخضع له أيضًا الصيادلة الذكور ممن لم يلتحقوا لأي سبب بالخدمة العسكرية.

لعامين كاملين "إلا إن جاء الإعفاء من التكليف بقرار من الوزير بعد مرور عام كامل"، يلتزم الصيادلة المكلفون بالدفاتر: دفاتر الحضور والإنصراف، دفاتر تسجيل المنصرف من الأدوية.

خزينة مستشفى المحلة العام  - الشرقية توداي

المريض خارج الحسابات

اللافت أن كل تلك الإجراءات البيروقراطية لا تلتفت لأي شيء يتعلق بتعامل الصيدلاني مع صحة المرضى، ولا مدى فاعلية الأدوية التي نحصل عليها عن طريق مناقصات وزارة الصحة، والتي تعتمد في الأساس على شراء أرخص عرض من شركات الأدوية، دون اهتمام بفاعلية الدواء ونجاحة في شفاء المرضى.

اقرأ أيضًا: لتحسين الرعاية الصحية في مصر.. فتِّش عن الأموال

ليس للصيدلي دخل بهذه المسألة برمتها، هو مجرد "صرّاف". فالوزارة تطرح كراسة الشروط والمواصفات لشركات الأدوية، ثم تختار الشركة التي تُصنِّع ذلك الدواء بنفس الموصفات التي تحتاجها بأقل سعر، فتلجأ الشركات لتصنيع أدوية تحوي مادة فعالة أقل كمًا وجودة، من ذات المادة الفعالة الموجودة في الدواء الأعلى سعرًا المتوفر في الصيدليات الخاصة. بل وأحيانًا لا تتوفر الأدوية المطلوبة على الإطلاق، أو تتوفر بشكل لا يناسب المريض فنجده يردد الجملة الغريبة التي نكرهها: "هو دا البديل يا دكتورة".

فمثلا تحتاج الوحدات إلى الأقراص الصفراء من (الحديد+ حمض الفوليك) الخاصة بالحوامل، فتقول لنا مديرية الصحة بأنها لم تدخل في مناقصة هذا العام لتوريده "خذوا أقراص الحديد منفصلة عن أقراص حمض الفوليك"، ومن ثم نصرف شريط حديد ومعه شريط حمض الفوليك للحامل. وهذا لا يعجبها، لأن قرص الحديد هذا لونه أبيض، وهم ما لم تعتد الحصول عليه، فتتشكك في الصيدلي.

دفاتر.. دفاتر

هذه باختصار مهام عملي كصيدلانية حكومية تعمل في الإدارة الصحية: أقوم بصرف الأدوية للوحدات الصحية التابعة للإدارة، كي يقوموا بدورهم بصرفها للمرضى داخل الوحدات. ثم أسجل ما صرفته من أدوية بالكمية والنوع في دفتر خاص. حقًا أني لا أتعامل مباشرة مع المرضى بعكس زملائي ممن يعملون في الوحدات الصحية؛ لكنى مثلهم أقوم بالتسجيل في الدفاتر لما قد صرف، بل ربما أنا أول من يحاسب إذا حدث تقصير في كميات الأدوية في الوحدات. ويضاف إلى مهام عملي المهمة الأعظم: أن أتحسب لوصول التفتيش الصيدلي.

في يوم من الأيام أتى إلينا التفتيش الصيدلي الذي يشرف على مهام عملنا، بدأ ينظر إلى الصيدلية من حيث الترتيب وتعليق الكروت التي تُعرِّف اسم الدواء وماهية مادته الفعالة وصلاحيته ورقم التشغيل الخاصة به، ثم بدأوا في فحص "بعبع الصيادلة الحكوميين": التسجيل في الدفاتر.

دفتر للمنصرف من الأدوية الحكومية 

الدفاتر الخاصة بالصيادلة الحكوميين هي دفاتر عهدة مالية. أي أن جميع الأدوية الموجودة في الصيدلية الحكومية هي عهدة مالية تقدر قيمتها مع نهاية كل عام مالي، كما يحدث في المخازن الحكومية. ويقوم الصيدلي بتسجيل جميع ما صرف من كميات الأدوية، سواء كانت تلك الأدوية مصروفة للوحدات الصحية -كما في صيدليات الإدارات الصحية التي أعمل في واحدة منها-، أو ما تم صرفه شهريا للمرضى، كما في صيدليات الوحدات الصحية والمستشفيات.

ومع انتهاء الشهر، يتعين على الصيدلي أن يقوم بجرد محتويات الصيدلية ليعرف ما إذا كان هناك عجز أو زيادة في كميات الأدوية الموجودة بداخلها، وإن كانت هناك أدوية يقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها، أو قد انتهت صلاحيتها بالفعل.

المشكلة في تلك الدفاتر أنها دفاتر مالية، المسارعة لإصلاح أخطاء السهو أو الإرهاق فيها غير واردة، فلا يجب أن يحدث بداخلها كشط أو شطب، وإلا سيتم تحويلي إلى النيابة العامة بتهمه التلاعب بالأرصدة. كما يتعين عليّ تسجيل ما تم صرفه يوميا بمجرد القيام بالصرف. ولا مساحة هنا للتعامل مع ضغوط العمل وضيق الوقت.

داخل الصيدلية الحكومية- لقطة من مسلسل "عايزة أتجوز" 

في كل يوم عمل أدور في الوحدة بين شباك الصرف والدفتر، يتصادم جسدي مع أجساد زميلاتي ونحن نقوم مرارًا بتلك الرحلة المرهقة، في المساحة المحدودة لصيدلية الوحدة: في الشباك أتسلم الروشتة أسارع للأرفف لأجمع الأدوية، أعود للشباك لصرفها، واستمهل المريض ريثما أسجل الأدوية المنصرفة وكمياتها في الدفتر، قبل أن أعيد له الروشتة لأتسلم غيرها من مريض جديد.

علينا أن نقوم بهذه الرحلة عشرات المرات في اليوم الواحد حتى انتهاء ساعات العمل. وفي اليوم الذي يزداد فيه ضغط العمل ويزيد عدد المرضى بشكل أكبر من المعتاد، تصير الفوضى هي الحاكمة داخل جدران الوحدة، وقد تتسبب تلك الفوضى والضغوط في وقوع خطأ قاتل من الصيدلاني في قراءة الروشتة وصرف الدواء، فيضر بالمريض من حيث أراد ان ينفعه. فالإجراءات الروتينية جعلت الصدارة للدفتر الذي قد يذهب خط غير واضح أو مشطوب فيه -أو حتى مجرد تأخير في التسجيل فيه- بالصيدلي إلى غياهب السجن. لم تعد الأولوية للمريض ومصلحته؛ بل الأولوية كل الأولوية للدفتر.

ربما يكون الحل في أن تستقطع وزارة الصحة للصيدلي يوما في نهاية الأسبوع و تسميه "فرصة تسجيل المنصرف داخل الدفاتر"، بحيث يتم تسجيل كل ما تم صرفه أسبوعيًا وليس يوميًا، ما قد يسهل على الصيدلي الجرد والصرف. فالجرد الأسبوعي سيكون أسهل من الجرد اليومي.

حينها ستقل نسبة الخطأ الواردة وسط فوضى تنزيل الأدوية عن الأرفف وصرفها للمرضى. ربما إن رفعنا عن عاتق صيدلي الوحدة الحكومية عبء التسجيل الدفتري اليومي، سيعود المريض ودواءه لصدراة ذهن واهتمام الصيدلي، الذي يضطر للانتظار بعد مواعيد العمل الرسمية لاستكمال التسجيل الذي لم يمهله المرضى لإتمامه طوال النهار، دون مراعاة لاحتياج الصيدلي للاهتمام بعائلته أو بيته.

الغريب أن أدراج وزارة الصحة تحوي القرار رقم 496 لسنه 2012، الخاص بتسليم العهدة لأمين مخزن يقوم بالتسجيل في دفاتر العهدة المالية، بديلا عن الصيدلي بكل المنشآت الصحية التابعة للوزارة، ما يخفف هذا العبء عن الصيدلي. لكن هذا القرار يرقد في الأدراج غير مُفَعَّل، رغم الاحتياج الشديد إليه.

فمهام أمين المخزن الحالية تتلخص في جلب جميع الدفاتر الخاصة بالوحدة، وصرف المهمات من سرنجات أو مكاتب وغيرها من المخازن، ويسجل كل هذا في دفاتر عهدة مالية مثل الصيدلي، مع اختلاف أن العهدة التي يتولاها أمين المخزن منها ما هو دائم وما هو مستهلك.

في تفعيل هذا القرار حل لأزمة 20 ألف صيدلي حكومي -طبقا لإحصاء عام 2014-، يعملون داخل المنشآت الصحية الموجودة في جميع محافظات الجمهورية. فتسليم دفاتر العهدة المالية لأمين المخزن يجعل الصيدلي متفرغا للمهام المهنية الخاصة به من صرف وشرح وجرد الأدوية الخاصة بالصيدلية الحكومية، ويمنح للمريض ما يستحقه من اهتمام.