العمال المنقبون عن الآثار بمنطقة المطرية- صورة خاصة بالمنصة

المنقبون عن الأثار .. مدعوون إلى "الحفر" ومنسيون في "الحفل"

على عكس زميله فرعون الحريص على توريث حرفته لأحد أبنائه يهتم سعيد بتوفير التعليم لبناته رافضًا الانجراف وراء ما يشيع في صعيد مصر من عدم اهتمام بتعليم البنات.

أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقدته وزارة الأثار للإعلان عن اكتشاف تمثال بسماتيك الأول بالمطرية، دارت الكاميرا بين وجوه حضور كبير من المصريين والأجانب، اجتمعوا في الساحة الرئيسية للمتحف المصري بميدان التحرير التي امتلأت بالشخصيات الهامة وسفراء عدد من الدول الأوروبية، على رأسهم سفير ألمانيا الاتحادية -التي قادت البعثة الكشفية-. ودوى عزف أحد مارشات أوبرا عايدة بينما يطل وزير الأثار فخورًا ليعلن على الحضور وقائع الكشف الأثري المهم بمنطقة المطرية.

وبينما تنقل الشاشات وقائع المؤتمر، جلس عبد الفتاح علي -56 عامًا- أو "الفرعون" كما يلقبه زملاؤه، على إحدى صخور منطقة الآثار بالمطرية، أكبر أحياء شمال العاصمة، محتفلاً على طريقته بالكشف الذي شارك فيه عمالٌ آخرون أتى بعضهم من صعيد مصر، ليمارسوا المهنة التي ورثها بعضهم في التنقيب عن الأثار، في صحبة البعثات الكشفية المصرية الأجنبية المشتركة.

عمال التنقيب بالمطرية ينقلون أحد المكتشفات الأثرية

كان عبد الفتاح، كبير العمال المشاركين في التنقيب عن الكشف الأثري، عالمًا بكم التعليقات الساخرة التي انهالت عليه وزملائه من بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات، لكونهم يرتدون الجلباب التقليدي "ولا يفقهون شيئًا عن قيمة الأثار وطرق التعامل معها" حسب تلك التعليقات.

فرعون

جاء من محافظة قنا بصعيد مصر، ليعمل بمنطقة المطرية منذ نحو 5 سنوات. يستمر عمله في التنقيب أحيانًا لثلاثة أشهر متواصلة، ينقطع فيها عن أسرته مقيمًا في مناطق عمله كمنقب عن الأثار.

يقص عبد الفتاح أن طبيعة عمله في التنقيب تأتي "حسب الظروف". البعثات الكشفية التي يعمل بصحبتها هو وزملاؤه تنقب استنادًا لبعض القرائن، وقد لا ينتهي عملهم لاكتشاف أية أثار مخبأة، لكنهم يداومون على التنقيب على كل حال، أملاً في العثور على خبيئة حضارية ما.

يبدأ التنقيب بأدوات بسيطة، وعادة ما ينتهي العمل دون تعقيد، إلا أن التمثال الأخير استغرق وقتًا طويلاً، بسبب المياه الجوفية التي يرتفع منسوبها كلما واصلوا الحفر.

«الفأس والفرشة والقادوم والمسطرين» هي أدوات المنقبين الرئيسة في العمل. وينفي عبد الفتاح ما قيل عن كون الرافعة الآلية قد تسببت في كسر التمثال، مؤكدًا أنه "على حاله هذا منذ مئات السنين". لافتًا إلى أنه وزملاءه المنقبين يستخرجون العظام كاملة سليمة دون أي خدوش، "ما بالك بتماثيل صخرية؟!"

يعمل عبد الفتاح في تلك المهنة منذ كان عمره 9 سنوات. قضى عمره بين المواقع الأثرية، وتعتمد البعثات الكشفية على قوته العضلية قبل دخول أي معدات أو رافعات.

ورث "فرعون" مهنته عن أجداده ويحرص على تعليمها لابنه الذي يلازمه منذ 8 سنوات. ويؤكد أن حرفتهم الموروثة يأتي لها طلاب الأثار المختصون لدرساتها وتدوين قواعدها لصياغتها أكاديميا. أما السخرية منهم على شبكات التواصل فجاءت "عن جهل من قائليها"، فهو وزملاؤه مارسوا عملهم المعتاد بقواعده المستقرة.


سعيد

على الجهة الأخرى، استلقى سعيد (45 عامًا) على الأرض بجسده، بعد 4 أيام قضاها دون نوم في حراسة موقع التنقيب، عقب الاكتشاف واستخراج رأس التمثال. تناوب هو وزملائه على حراسة المكان حتى جاء الوزير واستخرجوا باقي التمثال، ونقلوه إلى المتحف المصري.

حينما تُستخرج التصاريح، يحدد رئيس البعثة عدد الأفراد الذين يحتاجهم في الحفر. تُقسَّم الأرض إلى مربعات محددة، يجري التنقيب فيها واحدًا تلو الآخر. وعند العثور على قطع أثرية يبدأ كل منهم في استخراجها حسب تخصصه. فهناك من تخصص في التنقيب عن الفخار، أو التماثيل، أو الأحجار، وغيرها.

4 أولاد ينتظرون "سعيد" كل بضعة أشهر حتى يعود إليهم في قنا بعد رحلة التنقيب والبحث عن الآثار. وعلى عكس زميله فرعون الحريص على توريث حرفته لأحد أبنائه يهتم سعيد بتوفير التعليم لبناته رافضًا الانجراف وراء ما يشيع في صعيد مصر من عدم اهتمام بتعليم البنات.


عبيد

عبيد عطا (34 عامًا) يقول إنهم اكتشفوا رأس تمثال صغير منذ 10 أيام وسلموها لمتحف المسلة. ومع مواصلة التنقيب عثروا على أجزاء أخرى من التمثال: قطعة من رأسه وذراعه ووجهه غير كاملٍ. مشيرًا إلى أن غمر المياه الجوفية في تلك المنطقة لا ينقطع أثناء عملهم، وتصعِّب من مهمتهم في التنقيب واستخراج الأثار.

يتجول عبيد بين المحافظات المختلفة للتنقيب عن الآثار، يأتي كل عام للقاهرة عسى أن يسهم في اكتشاف مهم في أرض المطرية الغنية بالأثار.

وصرح وزير الآثار، خالد العناني، الخميس، في أعقاب وقائع المؤتمر الصحفي بميدان التحرير عن مفاجأة كبرى بخصوص انتشال الجزء الثاني من التمثال، الذي عُثر عليه بسوق الخميس بمنطقة المطرية، قائلا: "بعد أعمال التنقيب ورفع قطع التمثال الأثرية إلى سطح الأرض، اكتشف أعضاء البعثة ومفتشي الآثار وجود 4 لوحات هيروغليفية على جزء من التمثال الضخم، فضلاً عن رموز وعلامات معينة تشير إلى كلمة (نب رع) أي الملك صاحب الذراع القوي، وهو أحد ألقاب الملك بسماتيك الأول المنتمي للأسرة السادسة والعشرين الفرعونية، والذي حكم مصر لمدة أكثر من 54 عاما، ومؤسس عصر النهضة. وهو ما ينفي ما أثير من شائعات عن أن صاحب التمثال هو الملك رمسيس الثاني".