خطة "السعودية 2030" تُرّبك حسابات المصريين

"صعب أتجوز وأجازتي شهر كل سنتين، ومش هقبل أعيش حياتي عازب بعيد عن أسرتي وزوجتي".

كان المُحاسب الشاب محمد مصباح، يُخطط للارتباط أواخر هذا العام، خلال إجازة يعود فيها للقاهرة من السعودية، حيث يعمل في إحدى شركات المقاولات، لكن بحلول شهر يوليو/ تموز الجاري فسدت الخطة، متأثرة بإجراءات مالية أعلنتها المملكة.

بدأت السعودية، منذ مطلع يوليو الجاري، تطبيق نظام الرسوم الشهرية على المرافقين للعمالة الأجنبية المقيمة بالمملكة، ضمن حزمة إجراءات اقتصادية يتبناها ولي العهد محمد بن سلمان مُنذ عام 2016، تحت مُسمّى رؤية المملكة "السعودية 2030".

"حسبة برما"

من شأن الرسوم السعودية الجديدة، أن تُدخل العمالة الأجنبية- المُنتمية عادة لدول فقيرة أو نامية- في "حسبة برما"، خاصة وأن قيمتها تصاعدية، تبدأ بـ100 ريال شهريًا عن كُل مُرافق عام 2017، بإجمالي 1200 ريال سنويًا للمرافق الواحد.

على أن ترتفع قيمة الرسوم، بمطلع يوليو من كل عام حتى 2020 -وفقًا للخطة- لتبلغ قيمتها 200 ريال شهريًا عام 2018 عن كل مرافق، ثم 300 ريال شهريًا في 2019، لتصل إلى 400 ريال شهريًا عن كل مُرافق عام 2020، بإجمالي 4800 ريال سنويًا للمُرافق الواحد، لتُحَصّل المملكة بفضل هذه الرسوم، حوالي 20 مليار ريال في 3 سنوات.

المحاسب الشاب محمد مصباح، انتقل للعمل في السعودية عام 2015، آماله في الاستقرار في السعودية بعد الزواج من فتاة مصرية ضربتها خطة المملكة المستقبلية، يقول مصباح: "الأزمة مش رسوم فقط، التراجع الكبير في أسعار البترول أثر على المملكة؛ والزيادة في الرسوم بيقابلها ركود كبير في سوق العمل؛ وده أثر بالسلب على قراراتي الشخصية كمغترب. يعني أنا كنت مقرر النزول في نهاية العام للخطوبة، لكن اللي حصل أثر على قرار الجواز".

لم يحتاج "مصباح"، البالغ من العمر 25 عامًا، إلى وقت طويل كي يحسب التكلفة والتداعيات: "كمغترب، أصبح إيجاد فرصة عمل أفضل في منتهى الصعوبة، علمًا بأن متوسط الرواتب الآن 3000 ريال تقريبا. فعلى المستوى الشخصي أصبح اﻷمر غير مُجدي ماديًا". بحسب مصباح، يدفع المصريون ما يقرب من 15 ألف ريال سعودي (75 ألف جنيه مصري) مقابل السفر والإقامة "والمحظوظ ممكن يقبض 3000 ريال" في مواجهة غلاء المعيشة في السعودية عقب أزمة انخفاض أسعار البترول.

يأتى قرار فرض الرسوم، بعد عام تعرضت فيه شركات سعودية كُبرى، من بينها "بن لادن" و"سعودي أوجيه" للمقاولات، لأزمات سيولة بالفعل، جرّاء خفض مخصصاتها من الحُكومة، بسبب انخفاض إيرادات الدولة من النفط؛ ما اضطُر تلك الشركات إلى التوقف عن سداد مستحقات موظفيها أو تأخيرها لأشهر.

"لا يُمكن تقدير البلاء قبل وقوعه. الخطط موضوعة، لكن مفيش عودة. عندنا مليون و800 ألف [عامل] في السعودية، ومفيش حد راجع"

المتحدث باسم وزارة القوى العاملة المصرية

والآن، لن يتأثر بالسياسات السعودية شركات المملكة أو مواطنيها فقط، بل حوالي 12 مليون و185 ألف و284 آخرين، هم تعداد المقيمين الأجانب وفقًا لتقديرات هيئة الإحصاء السعودية، في تقريرها نصف السنوي لعام 2017.

علم "مصباح" أنه سيتضرر لا محالة من الرسوم، إذا ما أصبح ربّ أسرة، سواء كانت تلك الأسرة في القاهرة أو الرياض: "استقدام الزوجة مُستحيل ﻷن تكلفتها باهظة. ورسوم الزيارة اللي كانت مجانا تقريبًا، بقت 2000 ريال للفرد الواحد، بخلاف تذاكر الطيران والمعيشة والسكن. صعب أتجوز وأجازتي شهر كل سنتين، ومش هقبل أعيش حياتي عازب بعيد عن أسرتي وزوجتي".

مُفترق الطرق

ما يتوجس منه المُحاسب الشاب يختبره الآن مصريون آخرون، منهم محمد مختار، الذي يعمل في السعودية كمندوب للمبيعات، وصار يبحث الآن عن فرصة للعمل في أي بلد آخر، لاسيما وأن ما طاله من ضرر لم يكن بسبب الرسوم فقط، فـ"السعودة" كان لها نصيب.

بدأت السعودية، في مارس/ آذار 2016، تطبيق قرار قصر العمل في مهنتي بيع وصيانة أجهزة الجوالات وملحقاتها، على السعوديين فقط، لتوفير من 15 إلى 20 ألف وظيفة للمواطنين، فيما عُرف بـ"سعودة" أو "توطين" قطاع الاتصالات.

وباعتبار "مُختار" واحدًا من الأجانب العاملين في هذا القطاع؛ فقد تم إبعاده من عمله في أحد المراكز الخاصة بصيانة وبيع الهواتف المحمولة، وإلا تعرّض المالك السعودي لعقوبات، توعدت بها وزارة التجارة والصناعة السعودية مَن "يتستر" على أجنبي في هذا الشأن.

والآن تزيد رسوم المُرافق من موقف "مختار" تعقيدًا، فهو أب لطفلتين يقضي معهما في مصر 21 يومًا في السنة، هي مُدة إجازته، ومع ارتفاع كافة الرسوم تقريبًا، صار صعبًا عليه أن يستقدمهما وزوجته ولو للزيارة، كما فعل لمرّات ثلاث من قبل، حاول خلالها تقديم طلب إقامة لهن، لم يعد التفكير فيه الآن واردًا "الزيارة بتأشيرة، ودي ارتفع سعرها، واﻹقامة يعني قرار الرسوم، وهتكلفني في أول سنة بس 3600 ريال، ده غير مُستلزمات المعيشة".

"الناس بتدفع فلوس (للسفر) لأنها يئست من الوضع في مصر. إحنا ماهربناش من البلد طمعانين في فلوس أو بايعينها. أنا مش راجع، بس مكمل دي؟ الله أعلم"

"مختار"- مصري يعمل في السعودية

يعيش في المملكة حوالي 1.1 مليون أسرة أجنبية، تضم 11.7 مليون شخصًا، مُقسّمين إلى 7.4 مليون عامل و4.3 مليون مُرافق، وفقًا لما ذكرره البنك السعودي الفرنسي في تقرير، توقع خلاله أن يغادر المملكة منهم حوالي 670 ألف شخصًا، بدءً من تطبيق رسوم المرافقين، وحتى عام 2020.

وستفرض المملكة وفقًا لخطة 2030، اعتبارًا من عام 2018 وحتى 2020، رسومًا تصاعدية على كلاً من العمالة الأجنبية المساوية والفائضة عن العمالة السعودية.

جدول يوضّح الرسوم السعودية الجديدة وتواريخ تطبيقها

ويُشكّل المصريون رُبع العمالة الأجنبية الموجودة في المملكة تقريبًا، بواقع 2 مليون شخص تقريبًا، وفقًا لتقديرات وزارة القوى العاملة والهجرة المصرية، في منتصف عام 2016.

ولم تعلن الوزارة عن خطط لاحتواء أزمة قد يسببها عودة جزء من العمالة، جرّاء هذه الرسوم المتوالية، وبسؤال المتحدث الرسمي باسمها هيثم سعد، قال لـ"المنصّة"، إن الرسوم السعودية "لم تُطبّق بعدّ"، مُضيفًا "لايُمكن تقدير البلاء قبل وقوعه، فنحن قطعنا علاقاتنا مع قطر وعندنا 312 ألف واحد هناك، ومفيش حد رجع، فمنقدّرش حاجة قبل وقوعها. هي الخطط موضوعة، لكن مفيش عودة. عندنا مليون و800 ألف في السعودية، ومفيش حد راجع".

حسم "مختار" أمره بالرحيل في أقرب فرصة، أما "مصباح" فهو غير متأكد إلا من أمر واحد فقط، أنه لن يعود إلى مصر: "طبعا لأ، الناس بتدفع فلوس (للسفر) لأنها يئست من الوضع في مصر. إحنا ماهربناش من البلد طمعانين في فلوس أو بايعينها. أنا مش راجع، بس مكمل دي؟ الله أعلم".