"خليك في العسكر".. الأزهر لا يعرف تونس

لا تمتد سلطة الأزهر إلى تونس، التي لا تمنح مؤسساتها الدينية ما للأزهر من سلطات للتدخل في الشؤون غير الدينية.

"يالأزهر خليك في العسكر".. هاشتاج أطلقته تونسيات وتونسيون، ردًا على رأي الأزهر الرافض لتعديلات قانونية تشهدها بلادهم، وحفل بآلاف التدوينات، التي حولته إلى ما يُشبه حملة إلكترونية، انطلقت منذ أمس الثلاثاء دون توقُّف حتى نشر التقرير.

بدأ الجدال بين الأزهر والتونسيين، حين أبدى ديوان الإفتاء التونسي (دار الإفتاء الرسمية)، مباركته وتأييده لما أعلنه الرئيس الباجي قائد السبسي خلال مشاركته في الاحتفال بعيد المرأة التونسية يوم 13 أغسطس/ آب الجاري، بأنه سيعمل على إيجاد صيغة قانونية تساوي بين المرأة والرجل في الميراث، وأنه طلب من الحكومة إلغاء منشور يمنع زواج التونسيات المسلمات من غير المسلمين.

وشكر الديوان رئيس الجمهورية، وقال في بيان إن هذه الخطوات التي تعتزم تونس اتخاذها تُمثل "تدعيمًا لمكانة المرأة، وضمانًا وتفعيلًا لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات".

اقرأ أيضًا: الإجابة تونس.. تشريعات وقرارات تساوي نساء "الخضراء" برجالها

وكيل الأزهر يهاجم "التبديد"

وما كاد موقف ديوان الإفتاء التونسي أن يُعلن، حتى قابله الأزهر في مصر بالرفض، وذلك عبر وكيل المشيخة عباس شومان، الذي تناقلت وسائل إعلام عديدة بيان أصدره، أمس الثلاثاء، تحت عنوان "تبديد لا تجديد"، قال فيه إن دعوات التسوية بين الرجل والمرأة في الميراث "تظلم المرأة ولا تنصفها، وتتصادم مع أحكام شريعة الإسلام".

وأكد البيان المنشور في الصفحة الرسمية لمكتب وكيل الأزهر، على فيسبوك، أن المواريث "مُقسمة بآيات قطعية الدلالة، لا تحتمل الاجتهاد ولا تتغير بتغيير الأحوال والزمان والمكان".


ولم ينس وكيل الأزهر أن يتحدث عن دعوات إباحة زواج المسلمة من غير المسلم، قائلًا إنه "ليست في مصلحة المرأة كما يظن أصحابها".

ولم تكتف صفحة وكيل الأزهر بالبيان، بل أعادت أمس نشر مقال سابق لـ"شومان"، يتحدث فيه عن مشروعية زواج المسلمة من غير المسلم.

"خليك في العسكر"

ومنذ توقيت نشر البيان الأزهري، انتشرت الردود التونسية الرافضة له، حاسمة وبعضها كان حادًا، سواء من شخصيات عامة أو أحزاب سياسية، أو مواطنين عبر فيسبوك وتويتر بهاشتاج "ياﻷزهر خليك في العسكر"، والذي يحمل إشارة إلى علاقة التأييد والوئام بين المؤسسة الدينية والنظام السياسي المصري، الذي يوصف من عدة دول وجهات دولية بـ"العسكري".

وكان حزب الرئيس السبسي، حركة نداء تونس، في طليعة المبادرين للرد على حديث وكيل الأزهر، إذ أعلن أحد قيادييه برهان بسيس أن الخطوات التي تعتزم بلاده اتخاذها "شأن داخلي، لا يحق ﻷحد التدخل فيها".

وكان الردّ من القيادي في الجهة نفسها، رجل الأعمال سمير عبدلي، أكثر حدّة، إذ قال في صفحته الرسمية على فيسبوك "ليس للأزهر، وعلمائه ومناهجه، وكتب الفقه فيه، التي تبيح أكل لحوم البشر والمرأة والصبيّ، دون شيّها، وتجيز للإنسان قطع جزء من جسده وأكله إذا اضطرّ، ان تلقّن تونس درسًا في آليّات تطوير الأحكام الشرعية والمجتمعية".


لاقت المناهج التي تدرس في جامعة الأزهر، في أوقات سابقة، انتقادات من مُفكرين وباحثين، رأوا في تلك المناهج أنها تحتوي على "أفكار متطرفة، وتسيء للإسلام"، وتساهم في نشر التشدد.

ولم يغفل المدونون على هاشتاج "يالأزهر خليك في العسكر" التندر على فكرة أكشاك الفتوى، التي أطلقها مجمع البحوث الإسلامية التابع لمشيخة الأزهر في محطة مترو الشهداء، يوليو/ تموز الماضي، باعتبارها من قبيل المغالاة وتدعيم للثيوقراطية.


بعض التونسيين أبدوا دهشة مما رأوه اقتصار في دفاع الأزهر عن حقوق المسلمين على أمرين هما "ميراث الذكور، وتعدد الزوجات"، والبعض الآخر استنكر "ترك المصريين لكل مشكلاتهم، والتدخل في شؤون تونس".

لكن الهاشتاج شهد أيضًا آراء ضد التحركات التونسية، داعمًا لرأي الأزهر، حتى من مواطنين تونسيين.


وشهد وهجومًا من البعض على المؤيدين لهذا الهاشتاج، واصفين إياه بـ"الممول"، وواصفين الأزهر بـ"الوسطية".


تونس "بورقيبة"

يحظى الأزهر بسلطات واسعة في الحياة العامة في مصر، تمتد لما هو خارج الأمور الفقهية، وانتشر عنه وصفًا كليشيهيًا منذ عقود، بأنه "المرجعية الدينية السُنية الأكبر في العالم".

لكن فيما يبدو، لا تمتد سلطة الأزهر إلى تونس، التي لا تمنح مؤسساتها الدينية ما للأزهر من سلطات للتدخل في الشؤون غير الدينية، فتونس واحدة من أكثر الدول العربية تقدمية، فيما يتعلق الحقوق والحريات، وبصورة خاصة حقوق المرأة، وهي البلد الذي أعلن في 2014، أن فصلًا في دستوره الجديد، سيُخصص لإقرار المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات.

وما فعلته تونس عام 2014 ليس بجديد، فهو تفعيل لـ"مدونة المرأة" التي أقرها رئيس تونس الأول الحبيب بورقيبة، الذي تخلده ذاكرة مواطناته كنصير ساهم منذ منتصف القرن الماضي في تمكينهن على مختلف المستويات.

ولم يكن "بورقيبة" داعيًا للمساواة وحسب، ففي سبيل تحقيقها اتخذ الرجل خطوات، كان أبرزها إصدار مجموعة قوانين اجتماعية عام 1956، حين كان رئيسًا للحكومة، وتم فيها سن قوانين للأسرة، ذات تغيرات جذرية من قبيل "منع تعدد الزوجات، وسحب القوامة من الرجل، وجعل الطلاق بيد المحكمة وليس الزوج".

واليوم، ما زالت نساء تونس متمتعات بقوانين "بورقيبة" وحسب، بل تواصل بلادهن مساعيها الحثيثة لبلوغ مستويات أكبر من التمكين والحُريات المُفعّلة.