مُنى برنس أمام قاعة مجلس التأديب- المصدر: حسابها الرسمي على فيسبوك

الأكاديميون وازدراء الأديان.. تُهمة "فضفاضة" وقانون "مطاط"

"فضفاضة لدرجة إنها تسمح باصطياد من يدلون بآراء حسب تفسير البعض الآخر لها"

-جمال عيد عن تهمة ازدراء الأديان

انتهت مساء اليوم جلسة استماع تأديبية بجامعة السويس انعقدت للتحقيق مع مُنى برنس أستاذ الأدب الإنجليزي بالجامعة. وانتهى قرار اللجنة إلى تأجيل الانعقاد لجلسة 12 سبتمبر/ أيلول المُقبل* لاطلاع برنس على قائمة الاتهامات والردّ عليها.

وتواجه "برنس" اتهامات بارتكاب أمور منها "ازدراء الأديان، ونشر أفكار هدّامة، والإساءة للذات الإلهية، والدعوة لعبادة وتمجيد الشيطان"، عبر تدريسها نص "الفردوس المفقود" للشاعر الإنجليزي جون ميلتون، وهو من كلاسيكيات الأدب العالمي.

تزامنت أزمة "برنس" مع انعقاد مجلس تأديب آخر، في كلية الطب بجامعة الزقازيق، بحق أستاذ الطب النفسي ماهر المغربي، بسبب ما نُشر في حسابه الشخصي على فيسبوك، واعتبرته إدارة الكُلية "ازدراءً للأديان"، التُهمة المنصوص عليها في قانون العقوبات، والتي لم يكلل النجاح جهودًا حقوقية كثيرة لمحاولة إلغائها.

"تأديب" اﻷساتذة

لم تتمكن "المنصّة" من التوصّل للدكتور "المغربي" الذي نفى في تصريحات لصحيفة "المصري اليوم" صلته بالمنشور مؤكدًا سرقة حسابه، وحاولت الاتصال بالدكتورة منى برنس، التي كتبت في حسابها على فيسبوك بعضًا من تفاصيل جلسة اليوم، إلا أنها لم تردّ.


لكن المحامي بحريّة الفكر والتعبير مُهاب سعيد، الذي حضر الجلسة معها قال إن أبرز ما وجه لها من اتهامات كان "الرقص، وازدراء الأديان عن طريق تدريس نص من القرن السابع عشر"، وهو "الفردوس المفقود" للأديب الإنجليزي جون ميلتون، وهي قصيدة ملحمية تبدأ بخروج الإنسان (آدم وحواء) من الجنة.

أما "المغربي" فلم يوجه له الاتهام على فعل ارتكبه داخل الجامعة، بل بسبب منشور في حسابه على فيسبوك، اعتبره معاقبوه "ازدراءً للأديان"، استوجب أيضًا من وجهة نظرهم "وقفه عن العمل ٣ شهور، ومنعه من دخول الجامعة إلا فى الأيام المحددة لجلسات التحقيق والمحاكمة التأديبية".

والآن يمثُل الأكاديميان أمام مجلسي التأديب، استنادًا لحق ممنوح لجهتي عملهما بموجب مواد قانون تنظيم الجامعات، وذلك في حالات من بينها ارتكاب أفعال "تحط من القيم والأعراف الجامعية"، وفق ما يشرحه تقرير أصدرته مؤسسة حُرية الفكر والتعبير.

ويصف "سعيد" هذه العبارة بـ"المطاطة"، منتقدًا افتقار مواد القانون للدقة المطلوبة في هذه الحالات بقوله "العقوبات في مجال التأديب، لم يحدد القانون إلا أنواعها فقط، مثل التنبيه واللوم والعزل، لكن دون أن يحدد أي عقوبة تناسب أي جُرم".

وأما التُهمة الموجه لهما وهي "ازدراء الأديان"، فيعلّق عليها المحامي الحقوقي جمال عيد، مُدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، لـ"المنصّة" بقوله إنها "فضفاضة لدرجة إنها تسمح باصطياد من يدلون بآراء حسب تفسير البعض الآخر لها"، ويشير إلى مُشكلة مرتبطة بها، تتمثل في أنه "حتى في الحالات القليلة التي أنصف فيها القضاء أصحاب الرأي، يبقى الخوف في أذهان غيرهم من الملاحقة بهذه التهمة؛ فيؤدي لتعزيز دور الرقيب الذاتي عليهم".

اتهام مدحوض

يُعَقّب "سعيد" على قضية منى برنس، بقوله "شيء غريب معاقبتها على تدريس نص، خاصة وأنها تطرقت له من منطلق التطور الأدبي، إذ أنها كلّفت طلابها أثناء شرحها الرواية، بالمقارنة بينها وبين نصوص عربية مثل أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، وكلمات سبارتاكوس الأخيرة لأمل دُنقل، والتي لم تحتو على أي ازدراء لأي دين، بل ولم يعاقب مؤلفيها بتهمة ازدراء الأديان حتى تعاقب من تُدَرّسها الآن"، مشيرًا إلى أن ملكية المادة شرط لتوجيه الاتهام وفقًا لقانون العقوبات.

تنص المادة "98 و" من قانون العقوبات على أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى ﻷفكار متطرفة لقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأدان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية".

وتطرق المحامي الحقوقي لحالة أستاذ الطب النفسي، قائلاً "هو نفى عن نفسه التُهمة، لكن لو سلّمنا بأنه كتبها على فيسبوك، فهنا نحن نخرج من الإطار الوظيفي للجريمة، ﻷن صفحته ليست عامة ولا تمت بصلة لوظيفته، وهو حر فيما يعتقده ويراه عبر حسابه".

وتنص المادة 65 من الدستور المصري الساري على أن "حرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر".

بجانب هذه المادة الدستورية، يقول "سعيد" إن قانون تنظيم الجامعات ولائحته التنفيذية، "يشوبهما العديد من أوجه العوار"، مشيرًا إلى ما يمكن الاستعاضة به عن مواد هذا القانون في مجال الحريات الأكاديمية، مثل الإعلانات العالمية الخاصة بالحريات الأكاديمية "ليما" و"كامبالا" و"عمان"، والتي وإن كانت غير مُلزمة لمصر ﻷنها لم تُصدّق عليها؛ إلا أنه سبق وأن استند إليها القضاء الإداري ﻹصدار أحكام.

وأما المحامي الحقوقي جمال عيد، فيرى أنه من الأولى التوسّع في الحريات الأكاديمية من قبل الجامعات نفسها "كحائط صدّ لحماية الأكاديميين والباحثين"، مُذكرًا بموقف الجامعة حين "انحازت لحرية التعبير، وساندت طه حسين أمام هجوم مجتمعي واتهام وُجِّه له بازدراء الأديان".


* ورد في نسخة مبكرة من هذا التقرير أن تأجيل جلسة التأديب كان ليوم 18 سبتمبر/ أيلول، وتم التصويب.