نص كلمة السيسي في قمة مجلس الأمن 19/9/2017


أود هنا تأييد أهمية عدم فرض أنماط أو قوالب أو نظم سياسية معينة على الدول التي تشهد نزاعات، وإيلاء الاهتمام اللازم بمراعاة خصوصيتها السياسية والثقافية والاجتماعية، بما يضمن إنجاح جهود حفظ السلام والأمن وبناء السلام.

بسم الله الرحمن الرحيم،

صاحب المعالي هايله مريم ديساليغنه، رئيس وزراء دولة إثيوبيا ورئيس مجلس الأمن، السادة أصحاب الفخامة رؤساء دول الحكومات، الدول الأعضاء بمجلس الأمن، السادة الحضور..

إنه لمن دواعي سروري أن أشارك اليوم في أعمال قمة مجلس الأمن حول عملية حفظ السلام، والتي تنعقد بمبادرة مقدرة من إثيوبيا، وأود بداية أن أرحب باعتماد مشروع القرار المعمم بمراجعة عملية حفظ السلام، والذي يعد خطوة في الاتجاه الصحيح لتعزيز منظمة السلم والأمن الخاصة بالأمم المتحدة.

كانت مصر من أوائل الدول الداعمة لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بدءًا بمشاركتها في أول مهمة حفظ سلام متعددة الأبعاد في الكونغو عام 1960، وانتهاء بكونها سابع أكبر الدول مساهمة بقوات في مهام حفظ السلام الأممية حاليًا.

السيد الرئيس، السادة الحضور،

لقد كانت مصر من أوائل الدول الداعمة لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بدءًا بمشاركتها في أول مهمة حفظ سلام متعددة الأبعاد في الكونغو عام 1960، وانتهاء بكونها سابع أكبر الدول مساهمة بقوات في مهام حفظ السلام الأممية حاليًا.

وقد وصل عدد البعثات التي شاركت فيها مصر إلى 37 بعثة أممية بإجمالي قوات تجاوز 30000 فرد منذ بداية مشاركتنا في عمليات حفظ السلام في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا.

وطوال هذه العقود لم تُحجِم مصر عن المشاركة في أصعب مهام الأمم المتحدة وأكثرها خطورة، وأولت الاهتمام الواجب بالتدريب والتأكد من أعلى مستويات الجاهزية والكفاءة.

وضربت مثلًا يحتذى به في السلوك والانضباط وعدم التسامح مع أي تجاوز، وساهمت في بناء القدرات الإقليمية لحفظ السلام لا سيما الإفريقية والعربية.

السيد الرئيس، السادة الحضور،

إننا اليوم، وإذ نرحب بقرار مراجعة عمليات حفظ السلام، فإننا نتطلع إلى أن يكون هذا القرار خطوة على طريق الإصلاح الحالي الذي تقوم به المنظمة، مع التركيز على معالجة أوجه القصور العملياتي والفني، وذلك سعيًا للتوصل إلى رؤية متكاملة لسبل منع النزاع واستدامة السلام. وتطوير دور حفظ السلام في تحقيق تلك الرؤية، وآلية صنع القرار اللازمة لذلك، وفي هذا الصدد أود أن أطرح النقاط التالية:

حفظ السلام لا يمكن أن يكون هو رد الفعل المبدئي لكل أزمة.

أولًا: إنه مع التسليم بأهمية حفظ السلام كأحد أهم أدوات المجتمع الدولي لصون السلم والأمن الدوليين، فلا يجب أن يكون الأداة الوحيدة لتحقيق هذا الغرض. فحفظ السلام ليس بديلًا عن الجهود الدبلوماسية الوقائية، أو الوساطة أو بناء السلام، أو غيرها من الأدوات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية الرامية لعلاج جذور المشكلات ورأب الصدع الاجتماعي، وبالمثل، فإن حفظ السلام لا يمكن أن يكون هو رد الفعل المبدئي لكل أزمة.

وفي هذا الإطار فقد حرصت مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية على الدعوة لتبني مقاربة استراتيجية جديدة تتعامل مع عمليات حفظ السلام في إطار مفهوم يتضمن خطط عمل سياسية وبرامجية وعملياتية متكاملة، وبحيث تُعَد ولايات عمليات حفظ السلام بصورة مستمرة استجابة للمتغيرات السياسية والميدانية، الأمر الذي يتفق إلى حد بعيد مع مواقف العديد من دول العالم، وكذا مع رؤية السكرتير العام، والذي لا تفوتني الفرصة هنا للإشادة بجهوده في تفعيل أدوات السكرتارية وتنشيط دورها السياسي وهو ما يستحق الدعم والتأييد.

إن مصر ترى أن مثل هذه المقاربة أصبحت ضرورة في ضوء التحديات الجسيمة المرتبطة بالنزاعات المسلحة، وما تخلفه من إضعاف المؤسسات الوطنية وتقليص قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وكذا في ضوء التشابه بين نزاعات وتهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة، وغيرها من التهديدات والتحديات للسلم والأمن الدوليين.

ثانيًا: يرتبط بما سبق دعوة مصر للمجتمع الدولي بإعطاء الأولوية دومًا لجهود تسوية النزاعات وتقديمها على منهج إدارة النزاع والذي نتج عنه تجميد النزاعات واستمرار بعضها لعقود دون أفق سياسي للحل. مثلما نشهد للأسف الشديد في منطقتنا العربية وقارتنا الإفريقية، وهي النزاعات التي سرعان ما تتأجج تحت وطأة الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أدت لاشتعالها.

وفي هذا السياق أضم صوتي إلى لجان المراجعة الأممية لعام 2015 والتي أجمعت على ضرورة إيلاء الأولوية للجهود السياسية، واعتبار ذلك أساسًا لمهام الأمم المتحدة المختلفة سواء مهام حفظ السلام أو المهام السياسية الخاصة.

ثالثًا: مع أهمية الدور الذي تقوم به قوات الأمم المتحدة، فإن دورها لا يجب أن يكون بديلًا لدور الحكومات أو مؤسسات الدول المستضيفة. كما لا يجب السعي لفرض وصاية عليها، إنما يجب العمل على توفير بيئة أمنية وسياسية حاضنة لتعزيز الملكية الوطنية لجهود المصالحة وبناء السلام بما يعكس أولويات تلك الدول والمجتمعات.

وأود هنا تأييد أهمية عدم فرض أنماط أو قوالب أو نظم سياسية معينة على الدول التي تشهد نزاعات، وإيلاء الاهتمام اللازم بمراعاة خصوصيتها السياسية والثقافية والاجتماعية، بما يضمن إنجاح جهود حفظ السلام والأمن وبناء السلام.

كما أود الإشارة إلى أن مسؤولية حماية المدنيين والدور المحوري الذي تقوم به قوات حفظ السلام في هذا الإطار لا يجب أن يفتئت على المسؤولية الأساسية التي تقع على عاتق الدولة المستضيفة في حماية مواطنيها، بل يجب أن يقترن بتطوير وتوسيع مفهوم الحماية للتركيز على بناء قدرات الدول والمجتمعات المستضيفة وبحيث يعكس خصوصيتها وأولوياتها.

استئثار بعض الدول بصياغة ولايات مهام حفظ السلام مع عدم المراعاة الكاملة لمشاغل واهتمامات الدول المشاركة بقوات هو أمر لا يساعد على نجاح تلك المهام.

رابعًا: دعوني أكون أكثر صراحة، فإن استئثار بعض الدول بصياغة ولايات مهام حفظ السلام مع عدم المراعاة الكاملة لمشاغل واهتمامات الدول المشاركة بقوات هو أمر لا يساعد على نجاح تلك المهام، بل قد لا يكون عمليًا في التنفيذ بما ينتج عنه في العديد من الأحيان من افتقاد للفهم المشترك بين مجلس الأمن وسكارتارية الأمم المتحدة والدول المشاركة بقوات في عمليات حفظ السلام.

لذا فإني أدعو لإنشاء آلية تشاورية مؤسسية فعالة بين تلك الأطراف الثلاثة، وهي الدولة الرئيسية المساهمة بالقوات وأعضاء مجلس الأمن وسكارتارية الأمم المتحدة، تمكنهم من التشاور في كافة مراحل تطوير وتجديد ومراجعة ولايات بعثات الأمم المتحدة.

وأخيرًا، مما لا شك فيه، إن المسؤولية الأساسية لحفظ السلام والأمن الدوليين تقع على مجلس الامن إلا أنه من المؤكد أيضًا أن هناك دورًا هاما وحيويًا للمنظمات الإقليمية المتواجدة في مناطق النزاع وهو دور أرساه ميثاق الأمم المتحدة في فصله الثامن.

وأود هنا أن أشير تحديدًا إلى الاتحاد الإفريقي الذي تُقدِّم شراكته الناجحة مع الأمم المتحدة نموذجًا يحتذى به، خاصة في مهام حفظ السلام التي قادها الاتحاد الإفريقي لتثبيت الأوضاع، ثم انتقلت إلى الأمم المتحدة أو العمليات الهجينة التي تنفذها المنظمتان سويًا.

لا سيما وقد بات لهيكل السلم والأمن الإفريقي دوره المحوري في تسوية النزاعات في القارة وليس فقط إدارتها. ويمكن لهذا التعاون أن يتم تعزيزه والبناء على الميزات النسبية المتوفرة للمنظمة الأممية والاتحاد الإفريقي. في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة للاستغلال الأمثل لمواردها، وأذكر هنا بأهمية تفعيل اتفاقية تعزيز الشراكة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي الموقعة في شهر أبريل الماضي.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على الأمم المتحدة الالتفات للمنظمات الإقليمية الأخرى، والإسهام في رفع كفائتها وتعزيز خبرتها بما يمكنها من التعامل مع النزاعات الاقليمية، وتنمية قدراتها في مجالات الإنذار المبكر والوساطة، وإذا ما دعت الحاجة للتعاون معها في نشر مراقبين ومهام لحفظ السلام. ويحضرني هنا تحديدًا جامعة الدول العربية التي يمكن أن يكون لها دور فاعل إقليميًا بالوطن العربي.

السيد الرئيس، السادة الحضور،

أود في الختام التأكيد مجددًا على مواصلة مصر للقيام بدورها الإقليمي والدولي، وبذل كافة الجهود للقضاء على تحديات السلم والأمن الدوليين، وإرساء السلام والاستقرار بما في ذلك من خلال مشاركتها النشطة في المنظمات الدولية والإقليمية، واستمرار الارتقاء بمساهمتها في عمليات حفظ السلام، كأحد أكبر الدول المساهمة بقوات، وشكرًا.